قال الكندى: وفى ولاية الوليد بن رفاعة الفهمى على مصر نقلت بنى قبيس إلى مصر فى سنة تسع ومائة ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك. وقيل لما قدم أبو إسحاق بن الرشيد من العراق إلى مصر فنزل بالحوف، وأرسل إلي أهله فامتنعوا من الطاعة فقاتلهم ولم يظفر بهم فرجع إلى العراق، وفى المحرم سنة خمس عشرة ومائتين خامر أسفل الأرض بأسره من عرب البلاد وقبطها وآخرجوا العمال وخلعوا عن الطاعة أجمعين وذلك لسوء سيرة عمال السلطان فيهم فكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط [ق ١٠٨ ز] حروب امتدت إلى أن قدم إلى مصر أمير المؤمنين المأمون وذلك فى المحرم سنة سبع عشر ومائتين، فسخط على عيسى بن منصور الرافعى وكان على إمارة مصر، وأمر بحل لوائه، قال له: لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك حملتهم الناس ما لا يطيغون وكتمتم الخبر عنى حتى تعاقم الأمر واضطرب البلد ثم عقد المأمون على جيش بعث به إلى الصعيد وارتحل هو إلى سخا وبعث بالأفشين إلى القبط وكانوا قد خلعوا عن الطاعة فأوقع بهم فى ناحية البشرود وحضرهم حتى ظفر بهم وأسرهم، ولما مثلوا بين يدى المأمون أمر بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال وتم له ما أراد، ورجع إلى مصر فى صفر ثم دخل إلى حلوان وعاد، فأرتحل لثمان عشر خلت من صفر فكأن مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما، وكان قد بلغ خراج مصر فى أيامه أربعة آلاف ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار وسبعة وخمسين ألف دينار، ويقال أن المأمون لما سار
[ ١٣٠ ]
فى قرى مصر كان يصنع له بكل قرية دكة يضرب عليها سرادقه والعساكر من حوله فكان يقيم فى القرية يوما وليلة فمر بقرية يقال لها طاء النمل فلم يدخلها لحقارتها. فلما تجاوزها المأمون خرجت إليه عجور يعرف بمارية القبطية صاحبة القرية وهى تصيح فظنها المأمون مستغيثة متظلمة، فوقف لها وكان لا يمشى أبدا إلا والتراجمة بين يديه من كل جنس، فذكروا له أن القبطية قالت أمير المؤمنين ينزل فى كل ضيعة ويتجاوز ضيعتى، والقبط تعايرنى بذلك، وأنا أسأل فضل أمير المؤمنين أن يشرفنى بحلوله فى ضيعتى ليكون لى الشرف والعقبى، ولا يشمت الأعداء بى وبكت بكاءا شديدا، فوقف لها المأمون وثنى عنان فرسه إليها ونزل عندها فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ وسأله كم يحتاج من الغنم والدجاج والفراخ والسمك والتوابل والسكر والعسل والمسك والشمع والفاكهة والعلوقة وغير ذلك مما جرت به العادة، فأحضرت جميع ذلك وزيادة وكان مع المأمون أخوة المعتصم وولده العباس وأولاد أخيه الواثق والمتوكل ويحيى بن أكتم (^١) والقاضى أحمد بن داود (^٢)، فأحضرت لكل واحد منهم ما يخصه على انفراده، ولم تكل أحدا منهم ولا من القواد إلى غيره، ثم أحضرت إلى المأمون من فاخر الطعام ولذيذة شيئا كثيرا حتى استعظم ذلك، فلما أصبح وقد عزم على الرحيل حضرت إليه ومعها عشر وصايف، مع كل وصيفة طبق، فلما عاينها المأمون من بعد قال لمن بين يديه قد جادتكم القبطية بهدية الريف الكافح والصحناه والصبر.
فلما وضعت ذلك بين يديه فإذا فى كل طبق من الذهب شئ كثير، فاستحسن ذلك منها وأمرها بإعادته، فقالت: لا والله لا أفعل ذلك، فتأمل المأمون الذهب فإذا هو ضرب عام واحد كله، فقال هذا والله أعجب وربما يعجز بيت ما لنا عن مثل ذلك، فقال يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا فقال لها أن بعض ما صنعته كفاية فردى ما لك بارك الله فيك وفى مروتك،
_________________
(١) هو يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن الأسيدى أبو محمد المروزى القاضى الفقيه، روى عن الفضل بن موسى السينانى وابن المبارك وعبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس وعبد العزيز بن أبى حازم وجرير وابن أبي عيينة والقطان ووكيع، روى عنه الترمذى وابن ماجة والبخارى وعلى بن حشرم وأبو داود السنجى وأبو حاتم وإسماعيل القاضى وإبراهيم بن أبى طالب ومحمد بن إسحاق السراج، ثقة مات سنة ٢٤٠ هـ.
(٢) هو ابن عبيد الله بن يزيد أبو جعفر بن أبى داود بن المناوى، رو «عن حفص بن غياث وأبى أسامة وروح ابن عبادة وأبى بدر شجاع بن الوليد وأبى النضر هاشم بن القاسم ووضاح بن يحيى النهشلى وإسحاق بن يوسف الأرزق وعبد الوهاب الخفاف وغيرهم، ثقة مات سنة ٢٧٢ هـ.
[ ١٣١ ]
فقالت: يا أمير المؤمنين أن هذا الذهب من الطين ومن عدلك يا أمير المؤمنين وعندى منه شئ كثيرة، ولا تشمت بى أعداء برده فعند ذلك قبله المأمون منها وأقطعها عدة ضياع وأعطاها من قريتها طاء النمل مائتا بعير خراج، وانصرف وهو متعجبا من كبر مروتها وسعة حالها، وقيل أن المأمون فرق ذلك الذهب جميعه على عساكره بالكبشة هو بنفسه، فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة.
***