فمن ذلك قول أمية بن أبى الصلت - أمية الأندلسى:
لله يوم ببركة الحبش … والأفق بين الضياء والغبش
والماء تحت الرياح مضطرب … كصارم فى يمين مرتعش
ونحن فى روضة مفوفة … دبج بالنور عطفها ووشى
قد نسجتها يد الغمام لنا … فنحن من بسطها على فرش
فأثقل الناس كلهم رجل … دعاه داعى الصبا فلم يطش
فعاطنى الراح أن تاركها … من سورة الهم غير منتعش
واسقنى بالكبار مترعه … فهى الروا من حرارة العطش
[ ١١٩ ]
وقال أيضا فى البريم:
لله يوم بالبريم قطعته … بمسرة دارت به أفلاكه
حرت به أمواهه فتراقصت … طربا لحسن غنلئه أسماكه
وقال بعضهم فى الرصد:
وليلة عاش سرورى بها … ومات من يحسدنا بالكمد
بت مع المحبوب فى روضة … وبات من يرقينا بالرصد
وقال ابن خطيب داريا:
يا عين إن بعد الحبيب وداره … وناءت مرابعه وشط مزاره
فلقد ظفرت من الزمان بطائل … إن لم تريه فهذه آثاره
وقال الشيخ شمس الدين بن الصايغ الحنفى فى الروضة والمشتهى:
وليلة مرت لنا حلوة … إن رمت تشبيها بها عتبها
لا يبلغ الواصف فى وصفها … جدا ولا يلقى منتهى
بت مع المعشوق فى روضة … ونلت من خرطومه المشتهى
وقال الشيخ القيراطى فى الروضة أيضا:
وروضة أضحى لها المنتهى … وحسنها المعشوق والمشتهى
وهى لمن قد حلها روضة … وجنة فيها الذى يشتهى
وقال الشيخ شهاب الدين المنصورى فيها أيضا:
كأنما الروضة الغناء وغانية … بحسنها قلب هذا النيل مشغول
أعطافها من غضون الروح مائسة … وريقها من زلال الماء معسول
وقال بعضهم فى الكوادى:
مررت بشط النيل يوما فخلته … مراتع غزلان كوين فؤادى
[ ١٢٠ ]
وناحت على غصن هناك حمامة … سقاها الهوى من لرعتى وبعادى
فإن أنكروا العذال حالى وحالها … أقول هوى قد ضرنى وكوادى
وقال بعضهم فى المنشية:
منشية الحسن أقمنا بها … مع رغد فى جنة عالية
كأنها فى طيبها جنة … لم تسمع الأذن بها لاعية
أطيارها صاحت بأغصانها … ولم تزل أنهارها جارية
وقال ظافر (^١) الحداد فى افتراق النيل عند المقياس وهو تشيبه غريب لم يسبق إليه:
انظر إلى الروضة الغناء والنيل … واسمع بدائع تشبهى وتمثيلى
وانظر إلى البحر مجموعا ومفترقا … تراه أشبه شئ بالسراويل
وقال القاضى فخر الدين ابن مكانس فى الطمية:
بأبى الطمية جنة قد زخرفت … خور وولدان بها ورحيق
لى فى ربى قيناتها الرتب العلى … ولها بقلبى هزة وعلوق
وقال القيراطى فى قناطر أم الخمس التى بالجيزة:
قناطر الجيزة كم قادم … عليك يلقى فيك أقصى منا
أتاك قوم لاطة فانحنى … ظهرت للوطئ وصب الميا
_________________
(١) هو علي بن طافر بن حسين الأزدى الخزرجى أبو الحسن جمال الدين وزير مصر من الشعراد الأدباء المؤرخين. مولده سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م ومات سنة ٦١٣ هـ ١٢١٦ م، له مصنفات منها بدائع البدائه والدول المنقطعة وذبل المناقب النورية.
[ ١٢١ ]
وقال تقى الدين ابن حجة:
وقالوا كميت النيل يجرى وقد بدا … عليه ظروف السبق قلت كذا جرى
ولكنه نحو القناطر مذاتى … بحرا عليها معجبا - فتقنطرا
وقال على بن بردبك فى الورد الذى قد كان فى الخانكى وهو من مقترحات مصر القديمة:
انظر إلى الورد إذ ما ست معاطفه … فوق الغصون سخيرا والندى
عرب عذارى بوجناة موردة … وبثياب نشاوى من ورود خلا
رقصن ملتحفات سندسا خضرا … فنقطت بنضار فاكتسبت خجلا
وقال الشهاب المنصورى فى الزربية:
قم سيدى نسعى إلى فرج زهت … ما بين إملاق وبين جسور
وترى زار ابيابها مبثوتة … تسبيك بالولدان أو بالجور
وقال الشيخ شهاب الدين ابن أبى حجلة فى قصب الجزيرة:
أمسيت فى قصب الجزيرة مغرما … وبقده العسال كالولهان
عيد إنه لولا حلاوة ذوقها … شتبهتها فى الشكل بالمران
وقال بعض الموالة فى جميع أسماء مقترحات:
بريم جيزى حلاوى صنعه الخلاق … خلى دموعى خطيرى تحرفى إطلاق
لو لفظ مقياس منية طيب الأخلاق … وخد روضة وخالوا المشتها بولاق
وكان من مقترحات مصر القديمة مكان يعرف بالهمايل، وهو بالقرب من شبرا وهى عبارة عن سبعة سولقى على بحر النيل وللشعراء فى مدحها شئ ممن ذلك قول سيدى أبى الفضل بن أبى الوفا.
[ ١٢٢ ]
هل طربا دارت دواليينا … بضوع ريح الزهر الشائع
أم فقدت فى الروض إلفا لها … فلم ندر الأعلى ضائع
اجتمع الشيخ بدر الدين البشتكى والقاضى فخر الدين ابن مكانس فى سواقى الهمايل بشاطئ النيل، فقام البدر البشتكى:
هذا البدر فى سواقى الهمايل … تركت ادمع العيون هو أمل
ومن للرياض ثور اديب … مظهر من كلامه سحر بابل
هو سعيا على ببى عجل فى الحور … وأغنى عن الولى الهاطل
زد علما على أبى ثور لكن … قال بالدور ماؤه والسلاسل
أغار الجناس حسن توار … واتته توريه فهو كامل
سعيد أثرى من النظم والنثر … فانسى الورى زمان الفاضل
وقد سقيت الرياض يا شيخ بالدور … فها غصنها من السكر مايل
وهذه القصيدة مطولة وما ذكرتها منها هنا كفاية.
ذكر ما قيل فى بركة الرطلى وأرض الطبالة والجنينة من ذلك قال ابن الصبايغ فيها:
فى أرض طبالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل
ترجع فى ميزان عقلى على … كل بحار الأرض بالرطل
وقال بعضهم أيضا:
انظر إلى بركة الرطلى مبتهجا … واشف بها غلة يايها الحاكى
الماء والنبت والحور الحسان بها … كأنها جنة حفت يا ملاكى
قال آخر:
قد قلت فى بركة الرطلى إذ جمعت … من البدور وأصناف الملاح
[ ١٢٣ ]
إن كان فى الفلك الأعلى يرى قمر … فهذه فلك دارت بألف قمرة
وقال الشهاب المنصورى فى الجنينة:
كم بالجنينة من قتيل حشيشة … لا يستفيق ولا بنفخ الصور
وهبت له الخضراء من أفعالها … آذان اطروش وعين ضرير
وقال أيضا:
كم من أصم بالجنينة أبكم … ورجلاه فى قيد وعيناه فى فقل
أشبهه فى خلقه بابن آدم … مجازا فى أكل الحشيشة بالعجل
ومما قيل فى كوم الريش وهو أيضا من مقترحات مصر:
انظر إلى كرم ريش قد غدا ترها … للب كل سليم الطبع يجتلب
به بحار لا على قد حوت قضبا … من الزبرجد منا يحصل العجب
ولا تقل كوم ريش ماله ثمن … فإن بالريش حقا يحسن الذهب
ومما قيل فى زمان الربيع بمصر فى وصف الكتان والبرسيم وغير ذلك، قال شهاب الدين ابن التايب فى زهر الكتان:
انظر لكتان روض وزهرة حين يبلواه … كأنه الفات همزاتها لازورد
وقال آخر فى زهر البرسيم:
وزهر برسيم غدا … ينفى هموم المكمد
كأنه جواهر … فى قضب الزبرجد
وقال آخر فى زهر اللبسان:
كأنما اللبسان … اخرج زهرا فى الشبه
[ ١٢٤ ]
أغصان نبت زبرجد … تيجانها مذهبة
وكان من مفترحات قديما مكان يعرف بالتاج والسبع وجوه وللشعراء فيه تعزلان كثيرة جملة ذلك قول الشيخ تقى الدين بن حجة الحموى فى واقعة حال وهو قوله:
سبع وجوه لتاج مصر … تقول ما فى الوجود شبهى
وعندنا ذو الوجوه يهجى … وأنت تاج بفرد وجه
وقال المعمار فى خليج الذكر والتكه وكانا من مقترحات مصر قديما وهو مكان الأزبكية الآن والقنطرة الموجودة فى الأزبكية هى قنطرة خليج الذكر ولكن عمرت جديدا، وأنشأ يقول:
يا طالب التكة نلت المنا … وفزت منها ببلوغ الوطر
قنطرة من فوقها تكة … وتحتها تلقى خليج الذكر
وقال المعمار فى الجزيرة التى تطلع قباله لمقياس:
جزيرة البحر هامت … بها عقول سليمة
لما خوت حسن معنى … وبسطه مستقيمة
فلم يخوصون فيها … وكم مشوا بنميمة
ولم تزل ذى احتمال … ما تلك إلا حليمة
وقال آخر فى جزيرة بولاق أيام التحاويض:
فى جزيرة بولاق رأينا عجب … أشد ساروا معهم طباشا دين
حين رأينا ذيك الوجوه الصباح … أذهلونا خضنا مع الخايفين
[ ١٢٥ ]
قال بعضهم فى مليح بشط بولاق:
فى جانب البحر من بولاق عزلنا … ظبى ينفره عن وصلنا نفر
دوابتاه على قتلى تطاولتا … يا من رأى شاعرا أودى به الشعر
***