قال الفقيه عمارة اليمانى (^١) تغمده الله برحمته:
خليلى ما تحت السماء بنية … تماثل فى اتقانها هرمى مصر
بناء يخاف الدهر منه وكل ما … على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء كل شئ يخشى عليه من الدهر إلا الأهرام فأنها يخشى على الدهر منها. وقال بعضهم:
انظر إلى الهرمين واسمع منهما … ما يرويان عن الزمان الغابر
وانظر إلى سر الليالى فيهما … نظرا بعين القلب لا بالناظر
لو ينطقان لخبر انا بالذى … فعل الزمان بأول وبأخر
وقال الشيخ شهاب الدين التيفاشى (^٢):
ألست ترى الأهرام دام بناؤها … ويفنى لدينا العالم الانس والجن
كأن رحى الأفلاك أكوارها على … قواعدها الأهرام وللعالم الطحن
وقال السراج الوراق:
تحقق أن صدر الأرض مصر … ونهداها من الهرمين شاهد
فواعجبا كم أفنت قرونا … على هرم وذاك الثدى ناهد
وقال أيضا:
هل شايد الهرمين تبت سفحها … خوف اهتزاز الأرض من خيلاء
_________________
(١) انظر: تاريخه طبعة دار الجيل - بيروت تحقيق المحقق.
(٢) وردت هذه الأبيات فى بدائع الزهور.
[ ١٥٥ ]
أم خالها حسناء تجلى فابتنى … بهدين فوق ترايب الحسناء
وللشعراء فيها كلام كثير ولكن المقصود منها النظم الرقيق:
لله أى غريبة عجيبة … فى صنعة الأهرام للألباب
أخفت عن الأسماع قصة أهلها … ونضبت عن الابداع كل رقاب
فكأنما هى كالخيام مقامه … من غير أعمدة ولا أطناب
مثل العراس جردوا أثوابها … عنها ولم تنطق من الأعجاب
وقال الشيخ شهاب الدين المنصورى فيها أيضا:
أن جزت بالهرمين قل كم فيهما … من عبرة للعاقل المتأمل
يفنى الزمان وفى حشاه منهما … غيظ الحسود ضجرة المستقبل
وقوله أيضا فى ذلك:
وا عجبا والعجاب من هرم … فى أرض مصر من حكمه القدما
قد أهرم الأرض ثقل وطاته … فهى إلى الله تشتكى الهرما
وقال القاضى محيى الدين عبد الظاهر فى واقعة حال يصف ليلة بات بها عند الأهرام وهو من ذو بين وأجاد:
لله ليال أقبلت بالنعم … فى ظل بناء شاهق كالعلم
بالجيزة والنيل بدا أوله … فى مقتبل الشباب عند الهرم
وللقاضى شهاب الدين ابن فضل الله فى معنى ذلك:
لى البشارة إذا مسيت جاركم … فى أرض مصر بأنى غير مهتضم
حفظتم لى شبابى فى خلالكم … مع أنكم قد وصلتم بى إلى الهرم
***
[ ١٥٦ ]