أما العامة فليس عندهم ما يجئ علي وجه الأرض إلا سيل. ومن تفطن إلى عظمه واتساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض ولا هواء، ينسب ذلك إلى الخيال المحض، كما فعل صاحب (^١) كتاب «المسالك والممالك» الذى زعم أن الماء يسافر من كل أرض وموطن إلى النيل تحت الأرض فيمده لأن النيل إنما يفيض فى الخريف، والعيون والأبار فى ذلك الوقت يقل ماؤها، والنيل يكثر فرأوا كثرة وقلة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال.
وقال آخر: إنما ذلك ملك يضع رجليه في الماء فيكثر ويزيلها عن الماء فيقل ومما يدلك أنه ليس على سبيل أن السيل يكون فى غير وقت فيض البحر فلا يفيض النيل لكون البحر في الجزر فيصل السيل وتمر نحو البحر فلا يردعه رادع، ومنها أن فيض النيل على تدرج مدة ثلاثة أشهر من حلول الشمس برأس السرطان إلى حلولها آخر برج السنبلة والناس يحسنون به قبل فيضة بمدة شهرين، ولعامل مصر في وسط النيل مقياس موضوع، وهو سارية فيها خطوط يسمونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كل يوم.
_________________
(١) هو أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن خرداذبة مؤرخ جغرافى فارسى الأصل من أهل بغداد، كان جده خرداذبة مجوسيا أسلم على يد البرامكة، واتصل عبيد الله بالمعتمد العباسى فولاه البريد والخبر بنواحى الجبل وجعله من ندمائه، له تصانيف، منها المسالك والممالك وجمهرة أنساب الفرس واللهو والملاهي والشراب والندماء والجلساء وآدب السماع، ولد سنة ٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م ومات سنة ٢٨٠ هـ/ ٨٩٣ م.
[ ٧٦ ]
ومنها أن فيضه أبدا في وقت واحد فلو كان بالسيل لاختلف بعض الإختلاف. ومنها أنه قد يجيء السيل فى غير هذه الوقت فلا يفيض. ومنها أن الحذاق بمصر إذا رأوا الحر يزيد علموا أن النيل سيزيد، لأن شدة الحر تذيب الهواء فيذوب الماء ولا يكون إلا عن زيادة كوكب ودنو نور.
ومنها أن موضع مصبه من أسوان إنما هو واد من الأودية وما استحل اتسع حتى يكون عرض اتساعه نحو من مائة ميل، وأسوان إنما هو منتهى بلوغ الردع فما ظنك بسيل يسيل عرض اتساعه مسيرة نصف شهر لا نسبة بين مصب أعلاه وأسفله كيف كان يكون أعلاه أو كان إمتلاء أسفله عن السيل.
ومنها أن أهل أسوان إنما يرقبون بلوغ الردع إليهم مراقبة ويحافظون عليه بالنهار محافظة فإذا جن الليل أخذوا حقه سحاقة خزف، فوضعوا فيها مصباحا ثم وضعوه على حجر معد عندهم لذلك، وجعلوا يرقبونه فإذا أطغى المصباح طفو الماء عليه، علموا أن الردع قد وصل غاية المعهود عندهم بأخذه فى الجزر، فكتبوا بذلك إلى أمير مصر يعملون أن الدرع قد وصلت غاية المعهود عندهم وأنهم قد أخذوا بقسطهم من الشرب فحينئذ يأمر بكسر الأسداد التى على أفواه قرص المشارب فيفيض الماء على أرض مصر دفعة واحدة.
ومنها أن جميع تلك المشارب تسد عند ابتداء صعود النيل بالخشب والتراب ليجتمع ما يسيل من المياه العذبة في النيل ويكثر فيهم بجميع أرضهم ويمنع بجملة دخول الماء الملح عليه فلو كان سيلا ما احتاج إلي ذلك ولفتحت له أفواه قرص المشارب عند ابتداء ظهوره.
ومنها أن الخلجان إذا سدت ولم يكن لها وادع من البحر، كان السيل يمد من جنبه إلي البحر إذا أسفل النيل وانتفع واخفض من أعلاه.
ومنها أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا فى خلف رشيد وتنيس ودمياط كما يفعل في سائر الأودية التي يدخلها المد والجزر فلو كان النيل خاليا من الماء العذب وصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع، لأن الماء يطلب بطبعه ما إنخفض من الأرض وأن يكون صفحته كرة مستوية الخطوط الخارجة من النقطة إلى المحيط خطوطا متساوية. ومنها أنها إذا فتحت تلك الأسداد وكسرت الخلجان وفاض ماء النيل على أرض مصر شعر بذلك أهل أسوان،
[ ٧٧ ]
وقالوا: في هذه الساعة كسر الخليج بمصر وفاض ماء النيل على أرض مصر لأن ذلك يتبين لهم بجزر الماء دفعة فلو كان سبيلا وهم على أعلا المصب، لقالوا: قد أرتفع المطر عن الأرض التي تسيل منها السيل ومنها أن القسمة الذى يمر ببلاد الحبشة المنبعث وأياه من جبل القمر لا يفيض كمدة فيض النيل ثلاثة أشهر ولا يقيم على وجه الأرض مدة مقامه لكنه إذا كثر فيه السيل غمر جوانبه على قدر انبساطها فإذا قضيت مادته أردع عليه فلو كان فيض النيل عن السيل وهما من شعب واحد لكان شأنهما واحدا.
ولا نقول أن سبب فيض النيل البحر فقط إذ لولا كونه سيل ماء لما دخل ردع البحر إليه ولكان شاطيء ديار مصر كسائر السواحل المجاورة ولولا السيل السائل فيه لردمه البحر إذ عادة البحر ردم السواحل، وإنما دخل الشك علي أهل مصر أمر النيل لأنهم لم يشاهدوا منشأه، ولا عاينوا مبدأ من جبل القمر في موضع لا ساكن ولم تحققوا المد السنوى الرادع فلم يتحققوا شيئا من أمره لأنه بعيد من أذهان العامة أن يعلموا أن ماء البحر يعظم فى أيام الصيف لأن المعهود عندهم في البحر أن يعظم فى أيام الشتاء وطموا البحر في الشتاء إنما يكون عن الرياح الهابة عليه من أحد جانبيه، فقبض ويخرج إلى الجانب الآخر إلا ما كان من البحر المحيط فإنه يتحرك أبدا من دواخل البحر إلى البر، وهو أن المحيط يطلب بطبعه أن تكون على وجه الأرض لست بسيطة فهى تمانعه بما فيها من التركيب فهو يطلب أبدا أن يعلوها ويركبها ببردها.
ومن ناظر النيل علم أن سيلا سأل فيه ولا بد، فإنه لا يزال أيام الشتاء وأوائل فصل الربيع ماؤه صافيا من الكدرة، فإذا قربت أيام زياته وكان فى غاية نقصه تغير طعمه ومال لونه إلى الخضرة، وصار بحيث إذا وضع فى أناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب. وسبب ذلك أن البطيحة التى فى أعالى الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتي يتغير ماؤها، فإذا كثرت أمطار (^١) الجنوب في فصل الصيف وعظمت السيول الهابطة في هذه البطيحة، فاض منها ما تغير من الماء، وجرى إلى أرض مصر، فيقال عند ذلك وتوحم النيل.
ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغير ويزداد عكره بزيادة الماء، فإذا وضع فيه أيام الزيادة متى في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيام الزيادة، وهذا الطين هو الذى
_________________
(١) وردت في الأصل «أمطه» والصواب فى المتن.
[ ٧٨ ]
تحمله السيول التي تنصب في النيل حتى تكون زيادته منها. وفيه يكون الزرع بعد هبوط والإ فأرض مصر سبخة لا تنبت ولا ينبت منها إلا ما مر عليه. قال: والسبب فى عظم المد والجزر كثرة الأشعة فإذا زاحمت الشمس والقمر والكواكب السيارة عظيم فيض البحر، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السيارة ارتفع البخار وصعد إلى كورة (^١) الزمهرير، ونزل المطر. فإذا فارق القمر الكواكب ارتفع المطر لكثرة التحليل، كما يكون فى نصف النهار عند توسط الشمس لرؤوس الخلق، وكما يكون عند حلول الكواكب الكثيرة على وسط خط أرين … والله أعلم ..
قال بعضهم: الذى تحصل من هذا القول أن النيل مخرجه من جبل القمر، وأن زيادته إنما هى من فيض البحر عند المد.
فأما كون مخرجه من جبل القمر فمسلم إذ لا نزاع في ذلك. وأما كون زيادته لا تكون إلا من درع البحر له، بما حصل فيه من المد، فليس كذلك. نعم توالى هبوب الرياح الشمالية مغنية على وفور الزيادة وردع البحر له إعانة علي الزيادة ماء النيل وركد منه هذا الطين.
وقوله «أن السيل يكون فى غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر، فيصل السيل ويمر نحو البحر فلا يردعه رادع» غير مسلم فإن العادة أن السيول التى عليها زيادة ماء النيل لا يكون إلا عن غزارة مآد الأمطار ببلاد الجنوب، لا يكون إلا في أيام الصيف، ولم يعهد قط زيادة النيل فى الشتاء.
وأول دليل على أن كون زيادته عن سيل يسيل فيه إنما يزيد بتدرج على قدر ما يهبط فيه من السيول. واما استدلاله يصب النيل في أسوان واتساعه أسفل الأرض، فإنما ذلك يصب من علوى فتخرج بين جبلين يقال لهما الجنادل وينبطح في أراضى (^٢) حتي يصب في البحر
فاتساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الأنبساط.
وأما قوله «أن الأسداد إذا كثرت (^٣) فاض الماء على الأرض دفعة» فليس كذلك، بل
_________________
(١) وردت فى الأصل «كرة» والصواب فى المتن.
(٢) وردت عند المقريزى «الأرض» وهى قريبة من الصواب.
(٣) وردت في الأصل «كسر» والصواب في المتن.
[ ٧٩ ]
يصير الماء عند كسر كل سد من الأسداد في كل خليج، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلي ما علي جانيبه من الأراضى حتي تروى، فمن تلك الأرض ما يروي سريعا، ومنها ما يروى بعد أيام. ومنها ما يروى لعلوه.
وأما قوله «أن جميع تلك المشارب تسند عند إبتداء صعود النيل، ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل ويكثر، فيعم جميع أرضهم وليمنع بجملته دخول الماء المالح عليه». فغير مسلم أن تكون السداد كما ذكرنا بل أراضى مصر أقسام كثيرة، منها عال لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة، ومنها منخفض يروى من يسير الزيادة، والأراضى متفاوته في الأرتفاع والإنخفاض تفاوتا كثيرا، ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر التروع وفي أسفل الأرض إلي عمل الجسور حتى تحبس الماء ليتصرف فيه أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج وإلا فهو يزيد أولا في غير وقت سقي الأراضى، حتي إذا اجتمع من زيادته المقدار الذى هو كفاية الأراضى فى وقت خلو الأرض من الغلال - وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح حينئذ الخليج حتى يجرى فيه الماء إلى حد معلوم، ووقف حتي يروي ما تحت ذلك الحد الذي وقف عنده الماء من الأراضى، ثم فتح ذلك الحد في يووم النيروز (^١) حتي يجري الماء إلي آخر يقف عنده حتي يروي ما تحت هذا الحد الثانى من الأراضي، ثم يفتح هذا الحد في يوم عيد الصليب بعد النيروز بسبعة عشر يوما حتى يجرى الماء، ويقف علي حد ثالث حتي يروي ما تحت هذا الحد من الأراضى، ويصيب في بحر المالح … هذا هو الحال في سدود وأراضى مصر.
وقول «أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في رشيد وتنيس ودمياط، فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع» فيقول: هذا قول من لم يعرف أرض مصر، فإن النيل عندهم مصبه بأعمال أسوان يكون أعلا منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل فيما بين دمياط وفارسكور. وأما في أيام زيادة. النيل فإنه شوهد مصب النيل في البحر من دمياط، وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه، حتى صارا متمانعين وفي منظرهما حينئذ عبرة لمن اعتبر.
_________________
(١) أحد أعياد الفرس المشهورة.
[ ٨٠ ]
وقوله «أن الأسداد إذا فتحت علم أهل أسوان بذلك في الحال» غير مسلم، بل لم نزل نشاهد النيل في الأعوام الكثيرة إذا فتح منه خليج أو انقطع مقطع فأغرق ماؤه أراضى كثيرة، لا يظهر النقص منه إلا فيما قرب من ذلك الموضع، وأما ما برح المفرد يخرج من قوص ببشارة وفاء النيل، وقد أوفي عندهم ستة عشر ذراعا، فلا يوفى ذلك بمقياس بمصر إلا بعد ثلاثة أيام أو نحوها.
وأما قوله «أن ما كان من النيل يمر ببلاد الحبشة بخالفه» فليس كذلك، بل الزيادة في أيام زيادته تكون ببلاد النوبة وما وراءها في الجنوب كما تكون في أرض مصر، ولا فرق بينهما إلا في شيئين: أحدهما أنه في أرض مصر يجرى في حدود وهناك يتبدد على الأرض. والثانى أن زيادة تعتبر بالقياس في أرض مصر وهناك لا يمكن قياسه لتبدده ومن عرف أخبار مصر علم أن زيادة ماء النيل تكون عن أمطار الجنوب.
ويقال: أن النيل ينصب من عشرة أنهار من جبل القمر المتقدم ذكره، كل خمسة أنهار من شعبة، ثم تتبحر تلك الأنهار العشرة في بحريين، كل خمسة أنهار تبحر بحيرة بذاتها، ثم يخرج من البحيرة الشرقية بحر لطيف يأخذ شرقا علي جبل فأقول، ويمتد إلي مدن هناك ثم يصب في البحر الهندى ويخرج من البحيرتين زيضا ستة أنهار [من كل بحيرة ثلاثة أنهار] (^١).
وتجتمع الأنهار الستة في بحيرة متسعة تسمى البطيحة، وفيها جبل يفرق الماء نصفين يخرج أحدهما من غربي البطيحة وهو نيل السودان، ويصير نهرا يسمى بحر الدمادم، يأخذ مغربا ما بين سمغرة وغانة على جنوبي سمغرة وشمالي غانة، ثم ينعطف هنا منه فرقة ترجع جنوبا إلي غانة ثم تمر على مدينة برنسة، ويأخذ تحت جبل في جنوبها خارج خط الأستواء إلى زفيلة ثم تتبحر في بحيرة هناك، وتستمر الفرقة الثانية مغربة إلى بلد مالي والتكرور حتي تنصب في البحر المحيط شمالي مدينة قلبتبو ويخرج النصف متشاملا آخذا علي الشمال إلي شرقي مدينة جيمى ثم تتشعب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرته [بكسر السين والحاء] ثم ترجع جنوبا ثم تعطف شرقا بجنوب إلي مدينة سحرته ثم إلي مدينة مركة، وينتهي إلي خط الاستواء حيث الطول خمس وستون درجة وتتبخر هناك بحيرة ويستمر
_________________
(١) وردت على هامش المخطوطة.
[ ٨١ ]
عمود النيل من قبالة تلك الشعبة شرقى مدينة شيمى متشاملا أخذا على أطراف بلاد الحبشة، ثم يشامل علي بلاد السودان إلي [مدينة] (^١) دنقلة حتى يرمى على الجنادل إلي أسوان، وبنحدر وهو يشق بلاد الصعيد إلي مدينة فسطاط مصر، ويمر حتي يصب في البحر الشامى.
وقد استفيض ببلاد السودان أن النيل في أصله ينحدر من جبال سوديين على بعد كأن عليها الغمام ثم يتفرق نهرين يصب أحدهما في البحر المحيط إلي جهة بحر الظلمة الجنوبي، الآخر يصل إلي مصر حتي يصب في البحر الشامى ويقال أنه في الخبوب يتفرق سبعة أنهار تدخل فى صحراء منقطعة ثم، تجتمع الأنهار السبعة ويخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا في بلاد السودان.
***