أعلم أن لمصر فضائل كثيرة منها أن الله ﷿ ذكرها في كتابه العزيز في نيف وعشرين موضعا، تارة بصريح اللفظ وتارة إيماء فقال تعالي ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ (^١) وقال تعالى ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (^٢) وقال تعالى مخبرا عن فرعون إنه قال ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (^٣) وقيل لم يكن في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، وكان جميع أهل الأرض يحتاجون إلي مصر. وأما الأنهار فكانت قناطر وجسور بتقدير وتدبير حتى أن الماء يجري من تحت منازلها وافندتها فيحبسونه حيث شاءوا. وأما ذكره الله تعالي فيها بالإشارة من الآيات فمن ذلك قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (^٤) تعني مصر .. وقال تعالي ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (^٥) قال ابن عباس وسعيد بن المسيب (^٦) ووهب بن منبه (^٧) هي مصر. وقال
_________________
(١) ٦١ البقرة: ٢.
(٢) ٩٩ ك يوسف ١٢.
(٣) ٥١ ك الزخرف ٤٣.
(٤) ٩٣ ك يونس: ١٠.
(٥) ٥٠ ك المؤمنون: ٢٣.
(٦) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومى أبو محمد المدنى سيد التابعين، ولد لسنتين مضتا - وقيل لأربع - من خلافة عمر. قال يحيى بن سعيد عنه: كان أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته، كان يسمى راوية عمر، مات سنة ٩٤ هـ وقيل سنة ٩٣ هـ.
(٧) وهو وهب بن منبه بن كامل اليمانى الصنعانى الذمارى أبو عبد الله الأبناوى، ولد سنة ٣٤ هـ ومات سنة ١١٦ هـ بصنعاء، وقيل سنة ١١٣ هـ وقيل أيضا سنة ١١٤ هـ.
[ ٢٢ ]
تعالي: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (^١) وقال أبو رهم (^٢) كانت الجنات بحافتى النيل من أوله إلي أخره في الجانبين جميعا ما بين أسوان إلي رشيد وهي سبعة خليج، خليج الأسكندرية، وخليج سخا، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنته ..
متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء وزروع ما بين الخليجين كله من أول مصر إلى أخرها مما يبلغه الماء وكان جميع أرض مصر كلها تروى يؤمئذ من ستة عشر ذراعا عالما قد دبروا من قناطرها وجسورها، قيل والمقام الكريم هو الفيوم وقيل المنابر وقد كان بها ألف منبر، وقال سعيد بن كثير (^٣) بن عفير: كنا بقية الهواء عند المأمون لما قدم مصر فقال لنا ما أدري ما أعجب فرعون مصر حيث يقول أليس لي ملك مصر. فقلت: يا أمير المؤمنين أن الذى يري بقية ما قد كان لأن الله تعالى يقول: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (^٤) .. فقال: صدقت يا سعيد، ثم أمسك عن الكلام. قال الله تعالى مخبرا عن قوم فرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥) يعنى أرض مصر. وقال تعالي حكاية عن يوسف ﵇ أنه قال ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (^٦) وقال مخبرا عن موسي ﵇ إنه قال ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (^٧).
وقال تعالى ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (^٨) وقال تعالي ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٩) يعني أرض مصر. وقال ابن عباس
_________________
(١) ٥٨: الشعراء ٢٦.
(٢) هو أحزاب بن أسيد بفتح الهمزة ويقال بالضم قاله البخارى ويقال ابن أسد أبو رهم السماعى ويقال السمعى فى صحبته، روى عن النبى ﷺ وعن أبى أيوب والعرباص بن سارية، ثقة تابعى.
(٣) هو سعيد بن كثير بن عفير الأنصارى مولاهم المصرى الحافظ، روى عن مالك والليث وابن لهيعة وابن وهب وطائفة، وعنه ابناه عبيد الله وأسد والذهلى والبخارى وأخرون. قال ابن عدى: هو عندنا صدوق ثقة، وقد حدث عنه الأئمة من الناس. قال ابن يونس: كان من أعلم الناس بالأنساب والأخبار الماضية وأيام العرب والتواريخ، أديبا فصيح اللسان حاضر الحجة لا تمل مجالسته، ولد سنة ١٤٦ هـ ومات سنة ٢٢٦ هـ.
(٤) ١٣٧ ك الأعراف: ٧.
(٥) ١٢٧ ك الأعراف: ٧.
(٦) ٥٥ ك يوسف: ١٢.
(٧) ٨٨ ك يونس: ١٠.
(٨) ١٢٩ ك الأعراف: ٧.
(٩) ١٩ ك القصص: ٢٨.
[ ٢٣ ]
﵁ سميت مصر بالأرض في عشرة مواضع من القرآن العظيم، فهذا ما يحضرني فيما ذكرته هنا من الآيات كفاية.
وأما ما جاء فيها من الأحاديث فقد روى عن عمرو بن العاص (^١) أنه قال حدثنى عمر بن الخطاب (^٢) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «إذا فتح الله عليكم بعدى مصر فأتخذوا منها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض» (^٣).
وقال أبو بكر (^٤) ﵁ ولم ذلك يا رسول الله. قال «لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة» .. وعنه صلى الله عليه ولم أنه قال:
«ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما» (^٥) وفى رواية ذمة وصهرا.
قال الليث بن سعد (^٦) قلت لابن شهاب (^٧) ما رحمهم قال أن أم اسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهم كانت منهم.
_________________
(١) هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم السهمى أسلم سنة ثمان قبل الفتح وقيل بين الحديبية وخيبر، وروى عن النبى ﷺ وعن عائشة، مات سنة ٤٣ هـ وقيل سنة ٤٢ هـ وقيل سنة ٥١ هـ.
(٢) هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو حفص العدوى الفاروق وزير رسول الله ﷺ، ومن زيد الله به الإسلام، وفتح به الأمصار، وهو الصادق المحدث الملهم وهو الذى سن للمحدثن التثبت فى النقل، مات سنة ٢٣ هـ.
(٣) ورد فى صحيح البخارى ومسلم وابن حبان وسنن الترمذى والبيهقى.
(٤) هو أبو بكر الصديق ﵁ أفضل الأمة وخليفة رسول الله ﷺ ومؤنسه فى الغار وصديقه الأكبر ووزيره الأحزم عبد الله بن أبى قحافة القرشى التيمى، مات سنة ١٣ هـ.
(٥) ورد فى سنن ابن ماجه.
(٦) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى أبو الحارث المصرى أحد الأعلام، روى عن الزهرى وعطاء ونافع وبكير بن الأشج وخلق. وعنه ابنه شعيب وكاتبه أبو صالح وابن المبارك وقتيبة وعيسى بن حماد زغبة، ولد سنة ٩٤ هـ رمات سنة ١٧٥ هـ.
(٧) هو الزهرى أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب المدنى أحد الأعلام نزل الشام، وروى عن سهل بن سعد وابن عمر وجابر وأنس. مات سنة ١٢٤ هـ.
[ ٢٤ ]
وعن مسلم بن يسار (^١) أن رسول الله ﷺ أنه قال استوصوا بالقبط خيرا فأنكم ستجدنونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم» (^٢).
قال مروان القصاص (^٣): صاهر القبط من الأنبياء إبراهيم الخليل تسري هاجر أم إسماعيل، ويوسف تزوج بنت صاحب عين شمس من القبط، ومحمد ﷺ تسري بمارية أم ولده إبراهيم وهذا يحضرني فيما ذكرته من الأحاديث الشريفة كفاية.
وقال كعب الأحبار (^٤): من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلي مصر إذا أزهرت يعني أيام ربيعها. ومن فضائل مصر أنه كان من أهلها السحرة وقد آمنوا جميعا في ساعة واحدة ولا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وكانوا في قول يزيد أبي حبيب (^٥) وغيره أنهم كانوا أثني عشر ساحر، وتحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا، وتحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع من آمن من السحرة مائتا ألف، يعنى ألفا ومائتي وأثنان وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء، فلما عاينوا ما عاينوا إيقنوا أن ذلك من السماء، وأن السحر لا يقوم أمر الله فخروا الأثنا عشر رئيسا عند ذلك سجدا فاتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من بقى، وقالوا آمنا برب العالمين رب موسي وهارون.
_________________
(١) هو مسلم بن يسار البصرى الأموى المكى أبو عبد الله الفقيه مولى بنى أمية، وقيل مولى طلحة وقل مولى مزينة ويقال له مسلم سكرة ومسلم المصبح، ثقة. مات سنة ١٠٢ هـ.
(٢) ورد فى صحيح البخارى.
(٣) هو الفقيه والمحدث مروان بن شجاع الجزرى الحرانى أبو عبد الله الأموى مولى محمد بن مروان بن الحكم، ثقة كثرت روايته، ثقة. مات سنة ١٨٤ هـ.
(٤) هو كعب بن مانع الحميرى أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، من آل ذى رعين وقيل من ذى الكلاع، يقال أدرك الجاهلية وأسلم فى أيام أبى بكر وقيل فى أيام عمر. روى عن النبى ﷺ وعن عمر وصهيب وعائشة، وعنه ابن امرأته تبيع الحميرى ومعاوية وأبو هريرة وابن عباس ومالك بن أبى عامر الأصبحى وعطاء بن أبى رباح وعبد الله بن ضمرة السلولى وعبد الله بن رباح الأنصارى وروح بن زنباع ويزيد بن حمير وشريح بن عبيد، ثقة. مات سنة ٣٢ هـ وقيل سنة ٣٤ هـ.
(٥) هو يزيد بن أبى حبيب واسمه سويد الأزدى أبو رجاء المصرى، روى عن سالم ونافع وعكرمة وعطاء وخلق، وعنه سليمان التيمى وابن لهيعة والليث وآخرون. مات سنة ١٢٨ هـ.
[ ٢٥ ]
وقال عبد الله بن عمر (^١): خلقت الدنيا [على خمس صور] (^٢)، على صورة الطير برأسه وصدره، وجناحيه، وذنبه .. فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمة يقال لها واق، وخلفهم أمة يقال لها واق وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله. والجناح الأيسر السند وخلف السند أمة يقال لها ناسك، وخلف ناسك أمة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالي، والدنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس وشر ما فى الطير الذنب.
وقال الجاحظ (^٣): الأمصار عشرة الصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والتخت ببغداد والغى بالري والجفا بنيسابور والحس بهراة والطرمدة بسمرقند والمروة ببلخ، والتجارة بمصر والبخل بمرو، وقيل إن كل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة يؤيد ذلك قول الله تعالي:
﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (^٤)، ومن عجائب مصر معامل كالتنانير يعمل بها البيض بصنعة ويوقد عليه فيحاكى نار الطبيعة في حضانة الدجاجة، فيخرج منها الفراريخ، وهي من معظم دجاج (^٥) مصر، ولا يتم عمل هذا بغير مصر ..
ووصف بعضهم فقال ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء.
فأما اللؤلؤة البيضاء فإن في مصر شهر أبيب ومسرى وتوت يركبها الماء فترى الدنيا
_________________
(١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العدوى المدنى الفقيه أحد الأعلام فى العلم والعمل، شهد الخندق، وهو من أهل بيعة الرضوان، وممن كان يصلح للخلافة فعين لذلك يوم الحكمين مع وجود مثل الإمام على وفاتح العواق سعد ونحوهما ﵄. ومناقبه جمة، أثنى عليه النبى ﷺ ووصفه بالصلاح. مات سنة ٧٤ هـ.
(٢) إضافة من الخطط «للسياق مع المعنى».
(٣) هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثى أبو عثمان الشهير بالجاحظ، كبير أئمة الآدب ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. مولده ووفاته في البصرة فلج في آخر عمره، وكان مشوه الخلقة، ومات والكتاب علي صدره. ولد سنة ١٦٣ هـ. / ٧٨٠ م، ومات سنة ٢٥٥ هـ/ ٨٦٩ م.
(٤) ٣٦ ك الشعراء ٢٦.
(٥) إضافة من الخطط.
[ ٢٦ ]
بيضاء، وضياعها علي روابي وتلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه، فلا سبيل إلي قرية من قراها إلا في الزوارق. وأما المسكة السوداء فإن في أشهر بابة وهاتور وكيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضا سوداء، وفي هذه الأشهر تقع الزارعات، وأما الزمردة الخضراء فإن في أشهر طوبة وأمشير وبرمهات يكثر نبات الأرض وربيعها فتصير خضراء كأنها زمردة. وأما السبيكة الحمراء فإن في أشهر برمودة وبشنس يتورد العشب ويبلغ الزرع الحصاد، فيكون كالسبيكة (^١) التى من الذهب منظرا ومنفعة.
وقال بعضهم في معني ذلك أن فصل الربيع مليح، تضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيث ما ذهبنا، ودر حيث درنا وفصة الفضاء.
ويقال لما خلق الله تعالي آدم ﵇ ومثل له الدنيا شرقها وغربها وسهلها وجبلها وأنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها ومن يسكنها من الأمم ومن يملكها من الملوك.
فلما رأى مصر أرضا سهلة ذات نهر جار مادته من الجنة، تنحدر فيه البركة، ورأي جمالا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة في سفحه أشجار مثمرة، وفروعها في الجنة تسقي بماء الرحمة، فدعا آدم ﵇ في النيل بالبركة ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك في نيلها وجبالها (^٢) سبع مرات فكان آدم ﵇ أول من دعا لها بالبركة والرحمة والخصب والرأفة، وكذلك نوح ﵇ دعا لها بالبركة.
وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر. فقيل له: لم؟ فقال: لأنها بلد معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء قصمه الله تعالى واكبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه.
وقال: بعضهم لو زرعت مصر كلها لوفيت بخراج الدنيا بأسرها، ومن فضائل مصر:
أنه ولد بها من الأنبياء موسي وهارون ويوشع وعيسي بقرية يقال لها اهناس (^٣) من نواحي صعيد مصر، وبها النخلة المذكورة في القرآن في قوله تعالي ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (^٤).
_________________
(١) إضافة من عندنا.
(٢) إضافة من الخطط.
(٣) بالفتح اسم لموضعين بمصر أحدهما اسم كورة فى الصعيد الأدنى يقال لقصبتها أهناس المدينة وأضيفت نواحيها إلى كورة البهنسا، وأهناس الصغرى فى كورة البهنسا أيضا قرية كبيرة.
(٤) ٢٥ ك مريم: ١٩.
[ ٢٧ ]
ودخل مصر من الأنبياء إبراهيم الخليل ويعقوب ويوسف والأسباط وأرميا، وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذى أثني عليه الله ﷻ في القرآن، ويقال أنه ابن فرعون لصلبه واظنه غير صحيح. وكان منها جلساء فرعون الذي أبان الله تعالي فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسي وهارون ﵉ لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالي مخبرا عن فرعون. ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (^١) ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ (^٢) وأين هذا من قول أصحاب النمرود في أمر إبراهيم الخليل حيث أشاروا بقتله قال تعالي حكاية عنهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (^٣) ومن أهل مصر امرأة فرعون التي مدحها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (^٤) ومن أهلها ماشطة بنت فرعون حين آمنت بموسي ﵇ فتمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتاب، وهي ثابتة علي إيمانها بالله تعالي.
وقال صاعد اللغوي (^٥) في في كتاب طبقات الأمم: أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو أول من تكلم في الجوواهر العلوية والحركات النجومية وأول من ابتني الهياكل ومجد الله فيها، وأول من نظر في علم الطب وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء والأرضية والسماوية. وقالوا:
أنه أول من أنذر بالطوفان. فقال: أنها آفة سماوية تصيب الأرض من الماء والنار، وأخاف أن يذهب العلم ويندرس فبني الأهرام والبرابي في صعيد مصر الأعلي، وصور فيها جميع الصنائع والآلآت، ورسم فيها صفات العلوم، حرصا على تخليدها لمن بعده ووخيفة أن يذهب رسمها من العالم. وهرمس هذا هو إدريس ﵇.
ومن فضائل مصر: أنها تميز أهل الحرمين وتوسع عليهم، ومصر فرصة الدنيا، يحمل
_________________
(١) ٣٤ ك الشعراء: ٢٦.
(٢) ٣٦ ك الشعراء: ٢٦.
(٣) ٦٨ ك الأنبياء: ٢١.
(٤) ١١ م التحريم: ٦٦.
(٥) يطلق عليه المؤرخون والكتاب ابن صاعد الأندلسى.
[ ٢٨ ]
خيرها إلي ما سواها من المدن والبلدان، وقيل إنه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور لاستغني أهلها بما فيها عن سائر البلاد. وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته، وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر وتعتني به ملوك النصرانية تترامي علي طلبه، والنصاري كافة تعتقد تعظمه، وتري أنه لا يتم تنصير نصراني حتي توضع شيئا من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها.
ومن فضائل مصر: السفنقور ومنافعه لا تنكر، وبها النمس والعرس ولهما في آكل الثعابين فضيلة لا تنكر، فقد قيل لولا العرس والنمس لما سكنت مصر من كثرة الثعابين وبها السمك الرعادة ونفعها من الحمي إذا أغلقت علي المحموم بريء، وبها حطب السنط، ولا نظير له في معناه فلو وقد منه تحت قدر يوما كاملا لما بقى منه رماد.
وهو مع ذلك صلب في الكسر، سريع الأشتغال بطئ الخمود، ويقال أنه أبنوس غيرته بقعة مصر فصار أحمر. وبها الأفيون وذلك عصارة الخشخاش ولا يجهل منافعه إلا جاهل وبها البنج وهو ثمر قدر اللوز الأخضر، وكان محاسن مصر إلا أنه انقطع قبل سنة سبعمائة. وبها الأترج.
وكان بمصر القثاءة في طوله ثلاثة عشر شبرا والأترتجة تشق نصفين وتحمل علي بعير مثل العدلين لعظم خلقتها.
قال المسعودى [في] التاريخ: والأترج المدور حمل من أرض الهند إلي البصرة والعراق والشام، حتي في دور الناس ثم نقل إلي مصر، ولما كان يعهد قبل ذلك في مصر ولا أعمالها.
ومن فضائلها: أن بها معدن الزمرد وليس في الدنيا معدن زمرد إلا بمصر، وقيل أنه في البهنسا وبها معدن الشب والملح ومقاطع الرخام، ويقال كان بمصر من المعادن ثلاثون معدن، وأهل مصر يأكلون صيد بحر الروم وصيد بحر اليمن طريا، لآن بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم والفرما.
ومن محاسن مصر: أنه يوجد بها فى كل شهر من شهور السنة القبطية صنف من المأكول والمشموم دون ما عداه من بقية الشهور، فيقال رطب يوت ورمان بابة وموز هاتور وسمك كيهك وماء طوبة وخروف أمشير ولبن برمهات وورد برمودة ونبق بشنس وتين بؤونة وعسل أبيب وعنب مسرى ..
[ ٢٩ ]
ومنها أن صيفها خريف لكثرة فواكهه وشتاءها ربيع لما يكون بمصر [حينئذ] (^١) من القرظ والكتان.
ومن محاسنها: أن الذي ينقطع من الفواكه في سائر البلدان أيام الشتاء يوجد بمصر، ومنها أن أهل مصر لا يحتاجون في حر الصيف إلي استعمال الخيش والدخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد ولا يحتاجون في برد الشتاء إلي لبس الفرو والاصطلاء بالنار الذي لا يستغني عنه أهل الشام كما أنهم أيضا في الصيف غير محتاجين إلي استعمال الثلج. ويقال زبرجد مصر وقباطي مصر وحمير مصر وثعابين مصر ومنافعها إلى الدرياق جليلة.
ومن فضائل مصر: أن الرخامة الخضراء التي في الحجر من الكعبة من مصر بعث بها محمد بن طريف مولي العباس بن محمد في سنة إحدي وأربعين ومائتين من الهجرة، ومعها رخامة أخرى خضراء وضعت علي سطح جدار الحجر عند الميزاب، وهما من أحسن الرخام وذرعها ذراع وثلاث أصابع (^٢). قال الفاكهي: في أخبار مكة:
ومن محاسنها أيضا: أن رسول الله ﷺ تسرى من أهلها مارية القبطية أم ولده إبراهيم. قال بن عبد الحكم: لما كانت سنة ست من الهجرة بعث رسوا الله ﷺ ابن أبي بلتعة (^٣) إلي المقوقس بكتاب من عند رسول الله ﷺ فوجد المقوقس في الأسكندرية في مجلس مشرف علي البحر فركب البحر، فلما حاذي مجلسه أشار بكتاب رسول الله ﷺ بين أصبعيه، فلما رأه أمر به فاوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعوا علي. فقال له الرسول وقيل إن كان اسمه حاطب. وفي رواية أخري ما منع عيسي بن مريم أن يدعو علي من أبي عليه.
فسكت المقوقس ساعة ثم استعادها منه فأعادها عليه حاطب، فسكت ساعة، فقال له حاطب:
أنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلي فانتقم الله منه. فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك وإن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو دين الإسلام وما بشارة موسي بعيسي إلا كبشارة عيسي
_________________
(١) إضافة من عندنا للسياق مع المعنى.
(٢) قال هذه العبارة الفاكهى المؤرخ.
(٣) هو حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن سلمة اللخمى قديم الإسلام. روى عنه على بن أبى طالب ﵁ كلامه فى اعتذاره عن مكاتبة قريش، مات سنة ٣٠ هـ وله ٧٠ عاما.
[ ٣٠ ]
بمحمد ﷺ، وما دعاؤنا أياك إلي القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلي الأنجيل ولسنا ننهاك عن المسيح، ثم قرأ الكتاب فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد ﷺ إلي المقوقس عظيم القبط والسلام علي من أتبع الهدي.
أما بعد فأني أدعوك بدعائه الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم إلا تعبدوا إلا الله ولا تشركوا به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون» .. فلما قرأه أخذه جعله في حق من عاج وختم عليه.
وعن أبان بن صالح (^١) أنه قال أرسل المقوقس إلي حاطب ليلة وليس عنده أحد، إلا الترجمان، فقال ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فأني أعلم أن صاحبك قد يخبرك.
قلت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: إلي ما يدعوا محمد؟ قال له: إلي أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتخلع ما سواه ويأمرك بالصلاة. قال: فكم تصلون. قال له: خمس صلوات فى اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان وحج البيت وأداء الزكاة وينهى عن أكل الميتة والدم.
قال: ومن أتباعه؟ قال له: الفتيان من قومه وغيرهم. قال: صفه لى: قال فوصفته له بصفته. قال قد بقيت أشياء لم أراك ذكرتها. قلت وما هي؟ قال في عينيه حمرة قل ما تفارقه وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار ويجتزى بالتمرات والكسر. قلت هذه صفته قال: كنت أعلم زن نبيا قد بقي، وقد كنت أظن أن مخرجه من الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله فأراه قد خرج من العرب في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في أتباعه وأنا أعلم أن صاحبك سيظهر علي البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتي يظهروا على ما ها هنا من البلاد وإنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا واحدا.
قال ثم دعا المقوقس كاتبا يكتب بالعربية فكتب كتابا وهو يقول فيه: من المقوقس عظيم القبط. أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما دعوتنا إليه وقد علمت أنك نبي مرسل وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان عظيم من القبط وكسوة وبغلة وعسل والسلام.
_________________
(١) هو أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشى مولاهم، روى عن أنس ومجاهد وعطاء والحسن بن محمد ابن علي والحسن البصرى وغيرهم. ولد سنة ٦٠ هـ، ومات سنة ١١٠ هـ بعسقلان.
[ ٣١ ]
قال ابن سعد (^١): أخبرنا محمد بن عمر الواقدى (^٢) عن أشياخه قال: أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبي ﷺ في سنة سبع من الهجرة مارية وأختها سيرين وألف مثقال من الذهب وعسلا وعشرين ثوبا وبغلته الدلدل وحماره عفيرا وخصيا يقال له مابور فعرض خاطب علي مارية الإسلام فأسلمت هى وأختها، ثم أسلم الخصي، وكان بعثه المقوقس مع مارية فقبل النبى ﷺ هديته ونظر إلي مارية وأختها فاعجبتاه وكره أن يجمع بينهما، وكانت أحداهما تشبه الأخرى فقال: «اللهم اختر لنبيك» فاختار الله له مارية، وذلك أنها أسلمت قبل أختها، ومكثت أختها ساعة، ثم أسلمت فوهبها (^٣) النبي ﷺ لحسان (^٤) بن ثابت وقيل كان الخصي قرابة لمارية وكان كثيرا ما يدخل عليها فوقع في نفس النبي ﷺ شيء فرجع فلقيه عمر بن الخطاب فسأله فأخبره بذلك فأخذ عمر السيف، ثم دخل على مارية وقربتها عندها فأهوى ليضربه عمر بالسيف، فلما رأي ذلك كشف عن عورته وكان مجبوبا ليس بين رجليه شئ فلما رآه عمر ذلك رجع إلي النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال رسول الله ﷺ: «أن جبريل أتاني الساعة فأخبرني وقد برأها الله وقريبها وبشرني أن في بطنها غلاما مني وأنه أشبه الخلق بي وأمرني أن اسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم. وكانت مارية من أحب الناس إلي رسول الله ﷺ حتي مات، وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه وسمي البغلة الدلدل وسما الحمار يعفورا وأعجبه العسل، فسأل من أين هذا العسل، فقيل له من بنها.
فقال اللهم بارك في بنها وفي عسلها وبقيت عنده من الثياب حتي كفن في بعضها صلي الله علي وسلم أنه قال: «لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية» وماتت مارية في المحرم سنة خمس عشر بالمدينة.
***
_________________
(١) هو محمد بن سعد بن منيع البصرى الحافظ كاتب الواقدى نزيل بغداد. روى عن أبى داود الطيالسى والواقدى وهشيم وابن عيينة والوليد بن مسلم وخلق. وعنه أبو بكر بن أبى الدنيا والحارث بن أسامة، مات سنة ٢٣٠ هـ.
(٢) هو محمد بن عمر بن واقد الواقدى الأسلمى مولاهم المدنى قاضى بغداد، روى عن الثورى والأوزاعى وابن جربر وخلق، وعنه الشافعى ومحمد بن سعد كاتبه وأبو عبيد القاسم وآخرون. مات سنة ٢٠٧ هـ وقيل سنة ٢٠٩ هـ.
(٣) ورد عند المقريزى «محمد بن مسلمة».
(٤) وهو شاعر النبي ﷺ.
[ ٣٢ ]