قال الرئيس أبو على بن سينا (^١) ﵀ أن قوما يفرطون فى مدح النيل أفراطا شديدا ويمعون محامده فى أربعة بعد منبعه وطيب مسلكه وعمورته وأخذه إلى الشمال على الجنوب.
أعلم أن أفضل المياه مياه العيون ولا كل العيون، ولكن ماء عيون الحرة الأرض، التى لا يغلب على تربتها شئ من الأحوال والكيفيات الردية، أو تكون حجرية فيكون أولى بأن لا تعفن عفونة الأرضية، لكن التى هى من طينة حرة خير من الحجرية، ولا كل عين حرة، بل التى هى مع ذلك جارية ولا كل جارية، بل الجارية المكشوفة للشمس والرياح، وأن هذا مما تكسب به الجارية فضيلة، وأما الراكدة فربما اكتسبت بالكشف رداءه ولا تكسبها بالتستر.
وأعلم أن المياه التى تكون طينية السيل خير من التى تجرى على الحجارة، فإن الطين ينقى الماء ويأخذ منه الممزوجات الردية والحجارة لا يفعل ذلك.
_________________
(١) هو الحسين بن عبد الله بن سينا أبو على شرف الملك الفيلسوف الرئيس صاحب التصانيف فى الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات، أصله من بلخ، ومولده فى إحدى قرى بخارى سنة ٣٧٠ هـ/ ٩٨٠ م، نشأ وتعلم فى بخارى وطاف البلاد وناظر العلماء، مات سنة ٤٢٨، ومات سنة ١٠٣٧ م، من تصانيفه المعاد والشفاء وأسرار الحكمة والسياسة وأسرار الحكمة المشرقية وغيرهم.
[ ١٠١ ]
قال الرئيس علاء الدين بن أبى الحزم بن نفيس (^١) فى شرح القانون: هذه المحامد التي ذكرها ليست علامات للحمد، بل ماء النيل أفضل وأرق وألطف من ماء العيون.
فهذه الأربعة بعد منبعه توجب لطاقة الماء بسبب كثرة حركته.
أعلم أن منبع النيل من جبل [يقال له] القمر، وهذا الجبل وراء خط الأستواء باحدى عشرة درجة وثلاثين دقيقة مما به أعظم دائرة فى الأرض، فإذا دخل النيل مدينة مصر ثم إنتهى إلى بلد يقال لها شطنوف يفترق هناك إلى نهرين يرميان إلى البحر المالح: أحدهما يعرف ببحر رشيد ومنه يكون خليج الإسكندرية. وثانيهما يعرف ببحر دمياط وهذا البحر إذا وصل إلى المنصورة تفرع منه نهر يعرف ببحر أشمون ثم إلي البحيرة هناك وباقية إلى بحر الملح عند دمياط. وزيادة ماد النيل هى من أمطار مثيرة ببلاد الحبشة.
ثم أنه يتوجه إلى الشمال والمتوجه إلى المغرب والجنوب ردي خصوصا عند هبوب ريح الجنوب والذى ينحدر من مواضع عالية فهو أفضل، أما ما قاله الرئيس ابن سينا من صفات ماء العيون فإذا اعتبرت ما قاله تجد ذلك قد اجتمع فى ماء النيل.
فأوله أن ماء النيل عين تمر على أراضى حرة، ولا يغلب على تربة شئ من الأحوال والكيفيات الردية [كمعادن] النفط والشب والأملاح والكباريت ونحوها، بل يمر على الأراضى التى تنبت الذهب بدليل ما يظهر فى الشواط من قراضات الذهب وقد عانى جماعة تصويل الذهب من الرمل المأخوذ من شطوط النيل فربحوا منه مالا وفضيلة كون أن الذهب فى الماء لا ينكر.
الثانى: أن النيل فى جريانه أبدا مكشوف للشمس والرياح.
الثالث: أن طينة من طين مسيل مياه مجتمعة من أمطار تمر على أراضى حرة، ويظهر ذلك (^٢) من عطرية روائح الطين إذا نديته بماء.
الرابع: غمورة ماء النيل وشدة جريه التى تكاد تقصف العمد إذا اعترضها.
_________________
(١) هو على بن أبي حزم القرشى علاء الدين الملقب بابن النفيس: أعلم أهل عصره بالطب أصله من بلده قرش «بفتح القاف وسكون الراء فيما وراء النهر، ومولده فى دمشق ووفاته بمصر سنة ٦٨٧ هـ/ ١٢٨٨ م، له عدة مصنفات منها المهذب والشامل فى الطب وشرح الهداية لابن سينا وغيرهم.
(٢) وردت فى الأصل لك.
[ ١٠٢ ]
الخامس: بعد مبدأ خروجه من مصبه إلى البحر الملح وقد تقدم من طول مسافته ما لا نجده فى نهر غيره.
السادس: انحداره من علو، فإن الجنوب مرتفع على الشمال لا سيما وإذا صار إلى الجنادل انحط من أعلى جبل مرتفع إلى وادى مصر.
وذكر ابن قتيبة فى كتاب غريب الحديث جرير بن عبد الله البجلى (^١) حين سأله رسول الله ﷺ عن منزله ببلنسة فذكره إلى أن قال: وماؤنا يمتنع أن يجرى من علو، فقال النبى ﷺ «خير الماء السنم» (^٢) أى ما كان ظاهرا على الأرض.
وقال بعض المفسرين فى قوله تعالى ﴿(وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ]﴾ (^٣) أى يمزج بما ينزل من علو لمصر.
السابع: أنه يمر من الجنوب إلى الشمال فتستقبله ريح الشمال الطيبة دائما.
الثامن: خفته فى الوزن، وقد اعتبر ذلك غير مرة مع غيره من المياه فخف عنها فى الوزن.
التاسع: عذوبة طعمه وحسن أثره فى هضم الغذاء، واحداره عن المعدة بحيث أنه يحدث بعد شربه جشاء.
وهذه صفات ممن قد مارس العلم الطبيعى وعرف الطب، فإنه يعظم عنده قدر ماء النيل وتبين لك غزارة نفعه وكثرة محاسنه.
ويقال أن ذا القرنين كتب كتابا فيه ذكر ما شاهده من عجائب الدنيا، فضمنه كل عجيبة، ثم قال فى آخره: وليس ذلك يعجب ولكن العجب نيل مصر.
وقال بعض الحكماء: لولا ما جعل الله فى نيل مصر من حكمه الزيادة فى زمن الصيف
_________________
(١) سبق التحدث عنه.
(٢) ورد فى صحيح البخارى وسنن ابن ماجه والترمذى.
(٣) ٢٧ ك المطففين ٨٣.
[ ١٠٣ ]
على التدريج، حتى يتكامل رى البلاد وهبوط الماء عنها عند بدء الزراعة، لفسد أقليم مصر وتعذر سكناه، لأنه ليس فيه أمطار كافية ولا عيون جارية نعم أرضه إلا فى بعض أقليم الفيوم.
ولله در القائل:
(^١) واها لهذا النيل أى عجيبة … بكر بمثل حديثها لا يسمع
يلقى الثرى فى العام وهو مسلم … حتى إذا ما مل عاد مودع
مستقبل مثل الهلال فدهره … أبدا يزيد كما يزيد ويرجع
***