أعلم أن دمياط كورة من كور أرض مصر بينها وبين تنيس أثنا عشر فرسخا. ويقال سميت بدمياط من ولد أشمن بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇.
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: دمياط بلد قديم بنى فى زمن قليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصرايم على اسم غلام كانت أمه ساحرة لقليمون. ولما قدم المسلمون إلى أرض مصر، كان على دمياط رجل من أخوال المقوقس يقال له الهماموك أصحابه واستشارهم فى هذا الأمر وكان فيهم حكيما حاضرا معهم فقال أيها الملك أعلم أن جوهر العقل لا قيمة له وما استغنى به أحدا ليهديه إلى سبيل النجاة وأنت تعلم أن هؤلاء من بد وأمرهم، لم تكسر لهم راية وقد فتحوا البلاد وزذلوا العباد وما لأحد عليهم قدرة ولسنا أشد من جيوش الشام ولا غيرهم أن القوم قد أيدوا بالنصر والظفر والرأى أن يعقد مع القوم صلحا تنال به الأمن وحقن الدماء وصيانة الحرم، فلم يعبأ الهاموك بقوله وغضب منه وأمر بقتله/ وكان له ابن عارف عاقل، وله دار ملاصقة لسور البلد فخرج إلى المسلمين فى الليل ودلهم على مسالك البلد، فاستولى عليها المسلمون وتمكنوا منها فلم يشعر الهاموك إلا والمسلمون فى وسط المدينة وقد ملكوها، فعند ما رأى شطا بن الهاموك ذلك الحق بالمسلمين ومن معه من أصحابه وطلب الأمان من المقداد بن الأسود (^١) وتسلموا المسلمون دمياط واستخلف عليها المقداد ابن الأسود وسير بخبر الفتح إلى عمرو بن العاص، وخرج شطا بن الهاموك إلى ناحية البرلس والدميرة وأشموم طناح أهل تلك النواحى وقدم بهم عونا للمسلمين، وكان شطا بن الهاموك لما فتح المقداد بن الأسود دمياط ونزل إليه أسلم على يد المقداد بن الأسود وحسن إسلامه.
_________________
(١) إضافة من تهذيب التهذيب.
[ ٢٠٥ ]
فلما أتى بأهل تلك النواحى عونا للمسلمين فساروا حتى فتحوا مدينة تنيس فعند ذلك برز شطا بن الهاموك على أهل تنيس وقاتلهم قتالا شديدا حتى قتل رحمة الله عليه فى تلك المعركة ودفن فى مكانه المعروف به الآن خارج عن دمياط، وكان قتله فى ليلة الجمعة في النصف من شعبان فلذلك صارت هذه الليلة له فيها كل سنة موسما يجتمع إليه الناس من سائر النواحى يقصدون ديارة شطاوهم علي ذلك إلى يومنا هذا. وما زالت دمياط بيد المسلمين إلى أن نزل عليها الروم في سنة تسعين من الهجرة وأسروا خالد بن كيسان (^١) وكان على البحر هناك ولما كانت خلافة هشام بن عبد الملك نزلوا الروم أيضا على دمياط في ثلاثمائة وستين مركبا، فقتلوا وسبوا، وذلك فى سنة إحدى وعشرين ومائة.
ثم لما كانت خلافة أمير المؤمنين المتوكل على الله، وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، نزل الروم دمياط يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال وأهل الذمة، فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق يوم النحر فى جيشه، وونفر كثير من الناس إليهم فلم يدركوهم، ومضى الروم الى تنيس فأقاموا بأشتومها، فلم يتبعهم عنبسة.
فأمر المتوكل ببناء حصن دمياط، فابتدئ فى بنائه يوم الأثنين لثلاث خلون من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين، وأنشأ من حينئذ الأسطول بمصر.
فلما كان فى سنة سبع طرق الروم دمياط فى نحو مائتى مركب، فأقاموا يعيشون فى السواحل شهرا، وهم يقتلون ويأسرون، وكانت للمسلمين معهم معارك ثم لما كانت الفتن بعد موت كافور الأخشيدى، طرق الروم دمياط لعشر خلون من رجب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فى بضع وعشرين مركبا، فقتلوا وأسروا مائة وخمسين من المسلمين.
وفى سنة ثمان وأربعمائة، ظهر بدمياط سمكة عظيمة طولها مائتان وستون ذراعا، وعرضها مائة ذراع، وأقام أهل تلك النواحى مدة طويلة يأكلون من لحمها وفى أيام الخليفة الفائز بنصر الله عيسى والوزير حينئذ الصالح طلائع بن رزبك، نزل على دمياط نحو ستين مركبا فى جمادى الآخرة سنة خمسين وخمسمائة بعث بها لوجيز بن رجا وصاحب صقلية، فعاثوا وقتلوا ونزلوا تنيس ورشيد والإسكندرية فأكثروا فيها الفساد.
ثم كانت خلافة العاضد لدين الله فى وزارة شاور بن مجير السعدى الوزارة
_________________
(١) هو خالد بن كيسان حجازى روى ابن عنر وابن الزبير، وعنه أيوب بن ثابت المكي، ثقة.
[ ٢٠٦ ]
الثانية - عند ما حضر ملك الفرنج مرى إلى القاهرة وحصرها، وقرر على أهلها المال، واحترقت مدينة الفسطاط، ونزل على تنيس وأشموم ومنية غمر، وصاحب أسطول الفرنج فى عشرين شونة، فقتل وأسر وسبى.
وفي وزارة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب العاضد، وصل الفرنج إلى دمياط فى شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وخمسمائة، وهم فيما يزيد على ألف ومائتى مركب.
فخرجت العساكر من القاهرة، وقد بلغت النفقة عليهم زيادة على خمسمائة ألف دينار. قأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوما، وكانت صعبة شديدة. واتهم فى هذه النوبة عدة من أعيان المصريين بممالأة الفرنج ومكاتبتهم، وقبض عليهم الملك الناصر وقتلهم. فسير صلاح الدين إلي نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام يستنجده، ويعلمه بأنه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريين عليه.
فجهزوا إليه العساكر شيئا بعد شئ، وخرج نور الدين من دمشق بنفسه إلى بلاد الفرنج التى بالساحل وأغار عليها واستباحها.
وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة، رتبت المقاتلة على البرجين وشدت مراكب إلى السلسلة ليقتل عليها ويدافع عن الدخول من بين البرجين، ورم شعث سور المدينة وسدت ثلمة، وأتقنت التى بين البرجين فبلغت النفقة على ذلك ألف ألف دينار. واعتبر السور، فكان قياسه أربعة آلاف وستمائة وثلاثين ذراعا.
وفي سنة خمس عشرة وستمائة، كانت واقعة دمياط العظمى. وكان سبب هذه الواقعة أن الفرنج فى سنة أربع عشرة وستمائة تتابعت أمدادهم من رومية الكبرى مقر البابا ومن غيرها من بلاد الفرنج، وساروا إلي مدينة عكا فاجتمع بها عدة من ملوك الفرنج، وتعاقدوا على قصد القدس وأخذه من أيدى المسلمين، فصاروا بعكا فى جمع عظيم.
وبلغ ذلك الملك أبا بكر بن أيوب فخرج من مصر فى العساكر إلى الرملة فبرز الفرنج من عكا فى جموع عظيمة، فسار العادل إلى بيسان، فقصده الفرنج فخافهم لكثرتهم وقلة عسكره، فأخذ على عقبة فيق يريد دمشق.
وكان أهل بيسان وما حولها قد اطمأنوا لنزول السلطان هناك، فأقاموا في أماكنهم وما هو إلا أن سار السلطان وإذا بالفرنج قد وضعوا السيف فى الناس، ونبهوا البلاد، فحازوا من أموال المسلمين ما لا يحصى كثرة، وأخذوا بيسان وبايناس وسائر القرى التى هناك، وأقاموا
[ ٢٠٧ ]
ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى مرج عكا بالغنائم والسبى، وهلك من المسلمين خلق كثير فاستراح الفرنج بالمرج أياما، ثم عادوا ثانيا ونهبوا صيدا والشقيف، وعادوا إلى مرح عكا فأقاموا به.
وكان ذلك كله فيما بين النصف من شهر رمضان وعيد الفطر، والملك العادل مقيم بمرج الصفر، وسير ابنه المعظم عيسى بعسكر إلى نابلس لمنع الفرنج من طروقها والوصول إلى بيت المقدس.
فنازل الفرنج قلعة الطور سبعة عشر يوما ثم عادوا إلى عكا وعزموا على قصد الديار المصرية فركبوا بجموعهم البحر، وساروا إلي دمياط فى صفر فنزلوا عليها يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة الموافق لثامن حزيران - وهم نحو السبعين ألف فارس وأربعمائة ألف راجل، فخيموا تجاه دمياط فى البر الغربى، وحفروا على عسكرهم خندقا، وأقاموا عليه سورا وشرعوا فى قتال برج دمياط، فإنه كان برجا منيعا فيه سلاسل من حديد غلاظ تمد على النيل لتمنع المراكب الواصلة فى البحر الملح من الدخول إلي ديار مصر فى النيل.
وكان هذا البرج مشحونا بالمقاتلة، فتحيل الفرنج عليه، وعملوا برجا من الصوارى على بسطة كبيرة، وأقلعوا بها حتى أسندوها إليه وقاتلوا من به حتى أخدوه فبلغ نزول الفرنج على دمياط الملك الكامل - وكان يخلف أباه الملك العادل فعند ذلك توجه الملك الكامل لمحاربة الفرنج، وكان معه جيش عظيم، وكان فيهم شخص يسمى شمايل وهو من الجندارية وكان يمشى فى ركاب الملك الكامل إلى أن دخل دمياط، فكان يسبح فى الماء ويأتى للسلطان بأخبار الفرنج، فحظى بذلك عند الملك الكامل، وقرب منه إلى أن عمله وإلى القاهرة، وإليه تنسب خزانة شمايل الذى كانت بالقاهرة، ولم يزل الحال على ذلك مع الفرنج إلى أن دخلت سنة ست عشر وستمائة، فجهز الملك المنصور صاحب حماه أبنه المظفر محمود إلي مصر نجدة للملك الكامل على قتال الفرنج فى جيش كثيف، فوصل إلى العسكر وتلقاه الملك الكامل وأنزله ميمنته العسكر، وكان بثغر دمياط من العساكر نحو العشرين ألف مقاتل غير أهل النواحى فعند ذلك غلت عندهم أسعار حتى بلغت بيضة الدجاجة دينارا وامتلأت الطرقات بالموتى من الجوع وعدمت الأقوات وصارت السكر كعزة الياقوت. وكان مدة المحاصرة مع الفرنج ست عشر شهرا وأثنين وعشرون يوما، فعند ذلك استولى الفرنج على دمياط وملوكها
[ ٢٠٨ ]
وأسرفوا فى القتل والنهب والسبى، فرحل السلطان بعد أخذ دمياط (^١) بيومين ونزل قباله طلخا على رأس بحر أشموم وبحر دمياط وهى التى يقال لها المنصور.
ولما ملكوا الفرنج دمياط وجعلوا الجامع كنيسة وحصنوا سورا المدينة، فسير السلطان الكتب إلى الأفاق يستحث الناس على الحضور لدفع الفرنج عن ملك مصر. وبنى بالمنصورة الأسواق والفنادق والحمامات وغير ذلك، ثم حضرت العربان من الصعيد وأعملها وأسوان وسائر النواحى، ونودى بالنفير العام، فاجتمع عالم لا يعلم عدده إلا الله.
وسار السلطان إلي الفرنج وقد تكامل معه من العساكر نحو أربعين ألف فارس فتحاربوا مع الفرنج، وجرى بينهم من القتال ما يطول شرحه، فعند ذلك اينوا الفرنج بالهلاك، وأرسلوا يطلبوا من السلطان الأمان على أن يتركوا دمياط للمسلمين ويرحلوا عنها، فعند ذلك اتفق الحال على أن يعطى كل من الفريقين المسلمون، والفرنج رهائن منهم، فسير ملك الفرنج عشرين ملكا الصالح نجم الدين أيوب مع جماعة من الأمراء إلى ملك الفرنج رهنا، كما اتفقوا فعند ذلك سلموا الفرنج دمياط إلى المسلمين وكان يوم تسليمها يوما عظيما ولما تسلموا المسلمين دمياط قدمت نجدة من البحر إلي الفرنج، فكان من جميل صنع الله تأخرها إلى حين تسلموا المسلمين دمياط، فإنها لو قدمت قبل ذلك تقوى بها الفرنج، وكان مما وقع عليه الصلح أن كلا من المسلمين والفرنج يطلق من عنده من الأسرى، وحلف السلطان والفرنج على ذلك، ورحلوا الفرنج من علي دمياط وبعثوا ولد السلطان ومن معه من الأمراء، وأرسل السلطان من عنده من ملوك الفرنج، وأطلقوا الفرنج الأسرى الذى كانوا عندهم من أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ودخل الملك الكامل إلى دمياط وكان يوم دخوله إليها من الأيام المعدودة وعمت البشاير فى سائر الآفاق بأخذ مدينة دمياط من يد الفرنج بعد ما كانوا قد أشرفوا علي أخذ ديار مصر من أيدى المسلمين، وكانت مدة نزول الفرنج علي دمياط إلى أن رحلوا عنها إلى بلادهم ثلاثة سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، منها مدة استيلائهم على مدينة دمياط سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يوما، ثم طرقت الفرنج دمياط أيضا فى أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك العادل وذلك فى دولة الأكراد فوصل إلي دمياط ملك من ملوك الفرنج يقال له ريدافرنسيس فأتا فى مراكب كثيرة مشحونة بالعساكر العظيمة، قلما وصلوا إلى ثغر دمياط أرسل ريدافرنسيس كتابا يهدده فيه وينذر بكثرت عساكره وأخذه لبلاد الأندلس، وما جرى على أهلها منه، وحذر فيه من ذلك غاية الحذر.
_________________
(١) وردت على هامش المخطوطة.
[ ٢٠٩ ]
فلما سمعوا أهل دمياط بذلك هربوا تحت الليل هم والعساكر المصرية، فلما أصبحوا الفرنج يوم الأحد سابع شهر صفر قصدوا دمياط فإذا أبواب المدينة مفتوحة ولا فيها أحد، فظنوا الفرنج أن ذلك مكيدة من المسلمسن، وتمهلوا حتى ظهر لهم خلوها، فدخلوا إليها غير مانع ولا مدافع، واستولوا علي ما فيها من الأسلحة وغيرها، فارتجت مصر بأهلها وعظمة المصيبة، لأن السلطان كان على غير استواء من مرض نزل به. فعند ذلك حنق السلطان على أهل دمياط بسبب خروجهم من دمياط بغير إذن وأمر بشنق من كان بها من الأمراء الكنانية، فكان عدة من شنق منهم ما يتبيق عن خمسين أميرا فى ساعة واحدة، وكان فيهم أمير له ولد جميل، فسأل أن يشنق هو قبل أبيه فأمر السلطان أن يشنق أبنه قبله فشنق الأبن قبل الأب. فلما رأوا ذلك بقية العسكر نفرت قلوبهم عن السلطان، وهموا بالقيام عليه فأشار بعض الأمراء بعدم ذلك. وقال السلطان علي خطه فإن مات فقد كفيتم أمره وإن عاش فهو بين أيديكم، وأمر السلطان بتحصين سور المنصورة وسار إليها فى محفة، وأمر بجمع العساكر وأهل النواحي من العربان وغيرهم، فاجتمع من ذلك خلق لا تحصى عددهم، وأخذوا الفرنج فى تحصين أسوار مدينة دمياط بالمقاتلين والآلات ودام بين الفريقين الحرب والقتال، وصاروا دول ياسروا من دول ودول ياسروا من دول هذا، ومرض السلطان يتزايد وقوته تتناقص حتى ايس منه الأطباء. فلما كانت ليلة الأحد الرابع عشر من شعبان مات الملك الصالح بالمنصورة فلم يظهروا موته وحمل فى الليل إلى القاهرة، ودفن ولم يعلم أحدا بموته وأقام بأمر العساكر الأمراء والمماليك البحرية وكتم موت السلطان الملك الصالح وهو توارن شاه وكان على حصين كيفا وكان في ذلك المدة يخرج مراسيم السلطان بالعلامة فلا يشك من رأها أنها خط السلطان الملك الصالح، وكان المدبر للمملكة يومئذ الأمير حسام الدين لاجين، ولم يعلم أحد من القاهرة بموت السلطان إلى حين قدم ولده توران شاه من حصن كيفا، وولى الملك بعد أبيه الملك الصالح ولقب بالملك المعظم توران شاه فعند ذلك أشيع موت الملك الصالح رنادى المنادى بالدعاء للسلطان الملك المعظم توران شاه. وصارت له الخطبة ونقش باسمه على السكة، فلما علموا الفرنج بموت السلطان طمعوا فى أخذ مصر، ووصلوا إلي المنصورة وجرى بينهم وبين المسلمين وقعة عظيمة يطول شرحها، واستشهد بها من الأمراء والمماليك والناس خلق كثير وأسر من الفرنج سبعة وستين أسيرا، ومن ملوكهم ثلاثة وقتل من الفرنج خلق كثير. وكاد أن يمحوا الفرنج كلمة الإسلام ولم يبق من دخولهم إلى ديار مصر إلا شئ يسير فإذن الله ﷾ بالنصر على يد الأمير بيبرس البندقدارى ومن معه من المماليك البحرية والجمدارية الذى استجدهم الملك الصالح فحملوا على الفرنج حملة واحدة بالسيوف والدبابيس
[ ٢١٠ ]
فانهزموا الفرنج بإذن الله وبلغت عدة من قتل من فرسان الفرنج فى هذه الواقعة ألفين وخمسمائة فارس وانهزموا الباقى، ووردت البشائر بذلك إلى المصرية ودقت الكوسات وزينت القاهرة وذلك فى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وقد أحاط المسلمون بالفرنج وقتلوا منهم وأسروا خلقا كثيرا حتى قيل أن عدد من قتل من الفرنج على فارسكور ما يزيد على عشرة آلاف، ونهبوا المسلمين من الفرنج من المال والقماش والخيول والسلاح شئ كثير لا يحصى وأن حاش ملك الفرنج وأكابر الفرنج إلى تل هناك، وأرسلوا يسألوا فى الأمان وسبب هذه النضرة لما أنكسروا الفرنج من المنصورة كانوا دبروا المسلمين هذه الجبلة وهو أنهم عمدوا إلي مراكب وحملوها على جمال وألقوها إلى بحر المحلة وأشحنوها بالمقاتلين، وخرج معهم السواد الأعظم من الأعوام وغيرهم، فلما انسكروا الفرنج من على المنصورة لاقاهم هذا الكمين بالنشاب والمقاليع والحجارة حتى هزموهم وأسروهم ونهبوهم فعند ذلك طلبوا الأمان فنزل ملكهم المسمى ريدا - فرنسيس إلى المسلمين فقيدوه واعتقل فى الدار التى كان ينزل فيها القاضى فخر الدين ابن لقمان كاتب الإنشاء ووكل به الطواسى صبيح العظمى واعتقل معه أخوه وأقاربه ورتب له كل يوم ما تكيفيه وأمر الملك المعظم توران شاه بقتل جميع الأسراء الفرنج ورميهم فى البحر فقتل منهم خلق كثير، ثم أن السلطان الملك المعظم رحل من المنصورة، ونزل بالدرب السلطانى من على فارسكور وعمل له برجا من الخشب على البحر، وسير بالبشاير إلي القاهرة وأعمالها وإلى الشام وإلي حلب سائر النواحى يعلمهم بالنصر على الفرنج، وما كان من أمرهم وما كان من نصرة المسلمين عليهم، وما من الله به من فتح دمياط وطرد العدو عنها، وذلك في سنة ثمتن وأربعين وستمائة، وكانت هذه البشاير على يد الأمير جمال الدين يوسف بن يغمور فدخل إلي القاهرة وهو لابس ليس ملك الفرنج وهو اشكرلاط أحمر بفرو سنجاب، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما شهودا وأما ما كلن من أمر السلطان الملك المعظم توران شاه فإنه لما كسر الفرنج ظن أن الوقت قد صفا له فأخذوا فى أسباب تقريب من قدم معه من بلاد الشمال واعطالهم الوظايف السنة، وأمر روءوس النواب أن تكون عصيهم ملبسة بالذهب إذا وقفوا قدامه فى الموكب، وكان إذا سكر رص الشموع وضرب روءوسها بالسيف ويقول هكذا أفعل بالمماليك البحرية، وكان فى طبعه الرهج والخفة فعند ذلك نفرت عنه قلوب الرعية والأمراء ومماليك أبيه لكونه قرب جماعته وأبعد حاشية أبيه، وكان قد أرسل إلى شجرة الدر زوجة أبيه يهددها ويستوعدها بكل سوء، فأرسلت شجرة الدر إلى الأمراء والمماليك فى الدس. وقالت لهم أقتلوه وعلى رضاكم.
[ ٢١١ ]
فلما كان يوم الأثنين تاسع عشرين المحرم من السنة المذكورة جلس الملك المعظم توران شاة على السماط، فتقدم إليه أحد المماليك البحرية وضربه بسيف قطع أصابعه ففر إلى البرج الخشب الذى تقدم ذكره فصعدوا إلى أعلاه وأطلقوا فيه النار، فألقى توران شاه نفسه فى البحر وهو يقول ما أريد ملككم دعونى أرجع إلى حصن كيفا، وصار يسبح فى البحر والنشاب يأخذه من كل ناحية وهو يقول: يا مسلمين ما فيكم من يغيثنى وسائر العساكر واقفه فلم يجبه أحد، وأدركوه فى البحر وقتلوه فمات حريقا غريقا قتيلا وذلك فى يوم الأثنين المذكورة وترك ثلاثة أيام على شاطئ البحر لم يدفن، والسماط ممدود، فلما وقع ذلك اتفق أهل الدولة من الأمراء والمماليك على أن يولوا شجرة الدر والدة حليل زوجة الملك الصالح، وأن يكون مقدم العساكر الأمير عز الدين أيبك التركمانى الصالحى وحلف كل على ذلك وسيروا إليها عز الدين الرومى إلى قلعة الجبل وأعملها بما أتفق من الحال، وصارت ملكة على مصر والقاهرة وكانت تكتب علامتها على المراسيم والدة خليل، وخطب لها على المنابر فى سائر النواحى وأقيمت دون السنة وكان سبب خلعها عن الملك أن الخليفة أرسل يقول لعسكر مصر أعلمونا إن كان ما بقى عندكم أحدا من الرجال يصلح للملك نرسل لكم من يصلح وأنكر عليهم لكونهم، ولو امرأة، فعند ذلك ولوا عز الدين أيبك التركمانى الصالحى، وكان لا يتصرف إلا بأمرها حتى غدرته وقتلته فى الحمام، ثم بعد ذلك أمر بقتلها ولده على، وأقامت ثلاثة أيام مرمية فى خندق قلعة الجبل، والناس تنظر إليها ودفنت بعد ذلك والمجازاة من جنس العمل، وقد قال بعضهم فى هذا المعنى ارتحالا.
جرع كاسا كان يسقى بها … والمرء مجرى بأعماله
وأما ما كان من أمر ريدا فرنسيس ملك الفرنج فإنه اشترى نفسه من المسلمين بمال جزيل وزفرجوا عنه وعن أقاربه، ورحل إلى بلاده وحلفوه أنه لا يغدروا لا يعتدى على بلاد المسلمين ثم بعدد ذلك.
لما كانت دولة الملك المنصور على بن أبيك التركمانى حشد ريدا فرنسيس عساكر عظيمة وجاء إلى ساحل دمياط فكتب إليه الوزير جمال الدين ابن مطروح:
قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من مقول فصيح
أجرك الله على ما جرى … من قتل عباد لدين المسيح
اتيت مصرا تبتغى ما جرى … تحسب أن الزمر يا طيل ريحة
[ ٢١٢ ]
فساقك الحين إلى عسكر … ضاق به عن ناظرك الفسيح
وكل أصحابك أودعتهم … بسوء تدبيرك بطن الضريح
خمسون ألفا لا يرى منهم … إلا قتيلا أو أسيرا أو جريح
وفقك الله لأمثالها … لعل عيسى منكم يستريح
إن كنت عولت على عودة … لأخذ ثارا ولنقد صحيح
دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشى صبيح
وقال آخر:
يا فرنسيس هذه أخت مصر … فتأهب لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبر … وطواشيك منكر ونكير
وقد دخل فى قلب فرنسيس من ضرب هذا الطواشى صبيح ما لا ينسا حصرته، فعند ذلك رد إلى بلاده، وقد أشار بعض أرباب الدولة المصرية بخرب مدينة دمياط خوفا من مسير الفرنج إليها مرة أخرى، فسيروا إليها الحجارين والفعلة، فوقع الهدم فى أسوارها يوم الأثنين ثامن عشر شهر شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة حتى خربت كلها، ومحوا آثارها ولم يبق منها سوى الجامع وصار مكان البيوت أخصاص على شاطئ النيل، وصارت تسكن فيها الصيادين وسموها المنشية، ثم حين تجدد [بعد] بناء سورها أمير المؤمنين المتوكل علي الله ثم لما كانت دولة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى الصالحى بعد قتل الملك المظفر قظز فأمر بتجديد عمارة مدينة دمياط. وأرسل إليها عدة من الحجارين والبنائين وذلك فى سنة تسع وأربعين وستمائة، وأمر بردم فم بحر دمياط، فأخذوا من القرابيص بتاع الهد القديم، وألقوها فى البحر الذى يصب من شمال دمياط فى البحر المالح حتى ضاق،
[ ٢١٣ ]
وامتنع من دخول المراكب إليه وهو إلى اليوم على ذلك لا يقدر المراكب الكبار أن تدخل فيه، وإنما ينقل ما فيها من البضائع في مراكب صغار، وتصير المراكب واقعة في البحر المالح عند فم بحر النيل، قريبا ملتقى البحرين. وكان فى قديم الزمان على فم بحر النيل من ثغر دمياط سلسلة من حديد من البر إلى البر، وذلك فى زمان القبط الذى كانوا على مصر فى زمان المقوقس، وكان على دمياط ملك يقال له الهاموك وقد تقدم ذكره فى أول فتح دمياط، وقد صارت دمياط تتزايد بالعمارة من دولة الملك الظاهر بيبرس إلى يومنا هذا، وقد صار فيها الأسواق والحمامات والجوامع والمدارس ودورها تشرف على بحر النيل، ومن ورائها البساتين وقد صارت من أحسن بلاد الله منظرا. وقد قال فيها الشيخ شهاب الدين المنصورى الشهير بالهايم شعر:
لعمرك ما دمياط إلا جندنة … تهيم الورى منها بأحسن منظر
وذات جمال أن تبسم ثغرها … تبسم من مغناه عن عقد جوهر
لها ناظر منه تصول بأبيض … وتطعن من فتح القوام باسمر
وقد قال من طاف بلد الشمال إلى سمرقند ما رأى أحسن من دمياط ولا أحسن من بساتينها ولا من حسن منظرها. وقد قال الشيخ شهاب الدين المقريزى: قد كنت أقول أن دمياط ليس بها هذا الوصف العظيم إلى أن شاهدتها فإذا هى جنة على وجه الأرض، ليس فى ملك مصر أعظم رؤيا منها وفيها قلت عند رؤيتها بشعر.
سقى عهد دمياط وحياة من عهد … فقد زادني ذكره وجداه على وجد
ولا زالت الأنواء سقى سحابها … ديارا حكمت من حسنها جنة الخلد
فيأحسن هاتيك الديار وطيبها … فكم قد حوت حسنا نجل عن الحد
ولا سيما تلك النواعير أنها … تجدد حزن الواله المدنف الفرد
أطارحها شنجوى وصارت كأنما … تطارح شكواها بمثل الذى ابدى
ونوفرها الريان يحكى ميتما … تبدل من وصل الأحبة بالصد
[ ٢١٤ ]
فقام على رجليه فى الدمع غارقا … يراعى نجوم الليل من وحشة الفقد
وظل على الأقدام تحسب أنه … لطول انتظار من حبيب على وعد
وفي مرح البحرين جم عجائب … تلوح وتبدوا من قريب ومن بعد
كان التقاء النيل بالبحر إذ غدا … مليكان سارا فى الحجر أقل من جند
فكلاكما باتا وما برحا كذا … مد الدهر فى حرب عظيم وفى جهد
وفي البرزخ الماءنوس كم لى خلوة … وعند شطا عن أيمن العلم الفرد
وكم قد نعمنا بالبساتين نزهة … يعيش هنى فى أمان وفى سعد
هناك ترى ما يطرد الهم والغناء … من الروض والأنهار والغصن المد
فيارب هييء لى بفضلك عودة … ومن بها فى غير بلوى ولا جهد
وبدمياط مسجد الفتح الذى أسسه المسلمون عند فتح مدينة دمياط، أول ما فتح الله أرض مصر على يد عمرو بن العاص وعلى بابه مكتوب بالقلم الكوفى أنه عمر بعد سنة تسعين من الهجرة، وفيه عدة عواميد رخام كثيرة، والآن يعرف بمزار سيدى فتح الأسمر رحمة الله عليه وذلك لنزوله فيه، فمشى على لسان الأعوام بمسجد سيدى فتح، وهو فاتح بن عثمان الأسمر التكرورى، قدم من مراكش إلى دمياط على سبيل التجريد وكان يسقى بدمياط الماء فى الأسواق احتسابا من غير أن يتناول من أحد شيئا، وكان يلازم الصلاة مع الجماعة، وأقام بحيرة تنيس وهى خراب نحو سبع سنين ثم عاد إلي دمياط فكان لا يرى وقت الصلاة، وإذا سلم الإمام عاد إلى انعكافه فلا يخالط الناس فيما هم فيه من أمر الدنيا، فلما نزل بمسجد الفتح وكان قد خرب منذ سنين وهو مقفول فرممه وبناه علي سبيل التجريد، فتح الله بعمارته على يد سيدى فتح، وكان يقول: لو علمت بدمياط مكانا أفضل من هذا المسجد لأقمت به، ولو علمت بلدا يكون الفقير فيه أجمل من دمياط لرحلت إليه وأقمت به. وكان إذا ورد عليه من الفقراء ولا يجد ما يطعمه باع ثوبه ولا يقبل من الناس شيئا، وكان سلوكه على طريقة
[ ٢١٥ ]
السلف من التمسك بالكتاب والسنة وترك الدعاوى، وله كرامات خارقة وكان يبذل جهده فى كتم لحاله والله تعالى يظهر خبره وبركته من غير قصد منه لذلك، وكان لا يعرف صومه من فطره فلا يرى أكلا قط.
ومن كلامه: الفقير بحال البكر إذا سأل زالت بكارثة. ولم يصحب قط أميرا ولا وزيرا، وكان دعائه «اللهم بعدنا عن الدنيا وعن أهلها» وكان قد أشار عليه بعض العلماء بأن يتزوج، فتزوج قرب موته ورزق ولدين ومات آخر ليلة تسفر عن ثامن شهر ربيع الاخر سنة خمس وتسعين وستمائة، ولم يملك درهما ولا دينارا، بل وجد عليه ألف درهم دينا فأوفى عنه، ودفن بجوار مسجد الفتح وقبره يزار إلى يومنا هذا، أعاد الله علينا من بركاته ونفعنا به فى الدنيا والآخرة.
***