قال ابن عبد الحكيم: أول من قاس بمصر يوسف ﵇. وضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة أبنة زباء - وهى صاحبة حائط العجوز مقياسا بأنصنا وهو صغير الذرع [«ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير»] (^٢)، ووضع أسامة بن زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة وهو أكبرها.
قال يحيي بن بكير: أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلي الفسطاط وقال القضاعي: كان أول من قاس النيل بمصر يوسف النبي ﵇ وهو مقياس بمنف، وهو أول مقياس وضعه ﵇. وقيل أن النيل يقاس بمصر بأرض علوة كداء إلى أن بني مقياس منف، وأن القبط كانت تقيس عليه إلي أن بطل.
ومن بعده دلوكة العجوز بنت مقياسا بأنصنا، وهو صغير الذراع ومقياسا آخر بأخميم وهى التي بنت الحائط المحيط بمصر.
_________________
(١) وردت في الأصل بلاد.
(٢) سقطت هذه العبارة من الناسخ، والإضافة من المقريزى فى الخطط.
[ ٨٢ ]
وقيل إنهم كانوا يقيسون الماء قبل أن يوضع المقياس بالرصاصة، فلم يزل المقياس فيما مضي قبل الفتح بقيسارية الأكسية ومعالمه هناك إلى أن بني المسلمون بين الحصين والبحر أبنيتهم الباقية الآن.
وكان للروم أيضا مقياسا بالقصر خلف الباب يمنه من يدخل منه في داخل الزقاق أثره قائم إلي اليوم، وقد بني عليه وحوله، ثم بني عمرو بن العاص عند فتحه مصر قياسا بأسوان ثم بني بموضع يقال له دندرة.
ثم بني في أيام معاوية مقياس بأنصنا، فلم يزل يقاس عليه إلي أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وكانت منزله، وكان هذا المقياس صغير الذراع.
فأما المقياس القديم الذى بني في الجزيرة فالذي وضعه أسامة بن زيد، وقيل أنه كسر فيه ألفى أوقية، وهو الذي بني بيت المال بمصر ثم كتب أسامة بن زيد التنوخي عامل مصر لسليمان بن عبد الملك ببطلانه وكتب إليه سليمان بأن يبنى مقياسا في الجزيرة فبناه في سنة سبع وتسعين.
ثم بني المتوكل فيها مقياسا أول سنة سبع وأربعين ومائتين فى ولاية يزيد بن عبد الله التركي علي مصر وهو المقياس الكبير المعروف بالجديد، وأمر بأن يعزل النصارى عن قياسه، فجعل زيد بن عبد الله على المقياس أبا الرداد المعلم واسمه عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي الرداد المؤذن كان يقال أصله من البصرة وقدم مصر وأقام بها، وجعل علي قياس النيل وأجري عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ سبعة دنانير في كل شهر، فلم يزل القياس منذ ذلك الوقت في يد أبي الرداد وولده إلي اليوم وتوفي أبو الرداد في سنة ست وستين ومائتين.
ثم ركب أحمد بن طولون في سنة تسع وخمسين ومعه أبو أيوب صاحب خراجه وبكار بن قتيبة (^١) القاضى فنظر إلي المقياس وأمر بإصلاحه وقدر له ألف ينار فعمر بها وبني الخازن في الصناعة مقياسا وأثره باق لا يعتمد عليه.
_________________
(١) هو بكار بن قتيبة بن أسد أبو بكرة من بنى الحارث بن كلدة الثقفى قاض محدث ولي القضاء بمصر للمتوكل العباسي سنة ٢٤٦ هـ، ولما صار الأمر إلي أحمد بن طولون بمصر، أمره بخلع الموفق من ولاية العهد، فامتنع بكار فاعتقله فأقام في السجن يقصده الناس يروون عنه الحديث ويفتيهم، وهو باق علي القضاء إلي أن توفي في سجنه بمصر، ومولده في البصرة سنة ١٨٢ هـ/ ٧٩٨ م، ومات سنة ٢٧٠ هـ/ ٨٨٤ م، له كتب منها الوثائق والعهود في الفقه.
[ ٨٣ ]
وقال ابن عبد الحكم: ولما فتح عمر بن العاص مصر أتى أهلها إلي عمرو، حين دخل بؤونة من أشهر القبط، فقالوا له: أيها الأمير أن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. فقال لهم وما ذاك. قالوا: إنه إذا كان لثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر [من أبويها] (^١) وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل.
فقال لهم عمرو: أن هذا لا يكون في الإسلام، وأن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسري لا يجري قليلا ولا كثيرا حتي هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك فكتب إليه عمر ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في داخل النيل.
فلما قدم الكتاب علي عمر وفتح البطاقة فإذا فيها: [«من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك»].
فألقي عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، وأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله تعالى ست عشر ذراعا في ليلة، وقطع تلك السنة السوء من أهل مصر.
وذكر بعضهم أن جاحلا الصدفي هو الذي قرأ بطاقة عمر بن الخطاب ﵁ إلي النيل حين [توقف] فجرى بإذن الله تعالي.
وقال يزيد بن أبي حبيب: أن موسي ﵊ دعا علي آل فرهون فحبس الله عنهم النيل حتي أرادوا الجلاء، فطلبوا إلي موسي أن يدعو الله، فدعا الله رجاء أن يؤمنوا وذلك في ليلة الصليب، فأصبحوا وقد أجري الله النيل في تلك الساعة ستة عشر ذراعا فاستجاب الله لعمر بن الخطاب، كما استجاب لنبيه موسي ﵇.
قال القضاعى: ووجدت في رسالة منسوبة إلي الحسن بن محمد بن عبد المنعم قال: لما فتحت العرب مصر عرف عمر بن الخطاب ما يلقي أهلها من الغلاء عند وقوف النيل، فضلا عن تقاصره وأن أفرطت الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، وأن الاحتكار يدعوا إلى تصاعد الأسعار للقحط.
_________________
(١) وردت على هامش المخطوطة.
[ ٨٤ ]
فكتب عمر إلي عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه إني وجدت ما تروي به مصر حتي لا يقحط أهلها أربع عشرة ذراعا، والحد الذي يروي منه سائرها حتي يفضل عن حاجتهم، ويبقي عندهم قوت سنة أخري ست عشر ذراعا، والنهايتان المخوفتان فى الزيادة والنقصان وهما الظمأ والأستبحار أثنا عشر ذراعا في النقصان، وثمان عشرة ذراعا في القبط، وكمال العمارة فيه. .
فاستشار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عليا ﵁ في ذلك، فأمره أن يكتب إلي عمرو أن يبنى مقياسا وأن ينقص ذراعين على أثني عشر ذراعا، وأن يقر ما بعدها علي الأصل، وأن تنقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا أصبعين، ففعل ذلك وبناه بحلوان فأجتمع له بذلك كل ما أراد من حل الارجاف، وزوال ما منه كان يخاف، بأن جعل الأثنى عشر ذراعا أربع عشرة لأن كل ذراع أربع وعشرون أصبعا، فجعلها ثمانيا وعشرين من أولها إلى الأثني عشر يكون مبلغ الزيادة علي الأثني عشر ثمانية وأربعين أصبعا، وهي الذراعان وجعل الأربع عشرة ست عشرة، والست عشر ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين.
قال القضاعي: وفي هذا الباب (^١) نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال وشاهد ذلك أن المقاييس (^٢) القديمة الصعيدية من أولها إلي آخرها أربع وعشرون أصبعا كل ذراع، والمقاييس الإسلامية علي ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن يزيد التنوخي بالجزيرة وهو هدمه الماء، وبني المأمون آخر بأسفل الأرض بالبروذات، وبن المتوكل آخر بالجزيرة وهو الذي يقاس عليه الماء الآن وقد تقدم ذكره.
قال ابن عفير عن القبط المتقدمين: إذا كان الماء في أثني عشر يوما من مسرى أثنتي عشرة ذراعا، فهي سنة ماؤها ناقص، وإذا تم ست عشرة ذراعا قبل النوروز، فالماء يتم
فأعلم ذلك.
وقال أبو الصلت: وأما النيل وينبوعه، فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنه يبتدئ [فى] التزايد في شهر أبيب. والمصريون يقولون: إذا دخل أبيب كان للماء دبيب، وعند إبتدائه في التزايد يتغير جميع كيفياته ويفسد، والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه يخالطها فيجتلبها معه إلي غير ذلك مما يحتمله.
_________________
(١) وردت عند المقريزى «الحساب» وهي القريبة للصواب.
(٢) وردت في الأصل «المقاس» والصواب في المتن.
[ ٨٥ ]
فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا، وزاد في السادس عشر أصابع، وكسر الخليج والكسر يوم معدود، ومقام مشهوز، ويجتمع العام والخاص. فإذا كسر فتحت الترع، وهي فوهات الخلجان ففاض الماء وساح وغمر القيعان والبطاح، وانضم الناس إلي مساكنهم من الضياع والمنازل، وهي على آكام وربي لا ينتهي الماء إليها، ولا يتسلط السيل عليها فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامرا لما بين جبليها، ريثما يبلغ الحد المحدود في مشيئة الله ﷿ وأكثر ذلك يحوم حول ثمانى عشرة ذراعا.
ثم يأخذ عائدا في صبه إلي مجرى النيل ومسربه، فينصب أولا عما كان من الأرض عاليا، ويصير فيما كان منها متطامنا، فيترك كل قرارة كالدرهم، ويغادر كل ملقة كالبرد المسهم.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن محمد الماوردي في كتاب «الأحكام السلطانية» وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبح، وأول من وضعها أمير المؤمنين هارون الرشيد، قدرها بذراع خادم أسود كان علي رأسه قائما، وهي التي تتعامل الناس بها في ذراع البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر.
وأكثر ما وجد في القياس من النقصان في سنة سبع وتسعين ومائة، وجد في المقياس تسعة أذرع واحد وعشرون أصبعا، وأقل ما وجد فيه في سنة خمس وستين ومائة فإنه وجد فيه ذراع واحد وعشر أصابع. وأكثر ما بلغ في الزيادة في سنة تسع وتسعين ومائة فإنه بلغ ثمانية عشر ذزاعا وتسعة [عشر] أصبعا. وأقل ما كان في سنة ست وخمسين وثلاثمائة [الهلالية] (^١) فإنه بلغ أثني عشر ذراعا وتسع عشر أصبعا، وهي أيام كافور الأخشيدى.
والمقياس عمود [رخام] أبيض مثمن، في موضع ينحصر فيه الماء عند إنسيابه إليه، وهذا العمود مفصل على أثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مفصل علي أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع، ما عدا الأثني عشر ذراعا الأولي فإنها مفصلة علي ثمان وعشرين أصبعا كل ذراع.
وقال المسعودى: قالت الهند: زيادة النيل ونقصانه بالسيول، ونحن نعرف ذلك بتوالي الأنواء وكثرة الأمطار.
_________________
(١) إضافة من الخطط.
[ ٨٦ ]
وقالت الروم: لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته ونقصانه من عيوب كثرت فى شاطئه يرأها من سافر ولحق بأعاليه.
وقيل لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته بريح الشمال، إذا كثرت واتصلت تحبسه فيقبض علي وجه الأرض.
وقال قوم: سبب زيادته هبوب ريح تسمي ريح الملتن، وذلك أنها تحمل السحاب الماطر من خلف خط الأستواء، فيمطر ببلاد السودان والحبشة والنوبة، فيأتي مدده إلي أرض مصر، ومع ذلك فإن البحر المالح يقف ماؤه في وجه النيل، فيتوقف ماؤه حتي تروي البلاد وفي ذلك يقول:
فالنيل ذو فضل ولكنه … الشكر فى ذلك للملتن
فاسمع (^١) فللسامع أعلى يدا … عندى وأسمى من يد المحسن
ويبتدئ النيل بالتنفس والزيادة بقية بؤونة (^٢) وأبيب (^٣) ومسرى (^٤). فإذا كان الماء زائدا زاد شهر توت (^٥) كله إلي انقضائه. فإذا انتهت الزيادة إلي الذراع الثامن عشر ففيه تمام الخراج، وخصب الأرض وهو ضار بالبهائم لعدم الرعي [والكلأ] (^٦).
وأتم الزيادات كلها، العامة النفع للبلد كله، سبعة عشر ذراعا وفي ذلك كفايتها وري جميع أرضيها، وإذا زاد علي ذلك وبلغ ثمانية عشر ذراعا وغلقها، استبحر من أرض مصر الربع، وفي ذلك ضرر لبعض الضياع لما ذكرنا من الاستبحار، وإذا كانت الزيادة علي ثمانية عشر ذراعا، كانت العاقبة في إنصرافه حدوث وباء [وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعا] (^٧).
_________________
(١) وردت هذه الأبيات في الخطط.
(٢) وهو حزيران.
(٣) وهو تموز.
(٤) وهو آب.
(٥) وهو أيلول.
(٦) سقطت من الناسخ.
(٧) وردت هذه العبارة على هامش المخطوطة.
[ ٨٧ ]
وقد بلغ في خلافة عمر بن عبد العزيز تسع عشرة ذراعا، ومساحة الذراع إلي أن يبلغ أثني عشرة أصبعا، ومن أثنتي عشرة ذراعا إلي ما فوق ذلك يكون الذراع أربعا وعشرين أذرع، وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أذرع، وفي تلك السنة يكون الماء قليلا.
والأذرع التي يستسقي عليها بمصر هي ذراعان تسمي منكر ونكيرا، وهي الذراع الثالث عشر والذراع الرابع عشر، فإذا انصرف الماء عن هذين الذراعين وزاد نصف ذراع من الخمس عشرة استسقي الناس بمصر، وكان الضرر الشامل لكل البلدان وإذا تم خمس عشرة ذراع ودخل في الست عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقى فيه، وكان في ذلك تقص خراج السلطان واصفي ما يكون ماء النيل في شهر طوبة بعد الغطاس لعشرة تمضي من طوبة، وأهل مصر يفتخرون بصفاء ماء النيل في ذلك الوقت، وفيه يخزن الماء أهل تنيس وسائر قري البحيرة.
وقد كانت مصر تروي كلها من ست عشرة ذراعا، لما أحكموا من جسورها وبناء قناطرها وحفر خلجانها، وكانت الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع دخل خليجه المنهى وخليج الفيوم وخليج سردوس وخليج سخا.
وقد تغير في زماننا هذا عامة ما تقدم ذكره لفساد حال الجسور والترع والخلجان وقنواته إنه يزيد في القبط إذا دخلت الشمس برج السرطان وبرج الأسد وبرج السنبلة حين تنقص جميع الأنهار، وكذلك أن الأنهار تمده بمائها عند غيضها فيكون زيادته، في خامس بؤونة وتظهر الزيادة في ثاني عشرة وأول دفعة في الزيادة تكون في ثاني أبيب، ومنتهي الزيادة في الثامن من بابة، ومن هنا يأخذ في النقصان وذلك في العشرين من بابة فتكون مدة الزيادة من ابتدائها إلي أن ينقص ثلاثة أشهر وخمسة وعشرون يوما وهي شهر: أبيب ومسري وتوت وعشرون يوما من بابة، ومدة مكثفة بعد زياته أثنا عشر يوما، ثم يأخذ في النقصان.
ومن العادة أن ينادي عليه دائما في السابع والعشرين من بؤونة بعد ما يؤخذ قاعته وهو ما بقي من الماء القديم في ثالث عشر بؤونة وبفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا.
[ ٨٨ ]
وكانوا يقولون: نعوذ بالله من أصبع من عشرين، وكان إذا بلغ النيل أصابع من عشرين ذراعا، فاض ماء النيل، وغرق الصياغ والبساتين، وفارت البلاليع، والآن إذا بلغ الماء في سنة أصبعا من عشرين لا يهم الأرض لما قد فسد من الجسور، وكان إلي بعد الخمسمائة من الهجرة قانون النيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة، وهى في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا.
وكانوا يقولون: إذا زاد علي ذلك ذراعا واحدا زاد خراج مصر مائة ألف دينار ولما يروى من الأراضى العالية، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية [القصوي] فإن الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة أثنا وعشرون ذراعا في الصعيد الأعلى، فإن زاد علي الثمانية عشر ذزاعا واحدا، نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من الأراضي المنخفضة.
قال ابن ميسر: في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعين وخمسمائة. وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، فبلغ الماء الباب الجديد أول الشارع خارج القاهرة، وكان الناس يتوجهون إلي القاهرة من مصر من ناحية المقابر، فلما بلغ الخليفة الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد أن الماء وصل إلي الباب الجديد، أظهر الحزن والانقطاع. فدخل إليه بعض خواصه وسأله عن السبب، فأخرج لهم كتابا فإذا فيه «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد» ثم قال: فكان الأمر كما ذكر ومرض في آخر السنة، ومات أول سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
قال القاضى الفاصل في متجددات سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وفي يوم الأثنين السادس والعشرين من شهر ربيع الأول وهو السادس عشر من مسرى، وفى النيل على ستة عشر ذراعا، وهو الوفاء، ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدم. وهذا أيضا مما تغير فيه قانون النيل في زماننا، فإنه صار فى أوائل مسرى، ولقد كان الوفاء في سنة أثنتي عشرة وثمانمائة في اليوم التاسع ولعشرين من أبيب قبل مسرى بيوم.
وهذا من أعجب ما يؤرخ في زيادات النيل. واتفق أن في الحادي عشر من جمادي الأولي سنة تسع وسبعمائة، وفي النيل وكان ذلك في اليوم التاسع عشر من بابة بعد النوروز بتسعة وأربعين.
[ ٨٩ ]
وقال بعض المفسرين أن يوم الوفاء النيل هو اليوم الذي وعد فرعون - موسى ﵇ بالاجتماع وذلك قول الله تعالي حاكيا عن فرعون ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ (^١)، وقد جرت العادة أن اجتماع الناس يكون في هذا الوقت.
ومن أحسن السياسات في أمر النداء على النيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق (^٢) في سيرة المعز لدين الله.
قال وفي هذا الشهر يعنى شوال سنة سنة أثنتين وستين وثلاثمائة منع المعز لدين الله من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلي القائد جوهر، فلما [أباح النداء] يعنى لما تم ست عشرة ذراعا وكسر الخليج، فانظر وتأمل إلي حسن هذه السياسة، فإن الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته يقلقون من ذلك ويحدثهم أنفسهم بعدم طلوع النيل في تلك السنة، فيقبضون أيديهم علي الغلال ويمتنعون من بيعها، ويجتهد كل من كان معه مال في اختزان الغلال.
أما لطلب لربح أولاد خار قوت عياله فيحدث بذلك الغلاء في البلد، فإن زاد المال انحل السعر، وأن توقف ونزل والعياذ بالله وقع الغلاء والقحط في البلد، فمن أجل ذلك كتم أمر زيادة النيل عن العامة خوفا مما ذكرنا في إضطراب البلد وتشحط الغلات فكان في أيامه لا يطلع على زيادة النيل غيره، وهذا من أعظم فائدة وأجل عائد.
وقال المسبحى (^٣) في تاريخ مصر: وخرج الأمر من عند بعض ملوك مصر إلي ابن حيران بتحرير ما يستفتحون به القياسون في كلامهم إذا نادوا علي النيل. فقال ابن
_________________
(١) ٥٩ ك طه: ٢٠.
(٢) هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن من ولد سليمان بن زولاق الليثى بالولاء أبو محمد مؤرخ مصرى، زار دمشق سنة ٣٣٠ هظ، وولى المظالم في أيام الفاطميين بمصر، وكان يظهر التشيع لهم. من كتبه خطط مصر وأخبار قضاة مصر ومختصر تاريخ مصر ولد سنة ٣٠٦ هـ/ ٩١٩ م ومات سنة ٣٨٧ هـ/ ٩٩٧ م.
(٣) هو محمد بن عبيد الله بن أحمد المسبحى عز الملك أمير مؤرخ عالم بالأدب كان على زى الأجناد أصله من حران ومواده سنة ٣٦٦ هـ/ ٩٧٧ م ووفاته سنة ٤٢٠ هـ/ ١٠٢٩ م اتصل بخدمة الحاكم بن العزيز العبيدى صاحب مصر وحظى عنده، وكانت له معه مجالس ومحاضرات، وقلده البهنسا ثم ولاه ديوان الترتيب. له عدة مصنفات منها «تاريخ المغاربة» «ومصر والتصريح» «والقضايا الصائبة» وغيرهم.
[ ٩٠ ]
حيران: أحسن ما يقولون: نعم لا تحصى من خزائن [الله] لا تغنى زاد الله في النيل المبارك كذا وكذا.
وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في منادى البحر.
قد قلت لما أتي القياس في يده … عود بماء النيل قد عودى وقد نودى
أيام سلطاننا سعد السعود وقد … صح القاس بجرى الماء فى العود
وقال المسعودى: ومن عادة نيل مصر إذا كان عند إبتداء زيادة النيل يخضر ماء النيل، فتقول عامة أهل مصر قد توحم النيل، ويرون أن الشراب منه حينئذ مضر.
وفى ذلك يقول ابن خطيب داريا:
عجب لنيل ديار مصر لأنه … عجب إذا فكرت فيه يعظم
يطاء الأرضى فهى تلقح دائما … من مائه وهو الذى تتوحم
والسبب في أخضراره أن الوحوش ترد البطيحات التي في أعالي النيل وتستنقع فيها من كثرة عددها لشدة الحر هناك فيتغير ماء تلك البطيحات من ذلك الوحوش، ولا سيما الفيلة فإذا وقع في الجبهة الجنوبية في أوقات معلومة تكاثرت السيول هناك فيخرج من تلك البطيحات، ما كان فيها من الماء الذى منقطع بها وقد تغير بسبب ما ذكرناه من الوحوش فيمر إلى أرض مصر وهو مغير اللون والطعم ويجئ عقيبه الماء الجديد من كثرت السيول وهو الزيادة بمصر فحينئذ يكون محمر اللون لما يخالطه من الطين الحر الذى تأتي به السيول. فإذا تناهت زيادته غشى أرض مصر فتصير القرى التي في الأقاليم فوق التلال والروابي قد أحاط بها الماء فلا يوصل إليها إلا في المراكب أو علي الجسور الممتدة المقدم ذكرها.
وكان للمقياس في الدولة الفاطمية معلوم منها لكنس مجارى ماء النيل للمقياس في كل سنة مائة دينار تصرف من الذخيرة لأبي الرداد، وكان يأتي من مدينة قوص مركب صغير تسمى المفرد تبشر بوفاء النيل قبل أن يبشر ابن أبي الرداد بثلاثة أيام، وكان لها علي الذخيرة معلوم يسمي المفرد، وكان لها أيضا علي أرباب الدولة معلوم في كل سنة فبطل ذلك من مصر ما بطل، وللشعراء في ذلك تغزلات كثيرة. فمن ذلك قول الأديب الفقيسي (^١).
_________________
(١) له ذكر في حسن المحاضرة للسيوطى.
[ ٩١ ]
ليهن أحبابى وفي … ومفرد وافى به مؤذنا
ما النيل إلا ادمعى بعدكم … كلا ولا المفرد إلا أنا
وقال الشيخ زين الدين بن الخراط (^١) في النيل:
يا نيل مصر لك بالوفا … أوليتنا بالكسر جبرا دائما
أوفت قبل الكسر خمس أصابع … كرما فكانت للوفاء خواتما
***