أعلم أن النوبة والمقره جنسان بلسانين كلاهما على النيل والنوبة وهم المريسى المجاورون لأرض الإسلام، وبين أول بلدهم وبين أسوان خمسة أميال ويقال: النوبة ومقره من حمير وأكثر الأخبار على أنهم من ولد حام بن نوح ﵇ وكان بين النوبة والمقرة حروب قبل النصرانية. وفى أول المقره قرية تعرف بناقة على مرحلة من أسوان ومدينة ملكهم يقال لها بخراش على أقل من عشرة مراحل من أسوان.
ويقال أن موسى صلوات الله عليه غزاهم فى أيام فرعون فاخرب ناقة وكانوا صابية يعبدون الكواكب وينصبون التماثيل لها ثم تنصروا جميعا النوبة والمقرة ودنقلة، وفى أول بلاد علوة قرى فى الشرق على شاطئ النيل تعرف بالأبواب ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوه بعرف باكو جراج والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار فمنها يأتى من ناحية المشرق وكدر الكون يتشف فى الصيف حتى يسلك بطنه فإذا كان وقت زيادة النيل ينبع فيه الماء وزادت البرك التى فيه وكثر المطر والسيول هناك وقيل أن آخر هذا النهر عين عظيمة تأتى من جبل فهناك.
قال مؤرخ النوبة حدثنى سميون صاحب عهد بلد علوة أنه يوجد فى بطن هذا النهر فى الطين حوت لافشر له ليس هو من جنس ما فى النيل من الحيتان يحفرون قدر قامه حتى يخرج وهو كبير جدا، ويقال أن بين علوة وبحة جنس يقال لهم نازة يأتى من عندهم طير يعرف بحمام نازين، ويعد هؤلاء أول بلاد الحبشة وعندهم النيل يسمونه النهر الأبيض وهو نهر يأتى من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن الحليب.
قال: بعض من سلك بلاد السودان عن النيل الذى عندهم وعن لونه، فذكر أنه يخرج من جبال وأنه تجتمع فى برك عظام هناك، ثم ينصب إلى ما لا يعرف وأنه ليس بأبيض، وإنما يكتسب ذلك اللون مما يمر عليه أو من نهر آخر ينصب إليه وعليه أجناس من
[ ١٩٠ ]
الناس شتى ثم ذكر النيل الأخضر فقال هو نهر يأتى من نحو القبلة مما يلى الشرق وأنه شديد الخضرة صافى اللون جدا، يرى ما فى قعره من السمك وطعمه مخالف لطعم ماء النيل يعطش الشارب منه بسرعة وحيتانه خلقة واحدة غير أن طعمهم مختلف ويأتى فيه وقت زيادة النيل اسقالات من خشب الساج والبقم والقنا وخشب له رائحة كرائحة اللبن.
وقيل إنه وجد فيه عود كالبخور المسمى بالقاقلى وتجتمع هذان النهران الأبيض الأخضر عند مدينة كرسى علوة ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة ثم يختلطان بعد ذلك وبينهما أمواج كبار يتلاطما. وقال: من رأى النيل الأبيض حين ينصب فى النيل الأخضر وأنه بقى فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا وبين هذين النهرين جزيرة لا يعرف لها غاية وكذلك لا يعرف لهذين نهاية، فأولهما يعرف عرضه ثم يتسع فيصير مسافة شهر ثم لا يدرك سعتهما وعليهما خلائق كثيرة يسكنونهما من أجناس شتى.
ويقال أن بعض ملوك علوه سار فيها يريد أن يعرف أقصاها. فسار فيها سنين فرأى فى طرقها جنسا يسكنونهم ودوابهم فى بيوت تحت الأرض مثل السراديب من شدة حر الشمس ويسرحون بالليل لمعايشهم.
وقال بعض من طرق بلاد الزنج أنه سار فى بحر الصين إلى بلد الزنج بالزنج الشمال فى مركب من الجانب الشرقى حتى إنتهاء إلى بلد تعرف برأس حفرى، وهى مدينة كبيرة وتصير قبلتهم للصلاة نحو جدة وفيها رباط فيه جماعة من المسلمين وأكثرهم جنوبهم الذرة التى مثل الأرز وعندهم المواشى كثير والخيل والحمار والجمال ودينهم دين النصرانية وكتبهم بالقلم الرومى يفسرونها بلسانهم ومما فى بلدهم من العجائب أن فى الجزيرة الكبرى التى بين البحرين جنسا يعرف بالكرسا لهم أرض واسعة تزرع على النيل والمطر وإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم ما عنده من البدار قد زرع وآوان المزار فارغة، وإذا كان وقت الحصاد خطوا شيئا من المزار وانصرفوا عنه فإذا أصبحوا وجدو الزرع قد حصد باشره وجرن، فإذا أرادوا دراسة وتدربته فعلوا بذلك، وربما أراد أحدهم أن يبقى زرعة من الحشيش فيغلظ بقلع شئ من الزرع فيضح.
وقد رأى جميع الزرع قد قلع وفى هذه الناحية بلدان واسعة مسيرة شهرين فى شهرين، وأكبر بلدهم علوة، وهذه الحكاية عنهم صحيحة معروفة مشهورة عند جميع أهل النوبة وأهل علوة وكل من يطرق تلك النواحى من تجار المسلمين وأن أهل تلك الناحية يزعمون أن لجان تفعل معهم ذلك. ومن عجائب تلك الناحية ما حدث به أهل الناحية أن المطر إذا مطر عندهم يلتقطون
[ ١٩١ ]
منه سمكا من أعلى الجبال. وذكروا أنه صغير القدر بادناب حمر ويقال أن فيهم جماعة يعترفون بالبارى ﷾ ويتقربون إليه بعبادة الشمس والقمر والكواكب، ومنهم من لا يعترف بالبارى ويعبد النار ومنهم يعبد كلما يستحسنه من شجرة أو بهيمة ومن هم من يعبد الله تعالى خالصا مخلصا وإذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء أو وقع فى بلادهم آفة صعدوا إلى الجبال ودعوا إلى الله فيجابوا من وقتهم وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوا وهم لا يعرفون أحدا من الأنبياء ولا الرسل ولا ما نزل الله تعالى من الكتب، ولكن تعبدون الله تعالى بإخلاص النية وملكهم مسلم لا يكلمه أحدا من وراء حجاب وغالب أكلهم الأرز وهو ينبت عندهم من غبر بذر وعندهم يوجد القمح والذرة والتين والليمون والبادنجان واللفت والرطب ويجلب من عندهم قماش يقال له الدندى طول كل ثوب عشرة أذرع ويتعاملون بالودع والخرز والنحاس المكسر والورق، وفي جوانب تلك النواحى أشخاص متوحشة تسمى الغول قريب من الشكل الأدمى نودى الناس ويكسرهم ولا يظهر إلا بالليل ويظهر منها شبه شرار النار فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه ولو جرى خلفها لا يصل إليها بل لا تزال إمامه فإذا رماها بحجر فأصابها فيطير منها شرار مثل شرار الحداد فلا يلحقها الفارس الراكب المجد ويختفى فى مغاير هناك فى الجبال.
ومن العجائب عندهم أن اليقظة تصير عندهم قدر المركب الصغير حتى أنهم يصنعوا من نصفها مركب ويضعوه فى النيل ويعدوا فيه. وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدة فى الجنوب إلى سميت الغرب الأوسط وهى بلد شر مزاج بأهلها.
***