أعلم أن الأهرام بأرض مصر كانت كثيرة جدا منها بناحية بوصير شئ كثير بعضها طين ولبن، وأكثرها حجر وبعضها مدرج وأكثرها مخروط أملس، وقد كان منها بالجيزة تجاه مدينة مصر عدد كثير كلها صغار قد هدمت فى أيام السلطان الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد قراقوش وبنى لها قلعة الجبل والسور المحيط بالقاهرة ومصر، وبنى بها القناطر التى بالجيزة وأعظمهم الأهرامات الثلاثة التى هى إلى اليوم قائمة تجاه مصر وقد اختلف الناس فى وقت بنائها واسم بابيها والسبب فى بناءها وقالوا فى ذلك أقوالا متبانية أكثرها غير صحيح وساد وصح لك من بناء ذلك ما يشفى العليل. بعون الملك الجليل.
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه فى أخبار مصر وعجايبها أن الذى بنى الأهرام كان أسمه أجناد سوريد بن شهلوق بن شرياق بن توميودون بن تدرسان بن هو صال أحد ملوك مصر قبل الطوفان الذين يسكنون مدينة أمسوس الأتى ذكرها، وهو الذى بنى الهرمين العظيمين بمصر وقد نسبوهم قوم إلى شداد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوة سحرهم وسبب بناء الهرمين أنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة قد رأى
[ ١٤٥ ]
سوريد المقدم ذكره فى منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها وكأن الناس قد هربوا على وجوههم وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة فأغمه ذلك ولم يذكره لأحد وعلم أنه سيحدث فى العالم أمر عظيم ثم رأى بعد ذلك بأيام كان الكواكب الثانية نزلت إلى الأرض فى صور طيور بيض وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم وكأن الكواكب النيرة مظلمة مكسوفة فانتبه وهو مذعورا من ذلك، ودخل إلي هيكل الشمس وتضرع ومرغ خديه على التراب وبكى، فلما أصبح جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر وكانوا مائة وثلاثين كاهنا فخلا بهم وحكا لهم ما راءه أولا وآخرا، فاؤلوه بأمر عظيم يحدث فى العالم، فقال له عظيم الكهان يقال له قليمون أن أحلام الملوك لا تجرى على محال لعظم أقدارهم وأنا أخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة ولم أذكرها لأحد من الناس رأيت كأنى قاعد مع الملك على وسط المنار الذى بأمسوس، وكان الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب روءسنا وكانه علينا كالقبة المحيطة بناء، وكان الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها قد خالطتنا فى صور شتى مختلفة الأشكال، وكان الناس قد جعلوا إلى قصر الملك وهم يستعينون به، وكان الملك رفع يديه حتى بلغنا رأسه وأمرنى أن أفعل كما فعل ونحن على وجل شديد إذ رأينا موضعا قد انفتح وخرج منه نور مضى وطلعت علينا منه الشمس ركأننا استغيثنا بالشمس فخاطبتنا أن الفلك سيعود إلى موضعه فانبهت مرغوبا ثم نمت، فرأيت كان مدينة امسوس قد انقلبت بأهلها والأصنام يهوى على روءسها، وكان اناسا نزلوا من السماء بأيديهم مقامع من حديد يضربون بها الناس، فقلت لهم ولم تفعلون بالناس كذا، قالوا: لأنهم كفروا بالههم، فقلت لهم وهل بقى لهم من ذلك خلاص. قالوا: نعم من أراد الخلاص فاليلحق بصاحب السفينة ثم انبهت مرغوبا فقال الملك خذوا الارتفاع من الكواكب وانظروا هل من حادث فبلغوا غايتهم فى استقصاء ذلك وأخبروا بأمر الطوفان وبعده بالنار التى من برج الأسد تحرق العالم.
قال الملك انظروا هل يلحق هذه الآفة بلادنا. فقالوا له: نعم: يأتى الطوفان على أكثره ويلحقه خراب يقيم عدة سنين.
قال: فانظروا هل تعود عامرا كما كان أو يبقى مغمورا بالماء دائما. قالوا: بل تعود البلاد كما كانت وتعمر.
قال: ثم ماذا. قالوا يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها. قال: ثم ماذا؟ قالوا:
يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل ويملكون أكثرها، قال: ثم ماذا قالوا: ينقطع نيلها
[ ١٤٦ ]
وتخلوا من أهلها فأمر عند ذلك بعمل هذه الأهرام وأن تعمل لها مسارب يدخل منها النيل إلى مكان ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصعيد وبلادها، وفيها من الطلمسات والعجائب وأموالا وأصناما وأجساد ملوكهم وفى سقوفها وحيطانها وأسطواناتها جميع العلوم الغامضة وفيها صور الكواكب كلها وكتب فيها أسماء العقاقير ومنافعها ومضارها، وعلم الطلمسات وعلم الحساب وعلم الهندسة وجميع علومهم مفسرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم. ولما شرع فى بنائها أمر بقطع الأسطوانات العظام ونشر البلاط الهائلة واستخراج الرصاص من أرض الغرب واحضار الصخور من ناحية أسوان فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة الشرقى والغربى والملون وكانت لهم صحايف وعليها كتابة إذا قطع الحجر وتم أحكامه وضعوا عليه تلك الصحايف وضربوه فيعدوا بتلك الضربة قدر مائة سهم ثم يعاودون ذلك مرات حتى يصل الحجر إلى الأهرام وكانوا يمدون البلاطة وتجعلون فيها نقبا بواسطها قطب من الحديد قائما ثم يركبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط ويدخلون القطب فيها ثم يذاب الرصاص ويصب فى القطب إلى أن كملت وجعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا. فأما باب الهرم الشرقى فأنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما باب الهرم الغربى فأنه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما الهرم الملوك فأنه من ناحية الجنوب على مقدار مائة ذراع وصل إلى باب الأزج المبنى ويدخل إلى باب الهرم وجعل ارتفاع كل واحد من الأهرام فى الهواء مائة ذراع، والذراع الملك بذراعهم وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن وجعل طول كل واحد من جميع جهاته مائة ذراع بذراعهم ثم هندسوها من كل بجانب حتى تحددت أعاليها من أخر طولها على ثلاثمائة ذراع بذراعا، وكان ابتداء بناءها فى طالع سعيد اجتمعوا عليه وخبروه.
فلما فرغت من بناءها كسوها ديباجا ملونا من فوقها إلى أسفلها وعمل لها عيدا، حضره أهل مملكته بأجمعهم ثم عمل فى الهرم الغربى ثلاثين مخزنا من حجارة صوان ملونة ومليئة بالأموال الجمة والآلات والتماثيل المعمولة من الجواهر النفسية وآلات الحديد الفاخر من السلاح الذى لا يصد والزجاج الذى ينطوى ولا ينكسر وأصناف العقاقير المفردة والسموم القاتلة.
وعمل فى الهرم الشرقى أصناف القباب الفلكية والكواكب وما عملوه أجداده من التماثيل التى تتقرب بها إلى الكواكب ومصاحبها وكون الكواكب الثانية وما يحدث فى أدوارها وما عمل لها من التواريخ والحوادث التى مضت والأوقات التى ينتظر فيها ما يحدث وكل من يلى أرض مصر إلى آخر الزمان وجعل فيها المظاهر التى فيها المياه المدبرة وما أشبه ذلك.
[ ١٤٧ ]
وجعل فى الهرم الملون أحبار الكهنة فى توابيت من صوان أسود، مع كل كاهن مصحف فيه عجائب صناعاته وأعماله وسيرته، وما عمل فى وقته وما كان يكون من أول الزمان إلى آخره، وجعل فى الحيطان من كل جانب أصناما تعمل بأيديها جميع الصناعات على مراتبها وأقدارها، وصفة كل صنعة وعلاجها، وما يصلح لها، ولم يترك علما من العلوم حتى كتبه ورسمه فيها، وجعل فيها أموال الكواكب التى أهديت إليها وأموال الكهنة وهو شئ عظيم لا يحصى وجعل لكل هرم منها خازنا فخازن الهرم الغربى صنم من حجارة صوان مجزع وهو واقف ومعه شبه حربه وعلى رأسه حية، وقد تطوف بها من قرب منه وثبت إليه وطوفت على عنقه حتى يقتله ثم تعود إلى مكانها، وجعل خازن الهرم الشرقى صنما من جزع أسود وأبيض، له عينان مفتوحتان براقتان وهو جالس على كرسى، ومعه حربه إذا نظر أحد إليه سمع من جهته صوتا منه فيخر على وجهه، ولا يبرح حتى تموت، فلما فرغ من ذلك كله حصن الأهرام بالأرواح الروحانية، وذبح لها الذبايح لتمنع من أنفسها من أرادها، إلا من عمل لها أعمال الوصول إليها.
وذكر القبط فى كتبهم أن عليها كتابا منقوشا تفسيره بالعربية: أنا سوريد الملك بنيت هذه الأهرام فى وقت كذا وكذا وتممت بناءها فى ستين سنة فمن أتى بعدنى. وزعم أنه ملك مثلى فليهدمها فى ستمائة سنة فإن الهدم أيسر من البنيان وإنى كسوتها عند فراغها بالديباج فليكسها من أتى بعدنا حصرا.
وحكى القبط فى كتبهم أن روحانية الهرم الشمالي غلام أمرد أفر اللون عريان فى فمه أنياب كبار وروحانية الهرم الجنوبى امرأة عريانه بادية الفرج فى فمها أنياب كبار تستتهوى الإنسان إذا رآت وتضحك له حتى يدنوا منها فتسلب عقله وروحانية الهرم الملون شيخ فى يده مجمرة من مجامر الكنايس يبخر بها، وقد رآه جماعة من الناس مرارا وهو يطوف حول الأهرام وقت القائلة وعند غروب الشمس.
قال: ولما مات سوريد دفن في الهرم ومعه أمواله وكنوزه. وقالت القبط: أن سوريد هو الذى بنى البرانى وأودع فيها الكنوز وغيرها.
قال: وأما الأهرام الدهشورية، فيقال أن شدات بن عديم هو الذى بناها من الحجارة التي كانت قد قطعت فى زمن أبيه، وشدات بن عديم هذا يزعم بعض الناس أنه شداد بن عاد، وتم من أنكر هذا، وأن العادية ما دخلت مصر، إنما تشابهت الأسماء بين شداد
[ ١٤٨ ]
وشدات بن عديم وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوى على أهلها غير بختنصر والله أعلم.
وذكر أبو الحسن المسعودى فى كتاب أخبار الزمان: أن الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد لما قدم إلى مصر وأتى على الأهرام أحب أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له إنك لا تقدر على ذلك. فقال: لا بد من فتح شئ منها، ففتح الثلمة المفتوحة الآن وقد أنفق عليها أموالا عظيمة، فلما انفتحت وجدوا عرض حايطة قريبا من عشرين ذراعا، فلما انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النقب مظهره خضراء فيها ذهب مضروب، وزن كل دينار أو قبة وكان عددها ألف دينار، فجعل المأمون يتعجب من ذلك الذهب ومن جودته ثم أمر أن يعمل حساب ما أنفقه على فتح الثملة فوجد الذهب الذى أصابوه من النقب بقدر ما أنفقوه عليه لا يزيد ولا ينقص فتعجب المأمون من ذلك عجبا عظيما.
وقيل أن المظهرة التى وجد فيها الذهب كانت من زبرجد فأمر المأمون تحملها إلى خزاينه، وكان آخر ما حمل من عجائب مصر وأقام الناس سنين يقصدون تلك الثلمة وينزلون من الزلاقة التى فيه فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك فأنفق عشرون نفرا من الأعوام على دخول تلك الموضع وأعدوا لذلك ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وحبال وشمع ونحوه ونزلوا من الزلاقة فرأوا فيها من الخفاش ما يكون قدر العقبان يضرب وجوههم ثم أنهم أدلوا أحدهم بالحبال فانطبق عليه المكان وسمعوا صوتا أرعبهم فغشى عليهم ثم أفاقوا وخرجوا من الهرم فبينما هم جلوس يتعجبون مما وقع لهم إذ خرجت الأرض صاحبهم من بين أيديهم حياتكلم بكلام لم يعرفوه ثم سقط ميتا، فحملوه ومضوا فأخذهم الخفراء وأتوا بهم إلى الوالى فحدثوه خبرهم ثم ساء لهم عن الكلام الذى قاله صاحبهم قبل موته. فقالوا له: قال صك صك سكا سكا ففسروا ذلك من له خبرا بكلامهم ولغتهم فأذا معناه هذا جزاء من يهجم على الملوك ويطلب ما ليس له.
وقال على بن رضوان الطبيب (^١): فكرت فى بناء الأهرام فأوجب علم الهندسة العملية ورفع الثقيل إلى فوق، أن يكون القوم هندسوا سطحا مربعا ونحتوا الحجارة ذكرا وأنثى ورصوها بالجبس البحرى إلى أن أرتفع البناء مقدار ما يمكن رفع الثقيل. وكانوا كلما وضعوا ضموا البناء حتى يكون السطح الموازى للمربع ألا ينتقل مربعا أصغر من المربع السفلانى، ثم عملوا في السطح المربع الفوقاني مربعا أصغر بمقدار ما بقى فى الحاشية ما يمكن رفع الثقيل إليه، وكلما رفعوا حجرا مهندما رضوه ذكرا وأنثى إلى أن ارتفعوا مقدار
_________________
(١) سبق الحديث عنه.
[ ١٤٩ ]
أمثل المقدار الأول، ولم يزالوا يفعلون ذلك، إلى أن بلغوا غاية لا يمكنهم بعدها أن يفعلوا ذلك فقطعوا الأرتفاع ونحتوا الجوانب البارزة التى فرضوها لرفع الثقيل، ونزلوا فى النحت من فوق إلى أسفل، فصار الجميع هرما واحدا وقياس الهرم الأول بالذراع الذى يقاس بها اليوم الأغلبية بمصر كل حاشية منه أربعمائة ذراع، يكون بالذراع السواد التى طول كل ذراع منه أربعة وعشرون أصبعا خمسمائة ذراع، وذلك متساوية الأضلاع والزوايا ضلعين منها على خط نصف النهار وضلعين على خط المشرق والمغرب، وكل ضلع بالذراع السواد خمسمائة ذراع وانحط المنحدر على استقامة من رأس الهرم إلى نصف ضلع المربع أربعمائة وسبعين ذراعا يكون إذا تميم أيضا خمسمائة ذراع، واحيط بالهرم أربع مثلثات كل مثلث منها متساوى الساقين كل ساق منه إذا تميم خمسمائة وستون ذراع، والمثلثات الأربعة تجتمع روءسها عند نقطة واحدة وهى رأس الهرم إذا تم، فيلزم أن يكون عموده أربعمائة وثلاثين ذراعا، وعلى هذا يكون تكسير كل مثلث من مثلثاته أربعمائة ألف وخمسة وعشرون ألف ذراع إذ جمع تكاسرها، كان مبلغ تكسير مسطح هذا الهرم خمسمائة ألف ذراع بالحديد، وما أحسب على وجه الأرض بناء أعظم منه ولا أحسن هندسة ولا أطول منه.
قال: ولما فتح المأمون نقبا من هذا الهرم وجد فيه زلاقة تصعد إلى بيت مربع ووجد فى وسطه قبر رخام وهو باق فيه إلى اليوم، فقال ولم يقدر أحد بخيطه، وبذلك أخبر جالينوس الحكيم أنها قبور، فقال فى أخر الخامسة من تدبير الصحة بهذا اللقط «وهم يسمون من كل فى هذا السن الهرم، وهو اسم مشتق من الأهرام التى هم إليها صائرون عن قريب» يعنى القبور.
قال الحوقلى فى صفه مصر وبها الهرمان اللذان ليس على وجه الأرض لهما نظير فى ملك مسلم ولا كافر ولا عمل ولا يعمل لهما مثال وقرأ بعض بنى العباس على أحدهما إنى قد بنيتهما فى ستين سنة، فمن كان يدعى قوة فى ملكه فليهدمهما فى ستمائة سنة، فالهرم أيسر من البناء وهم بعض الخلفاء، قيل المأمون وقيل المعتصم فإذا خراج مصر لا يقوم بهدمها، وكان خراج مصر فى ذلك الوقت إذا بلغ النيل سبع عشرة ذاراعا وعشر أصابع، كان الخراج ألف ألف ومائتى ألف وسبعة وخمسين ألف ألف دينار.
وقال أبو يعقوب محمد بن إسحاق الوراق (^١) فى كتاب الفهرست وقد ذكر هرمس البابلى قد أختلف فى أمر بنى هذه الأهرام، قيل أنه كان أحد السبعة الذين رتبوا حفظ البيوت السبعة
_________________
(١) سبق الترجمة له.
[ ١٥٠ ]
وأنه كان حكيم زمانه، وأنه لما توفى دفن فى البناء الذى يعرف بالهرمين وأن أحدهما قبر هرميس الأول من السبعة الحكماء والآخر قبر تلميذه.
وقال العلامة موفق الدين المعروف بابن المطحن (^١): جاء رجل عجمى فى زمن الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب قال أن الهرم الصغير تحته مطلب فأخرج إليه الحجار بن وأخذوا فى هدمه وأقاموا على ذلك شهور ثم تركوه عن عجز.
وقال أبو الحسن المسعودى: كانت القوم يبنون هذا الهرم مدرجا ذا مراق كالدرج فإذا فرغوا منه نحتوه من فوق إلى أسفل فهذه كانت حيلتهم فى البناء لهذه الأهرام.
وذكر أبو زيد (^٢) البلخى أنه وجد مكتوب على الأهرام بكتابهم خط مغرب فإذا هو «بنى هذان الهرمان والنسر الواقع فى السرطان».
وقال الهمدانى (^٣) فى كتاب الأكليل لم يوجد مما كان تحت الماء وقت الغرق من القرى فى قرية بقية سوى الأهرام ونذكر ترجمتها ووجدت ولم تتغير منهما شئ، ذكر أبو عبد الله محمد ابن عبد الرحيم القيسى (^٤): أن أهرام مصر عددها ثمانية عشر هرما فى مقابلة الفسطاط من أرض مصر منها ثلاثة أهرام كبار، دور كل واحد منهما ألفين ذراع فى كل وجه منها خمسمائة ذراع، وعلوه خمسمائة ذراع وكل حجر من حجارتها ثلاثون ذراع فى غلظ عشرة أذرع، فهى الثلاثة التى فى الجيزة، ومنها عند مدينة فرعون يوسف ﵇ أهرام عديدة، ومنها عند ميدون أهرام عظيمة قيل أنها خمس طبقات.
وأما الهرم الذى بدير أبى هرمس فإنه قبر قرياس، وكان فارس أهل مصر، وكان يعد بألف فارس وأنه لما مات جزع عليه لملك جزعا شديدا ودفنوه بدير أبى هرمس وبنوا عليه الهرم مدرجا وكان طبنه لم يعرف ل معدن إلا بالفيوم.
وقال ابن عفير عن أشياخه: أن جناد بن مناد بن شمرا بن شداد بن عاد بن عوض بن ارم بن سام بن نوح ﵇ قد طال ملكه وبلغ ثلاثمائة سنة، وهو الذى بنى الأهرام وذكر بعض المحدثين وعلى أن لم يجدوا ولا وقفوا على من بنى هذه الأهرام ولا خبر يثبت عنهم.
_________________
(١) لا زال كتابه مفقود ونقل عنه المقريزى وابن تغرى بردى.
(٢) له ذكر فى الخطط للمقريزى.
(٣) طبع هذا الكتاب فى المطبعة السلفية.
(٤) صاحب كتاب تحفة الألباب.
[ ١٥١ ]
وقال محمد بن عبد الحكم: ما أحسب أن الأهرام بنيت إلا قبل الطوفان لأنها لو بنيت بعد الطوفان لكان علمها عند الناس.
وقال محمد بن عبد الحكم أيضا: كان من وراء الأهرام إلى المغرب أربعمائة مدينة سوى القرى من مصر إلى المغرب.
وقال أبو الريحانى البيرونى (^١) فى كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية: أن الفرس والمجوس تنكر الطوفان وأن بعض الفرس أقربه ولكنهم قالوا بالشام والمغرب وذلك فى زمان طهموت ولكنه لم يعمر العمران كله ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولم يبلغ ممالك الشرق، وأن أهل المغرب لما أنذر به حكاؤهم بنوا هذه الأهرام بمصر ليدخلوها عند الافة وأن آثار ماء الطوفان وتأثير الأمواج كانت باقية على نصف الهرمين لم يتجاوزهما.
ويقال أنه لما نصب ماء الطوفان لم يوجد تحت الماء قرية عامرة سوى نهاوند، ووجدت كما هي وأهرام مصر وبرابيها وهى التى بناها هرمس الأول الذى تسميه العرب إدريس وكان قد ألهمه الله تعالى علم النجوم على أن يستنزل بالأرض آفة وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علمه فبنى بمصر هذه الأهرام والبرابى وكتب فيها علمه.
وقال أبو الصلت الأندلسى وقد ذكر أخلاق أهل مصر وأنهم كان فيهم طائفة من ذوى المعارف والعلوم والنجوم ويدل على ذلك ما خلفوه من الصنايع البديعة المعجزة كالأهرام والبرابى فأنها من الآثار التى حيرت الأذهان وأعجزت الأفكار، وهذان الهرمان لهما أشراف على أرض مصر وإطلال على بطايحها واصعاد فى وجوها وهى أعجب شئ بنى على وجه الأرض وفى ذلك يقول أبو الطيب المتنبى بيتين وهما:
أين الذى الهرمان من بنيانه … من قومه من يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها … حينا ويدركها الفناء فتتبع
وزعم قوم أن الأهرام قبور لملوك عظام أرادوا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم كما يميزوا فى حياتهم على من قبلهم.
ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها، فنقب أحدا الهرمين بعد جهد شديد فوجد داخله مراقى ومهاوى يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجد فى أعلاه بيتا، وفى وسطه حوض من
_________________
(١) كان متعدد المصنفات فى شتى العلوم.
[ ١٥٢ ]
رخام مطبق، فلما كشف غطاه لم يجد فيه غير رمة بالية قد أتت عليها الدهور الخالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكشف عن بقية النقب وأدلى جبلا طوله ألف ذراع بالذراع الملكى، فكان صعوده ثلاث ساعات النهار وأنه وجد مقدار رأس الهرم قدر برك ثمانية جمال، ويقال أنه وجد على الشخص المقبور فى الحوض الرخام حلة قد بليت ولم يبق منها سوى سلوكها من الذهب، وأنه مطلى على جسده بقدر شبر من مر وصبر وغير ذلك.
ويقال أنه وجد فى موضع من هذا الهرم ايوان فى صدره ثلاثة أبواب على ثلاثة بيوت طول كل باب منها عشرة أذرع فى عرض خمسة أذرع من رخام منحوت محكم الهندام على صفحاته خط أزرق لم يحسنوا أقرانه، وأنهم أقاموا ثلاثة أيام يعملون الجبلة فى فتح هذه الأبواب إلى أن راوا بابها على عشرة أذرع وفيه ثلاثة أعمدة قائمة من مرمر، وفى كل عمود خرق فى طوله، وفى وسط الخرق صورة طائر ففى الأول من هذه العمدة صورة حمامة من حجر أخضر، وفى الأخر صورة باز من حجر أصفر، وفى العمود الثالث صورة ديك من حجر أحمر فحركوا الباز فتحرك الباب الذى فى مقابله، فرفعوا الباب قليلا، فارتفع الباب وكان بحيث لا يرفعه مائة رجل من عظمة ورفعوا الديك والحمامة فارتفع البابان الآخران فدخلوا إلى بيت الأوسط فوجدوا فيه ثلاث سرر من حجارة شفاف مضية، وعليها ثلاثة من الأموات على كل ميت ثلاث حلل وعند رأسه مصحف بخط مجهول ووجدوا فى البيت الأخر عدة رفوف من حجارة عليها اسفاط من حجارة فيها أوانى من الذهب عجيبة الصنعة مرصعة بأصناف الجواهر ووجدوا فى البيت الثالث عدة رفوف من حجارة عليها اسفاط من حجارة لامة الحرب وعدد السلاح فقاسوا منها سيفا فكان طوله سبعة أذرع [وطول كل ذرع من تلك الدروع أثنا عشر ذراعا ويدخل] (^١) فى الخودة رأسان من رءوس الناس، فأمر المأمون أن لا يتعرض للأموات وحمل ما وجدوا فى البيوت، وأمر برد تلك التماثيل التى فى العمدة فاعيدت كما كانت وانطبقت الأبواب كما كانت فى الأول.
ويقال كانت هذه الأهرام ثمانية عشر هرما منها تجاه مدينة فسطاط بمصر ثلاثة أكبرها دوره ألف ذراع وهو مربع فى كل وجه من وجوهه الأربعة خمسمائة ذراع.
ويقال أن المأمون وجد فيه لما فتحه حوضا من بحر مغطى بلوح من رخام وهو مملوء بالذهب وعلى اللوح مكتوب بقلم غريب فعرب فكان أنا عمرنا هذه الأهرام فى ألف يوم وابحنا لمن يهدمها فى ألف سنة والهدم أسهل من البناء وكسوناها جميعهما بالدبياج الملون
_________________
(١) وردت هذه العبارة على هامش المخطوطة.
[ ١٥٣ ]
فكسوها بالخضر، والخضر أيسر من الدبياج، وجعلنا فى كل جهة من جهاتها مالا يقدر ما يصرفه على نقبها من غير زيادة ولا نقص.
ويقال أنه وجد فيه صورة أدمى من حجر أخضر كالدهنج (^١) قد ركب طبقتين ووسطه بجوف كالدواة ففتح فإذا فيه جسد إنسان عليه ذرع من ذهب مزين بأنواع الجواهر وعلى صدره سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر من ياقوت أحمر قدر بيضة الدجاجة فأخذه المأمون وقال هذا خبر من خراج الدنيا.
ذكر بعض مؤرخين مصر أن هذا الصنم الأخضر الذى فيه الرمه، لم يزل ملقى عند دار الملك بمدينة مصر إلى سنة إحدى عشرة وخمسمائة من سنين الهجرة وفى بوصير من هذه الأهرام شئ كثير بعضها كبار، وبعضها صغار وبعضها طين ولبن وأكثرها حجر وبعضها مدرج وأكثرها مخروط أملس، وقد كان منها بالجيزة عدد كثير كلها صغار قد هدمت فى زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد الطواشى بهاء الدين قراقوش أخذ حجارتها وبنى بها القناطر التى فى الجيزة وقد بقى من هذه الأهرام المهدومة ثلثها.
وأما الأهرام المتحدث عنها فهى ثلاثة أهرام موضوعة على خط مستقيم بالجيزة.
وذكر فى بعض الكتب القديمة أن أحد هذين الهرمين قبرا غاديمون والآخر قبر هرمس، وأن اغاديمون أقدم من هرمس وأنه كان يحج إليها ويهدى إليها من أقطار البلاد جملة من الأموال، وكان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب أراد أن يهدم هذه الأهرام فأخرج جماعة من الحجارين والنقابين وأقاموا نحو ثمانية أشهر يهدمون كل يوم بعد الجهد الحجر والحجرين، فأنفقوا على ذلك مالا عظيما ولم يبلغوا من ذلك أربا، فرجعوا من قريب وذلك فى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وبازاء هذه الأهرام مغاير كثيرة العدد كبيرة المقدار يدخلها الفارس برمحه ويدور فيها ويطهر من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام آثار أبنية الجبابرة ومغاير كثيرة منقوبه وكل هذا عليه كتابات بهذا القلم المجهول.
***
_________________
(١) بمعنى العظيم الخلق من كل شئ، والواسع السهل: انظر القاموس المحيط ١/ ٣١١.
[ ١٥٤ ]