وهى تنيس بكسر التاء وكسر النون المشددة وباء وسين مهملة، قال المسعودى: فى كتاب مروج الذهب بحيرة تنيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها وكان بها النخيل والكرم وسائر أصناف الشجر، ولم يرى الناس بلدا أحسن منها، وكان الماء من النيل لا ينقطع عنها صيفا ولا شتاء، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوكه يابسه تمشى فيها الدواب حتى غلب عليها الماء، وغرق تلك الأرض وهى اليوم تسمى بحيرة تنيس وكان استحكام عرق هذه الأرض بأجمعها قبل أن تفتح مصر بمائة سنة.
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بسام (^١) فى كتابه فى أخبار تنيس أنها من الأقليم الرابع وأنها صحيحة الهواء قليلة الوباء طيبة المياه وأن الميت بها لا يفسد جسده سريعا ولا يتساقطه شعره وأن السمك والطير بها كثير وأن أهلها يدخرون ماء النيل عند صفائه فى أجباب لهم مستغدة للمياه، وكان طول هذه المدينة من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ذراع وسبعة وعشرين ذراع بالذراع الكبير وعرضها من المشرق إلى المغرب ثلاثة آلاف ذراع ومائتى ذراع وخمسة وثمانون أذرع بالكبير، وذراع رأس سورها ستة آلاف ذراع ومائتا وسبعين ذراع، وكان عدد أبواب سورها بسبعة عشر بابا وواحد منها مصفح بالنحاس وما
_________________
(١) له ترجمة فى «الضوء اللامع» للسخاوى.
[ ١٨٣ ]
سواها فمصفح بالحديد وجدد بها المسلمون جامع لصلاة الجمعة فكاد طوله مائة ذراع وأثنا عشر ذراع وعرضه أحد وسبعين ذراع، وكان يوقد فيه كل ليلة ألف وثمانمائة قنديل. وفى شهر رمضان يوقد ثلاثة آلاف قنديل ومائة وخمسون شمعة، وبها غير هذا الجامع مائة وسبعة وستون مسجدا، وبكل مسجد منها منارة، وكان بها من الكنائس أثنان وسبعون كنيسة إلى أن أمر بهدمها الحاكم بأمر الله فى سنة ثلاث وأربعمائة، وبنى مكانها مسجدا وكان بها سنة ثلاثون حماما بها مائة معصرة للزيت ومن الطواحين مائة وستون طاحونا.
ومن الحوانيت ألفين وخمسمائة حانوت للبضائع ومن المناسج للقماش خمسة آلاف منسج وكان بها من العجائب ما يطول شرحه.
وقيل أن الذى بنى هذه المدينة كانت امرأة تسمى تنيس بنت صا الأصغر ابن تدارس أحد ملوك القبط بمصر، وكان قد إبتدأ الفرق لأرضها ومزارعها قبل الإسلام بمائة سنة.
وقال أبو السرى الطبيب: أن أخلاق أهلها كانت سهلة منقادة إلى الغناء والطرب وإكثار اللذة ما يلين إلى الرطوبة، وكان أكثر أهلها بهم الأبوبة والأنوثة، وأكثر أهلها كانوا حاكه يصنعوا الثياب الشروب التى لا يصنع مثلها فى الدنيا، وكان يصنع فيها للخليفة ثوب يقال له البدنة لا يدخل فيه من الكتان فى السدى واللحمة غير أوقتين وينسج باقية بالذهب صناعة محكمة لا يحوج إلى تفصيل ولا خياطة يبلغ قيمة الثوب من ذلك ألف دينار وهو بغير ذهب.
ومما ظهر فيها من العجائب. وقيل أن فى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ولدت امرأة جارية برأسين أحدهما بوجه أبيض مترك والآخر بوجه أسمر فيه سهولة وكل وجه منهما كامل الخلقة مركب على عنق واحد فى جسد واحد بيدين ورجلين وفرج ودبر فكانوا يرضعوا كل وجه منهما وحده فحملت إلى المعز حتى رأها ووهب لأمهما شيئا من المال، وعادت إلى تنيس وماتت بعد شهور فى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وصل إلى تنيس من شوانى صقلية نحو أربعين مركبا فحاصروا أهل تنيس حتى ملكوها وقاتلوا من بها من المسلمين فقتل بها من المسلمين نحو سبعين إنسانا وهرب من بقى إلى ثغر دمياط فألقوا فيها الفرنج النار وأحرقوها وساروا من المسلمين فعند ذلك تحولوا أهلها إلى دمياط فاخليت فى صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وفي سنة أربع وعشرين وستمائة أمر الملك الكامل محمد بن العادل بن أبى بكر بن أيوب بهدم مدينة تنيس، وكانت مدينة جليلة كبيرة فاستمرت خرابا ولم يبق منها إلا رسومها.
***
[ ١٨٤ ]