قال الشيخ علاء الدين الوادعى:
إنظر إلى البحر الذى … بيد النسيم تجعدا
قد صيرته مبردا … فلاجل ذا تجلو الصدا
وقال الشيخ شهاب الدين المنصورى من أبيات:
كأنه والصبا مسبحا تجعده … من نسيج داود فى الهيجا إسرائيل
كأن أمواجه والريح تنشرها … صوارم بطباها المحل مقتول
كأنما الشط والأمواج تلطمه … دف لها وحرير الماء موصول
وله أيضا:
قالت لنا والبحر من تحتنا … والموج فى أرجايه يلعب
ما أطيب النيل لو راده … قلت لها تصخيفة أطيب
[ ١٠٥ ]
وقال آخر أيضا:
مررت بشط النيل والماء مولع … بلثم ثناياه يبوس ويصدر
فخلت فضول الموج فى الشط بردة … بحاشيية يضاء تطوى وتنشر
وقال بعضهم:
شربنا على النيل لما بد … ايزيد بموج ولا ينقص
كأن تكاثف أمواجه … معاطف جارية ترقص
وقال آخر:
وزاجر ليس له صوله … إلا إذا ما هبت الريح
هو إذا ما سكنت ساكن … كأنما الريح له روح
قال ابن قلاقس (^١):
انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة … وانظر لما بعدها من حمرة الشفق
غابت وألقت شعاعا منه يخلفها … كأنما احترقت بالماء فى الغرق
وللهلال فها وافى لينقدها … فى أثرها زورق قد صنع من ورق
وقال بعضهم:
(¬*)
لله يومى بنهر قد مررت … فأبصرت منه عينى منظرا عجبا
كأنه شقة من فضة نسجت … وراحت الشمس فيها ترقم الذهبا
_________________
(١) هو نصر بن عبد الله بن عبد القوى اللخمى أبو الفتوح الأعز المعروف بابن قلاقس الإسكندرى الأزهرى شاعر نيل، من كبار الكتاب ولد سنة ٥٣٢ هـ/ ١١٣٨ م، ومات سنة ٥٦٧ هـ ١١٧٢. (¬*) وردت هذه الأبيات على هامش المخطوطة.
[ ١٠٦ ]
(¬**) وفي معناه نثرا:
انظر إلى البحر ترى فيه قبيل المغرب، صغا من فضة قد موهت بالذهب.
وقال القاضى الفاضل عبد الرحيم (^١):
وأما النيل فقد ملأ البقاع … وانتقل من الأصبع إلى الذراع
فكأنما غار على الأرض فغطاها … وأغار عليها فاستعدها وما تخطاها
ولم يوجد بمصر قاطع سواه … ولا مرغوب مرهوب إلا إياه
ونيل مصر مخالف فى جريه لغالب الأنهار، فإنه يجرى من الجنوب إلى الشمال وغيره ليس كذلك» إلا نهران فإنهما يجريان كما يجرى النيل وهما نهر مهران بالسند ونهر الأريط وهو الذى يعرف اليوم نهر العاصى فى حماة إحدى مدائن الشام.
وقد عاب ماء النيل قوم قال ابن وحشية (^٢) فى كتاب «الفلاحة النبطية»: وأما ماء النيل من جبال وراء بلاد السودان من جبل القمر. وحلاوته وزيادته يدلان على موقعه من الشمس وأنها قد أحترقته لأكل الاحراق، بل استغنته إسخافا طويلا. لينا، لا يزعجه الحرارة ولا تقوى عليه بحيث تبدد أجزاءه الرطبة وتبقى أجزاءه الراسخة، بل يعتدل عليه، فصار ماؤه لذلك حلوا جدا، وصار كثرة شربه يعفن البدن ويكثر من الدماميل والقروح، وصار أهل مصر الشاربون منه دمويين محتاجين إلى استفراغ الدم عن أبدانهم فى كل مدة قصيرة.
فمن كان عالما منهم بالطبيعة فهو يحسن مداواة نفسه حتى يدفع عن جسمه ضرر ماء النيل وإلا فهو يقع فيما ذكرنا من العفونات وإنتشار البثر والدماميل وذلك أن هذا الماء ناقص البرد عن سائر المياه فصار إذا خالط الطعام فى الأبدان كثر فيها الفضول الردية فيحدث من
_________________
(١) (¬**) وردت هذه العبارات على هامش المخطوطة.
(٢) وردت هذه العبارات [الأبيات] على هامش المخطوطة.
(٣) له ذكر عند المقريزى فى الخطط.
[ ١٠٧ ]
ذلك ما ذكرناه، ودواء أهل مصر الذى يدفع عنهم ضرر ماء النيل إدمان شرب ماء الليمون والنارنج، وكثرت الخل وأخذ الأدوية المعتدلة ولو زادت حرارة الشمس على ماء النيل وطال طبخها له لصار مالحا بمنزلة ماد البخار الراكدة التى لا حركة لها إلا وقت جزر البحر، عند هبوب الرياح، وهو أوفق للزرع والمنابت من الحيوان.
***