أعلم أن هذا الصنم بين الهرمين الكبار ويعرف هذا الصنم أولا ببلهيب والآن يعرف أبو الهول.
قال القضاعي: صنم الهرمين صنم كبير من حجارة لا يظهر منه سوى رأسه فقط يسميه العامة أبو الهول يقال أنه طلسم للرمل ليلا يغلب على طين الجيزة، وقال فى كتاب عجائب البنيان وعند الأهرام رأس وعنق بارزة من الأرض فى غاية العظم يسميه الناس أبو الهول، ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض ويقتضى القياس بالنسبة إلى رأسه أن يكون حوله سبعين ذراعا، وفى جهة حمرة ودهان يلمع عليه رونق الطروه وهو حسن الصورة كأنه يضحك تبسما ويقابله فى بر مصر قريب من دار الملك صنم عظيم الخلقة والهيئة متناسب الأعضاء وفى حجره مولود والجميع من صوان مانع، ويزعم الناس أنه فى خلقه امرأة وأنها سرية أبى الهول المذكور ويقال لو وضع على رأس أبى الهول خيط ومد إلى سريته ذلك الخيط لكان على رأسها مستقيما ويقال أن أبا الهول طلسم يمنعه عن الطين، وأن السرية طلسم الماء يمنعه عن مصر وأملاكها.
وقال ابن المتوج زقاق الصنم هو الزقاق الشارع أوله بأول السوق الكبير يجاور درب عمار ويعرف هذا الصنم أيضا بسرية فرعون، وذكر طلسم النيل لأن لا يغلب علي البلد وأن أبى الهول الذى عند الأهرام يقابله ظهره إلى الرمل، وظهر هذه النيل وكل منهما مستقبل المشرق وقد نزل فى سنة إحدى عشر وسبعمائة أمير يعرف ببلاط فى نفر من الحجارين والقطاعين وكسروا الصنم المعروف بالسرية وقطعوه أعتابا وقواعد ظن أن يكون تحته ذهب، فلم يجد تحته سوى أعتاب من حجر عظيمة فحفر إلى الماء فلم يوجد شئ وجعلوا من حجر هذا الصنم قواعد تحتانية للعمد الصوان التي بالجامع المسجد المعروف بالجامع الجديد الناصري، وكم يبقي لهذا الصنم أثر يعرف وقد كان شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، وأقام فى نحو سنة ثمانين وسبعمائة يتغير
[ ١٥٧ ]
أشياء كثيرة من المنكر، وسار إلى الأهرام وشوش وجه أبى الهول وشعثه فهو على ذلك إلى اليوم، ومن حينئذ غلب الرمل على أراضى كثيرة من الجيزة وأهل تلك النواحى يرون أن سبب غلبة الرمل على الأراضى فساد وجه أبى الهول، والله أعلم.
وما أحسن قول ظافر الحداد:
تأمل حكمة الأهرام وأعجب … وعندهما أبو الهول العجيب
كفاويتين فأمانى بخيب … بمحبوبين بينهما رقيب
وماء النيل تحتهما دموع … وصوت الريح عندهما يجيب
وظاهر سجن يوسف مثل صب … تخلف فهو محزون كئيب
ويقال أن اتريب بن قبط بن مضر بن ببصير بن مصريم بن حام بن نوح ﵇ أوصا أخاه صا عند موته أن يحمله معه فى السفينة ويدفنه بجزيرة فى وسط البحر فلما مات فعل ذلك من غير أن تعلم به أهل مصر فاتهموا أخاه صا بقتله، وحاربوه تسع سنين حتى أوقفهم على قبر واترتب فحفروه فلم يجدوا به شيئا وقد نقلته الشياطين إلى موضع أبى الهول ودفنوه هناك بجانب قبر أخيه وجده بيصر فازدادوا له همة وعادوا إلى مدينة منف واحترتوا معه فآتاهم إبليس وذلهم على قبر اترتب فأخرجوه من قبره، ووضع، على سرير فتكلم لهم الشيطان عن لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له وعبدوه فيما عبد وأمن الأصنام وقتلوا أخاه صا، ودفنوه على شاطئ النيل، فكان النيل إذا زاد لا يعلوا قبره فافتتن به طائفة وقالوا: قد قتل صا ظلما، وصاروا يسجدون لقبره كما يسجدوا الاخاه اترتب، ثم أن أفرين عمدوا إلى حجر فنحتوه على صورة أشموم وسموه أبو الهول ونصبوه بين الهرمين وجعلوا يسجدون له فصار أهل مصر ثلاث فرق، ولم تزل الصابية تعظم أبى الهول ويقرب له الديوك البيض وتبخره بالصندروس، والله أعلم.
***
[ ١٥٨ ]