دراسة المصادر التاريخية للمرحلة الواقعة بين ٦٢٨ - ٦٥٩ هـ / ١٢٣٠ - ١٢٦١ م.
التي اعتمد عليها ابن دقماق أو أشار إليها في نزهة الأنام والتي لم يشر إليها (مقارنة وتحليل)
تتنوع المصادر التي أشار اليها ابن دقماق في مؤلفه، بين مصادر تعتمد على كتب الطبقات. وكتب التاريخ العام التي تتميز بالسرد التاريخي لحوادث السنين وتجمع ما بين ذكر لحوادث وتراجم لوفيات، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه مؤرخنا ابن دقماق في مصنفه نزهة الأنام.
ومن خلال استعراضنا المؤرخين الذين نقل عنهم ابن دقماق في نزهة الأنام نجد أنه اعتمد كثيرا على سبط ابن الجوزي وعلى شمس الدين بن خلكان وصلاح الدين الصفدي بالنسبة لأخذه عنهم تراجم الأعلام. وبنسبة أقل تكاد تكون حالات فردية، اعتمد على شهاب الدين أبو شامة وشمس الدين الذهبي ومحيي الدين ابن عبد الظاهر والكمال ابن العديم ومحب الدين ابن النجار وعز الدين ابن شداد في نقله لبقية الحوادث والتراجم.
أما بالنسبة لذكره للحوادث التاريخية فالمصدر الوحيد الذي يطلعنا عليه في نقله للأحداث هو ابو المظفر سبط ابن الجوزي، وهذا الأمر ليس يعني بالضرورة أن ابن دقماق قد اعتمد فقط على هذه المصادر التي أشار اليها، لأنه في كثير من الأحيان لا يشير الى مصادر النقل التي اعتمدها في مصنفه. وحتى تلك الاشارات التي أشار اليها ابن دقماق لمصادره لم تكن صريحة العبارة، تشير إلى أنه نقل عنها مباشرة، بل كانت كلها إشارات غير مباشرة ذكرها ابن دقماق في تراجمه وأخباره بعبارات لا يستدل منها أنه نقلها من مصدر ما. فبدلا من أن يشير مباشرة الى مصادر نقله مثلا بعبارة: نقلت عن شمس الدين ابن خلكان أو سبط ابن
[ ٢٩ ]
الجوزي أو غيرهما، نجده يستشهد في سياق الخبر أو الترجمة بأقوالهم بعبارة: قال شمس الدين ابن خلكان أو ذكر أبو المظفر ابن الجوزي وهكذا.
وهذا الكلام يسوقنا الى الحديث عن أسلوب ابن دقماق في نقله عن المصادر، وهو أسلوب تنوع فيه في النقل عن المصادر ما بين النقل الحرفي أو التلخيص بعبارة الأصل أو بعبارته أو التداخل في النقل بين المصادر المختلفة المعنية بالحدث أو الشخصية المترجم لها في موضوع واحد، مما يعرف بالجمع التأليفي، ثم إنه في أغلب الأحيان لا يشير الى مصادر النقل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فيترك للمحقق المتفحص عناء اكتشاف ذلك بنفسه.
ونظرا لكثرة الأمثلة على ذلك، فإننا سوف نذكر بعضا منها لنشير الى أسلوب المؤلف وطريقة نقله عن المصادر المختلفة وهي تقسم الى نوعين هما:
اولا - المصادر التي أخذ عنها ابن دقماق أو أشار اليها بطريقة غير مباشرة مثال ذلك في ترجمته لشهاب الدين ابن الشواء. لقد نقل ابن دقماق ترجمته عن ابن خلكان، ولم يشر بصراحة الى ذلك، بل اكتفى بذكره حين أشار الى ذكر له في آخر الترجمة بعبارة: «فمن نظمه ما ذكره الشيخ شمس الدين ابن خلكان» (١).
وكذلك في ذكره لترجمة عبد العزيز المصري رئيس الأطباء بمصر، فإنه أيضا نقل ترجمته حرفيا عن صلاح الدين الصفدي من دون أن يشير الى ذلك مباشرة بل اكتفى بعبارة: قال صلاح الدين الصفدي (٢). وأيضا بالنسبة لذكر الواقعة التي جرت بين الخوارزمية والفرنج في سنة ٦٤٢ هـ / ١٢٤٤ م، فإن ابن دقماق ينقل بتصرف هذا الخبر عن ابن الجوزي، ويكتفي فقط بذكر عبارة له قالها ابن الجوزي يوم كان بالقدس في سياق تلك الفترة الزمنية (٣).
ومثال آخر عن ترجمة الشيخ تاج الدين ابن حموية، حيث نجد أن ابن دقماق ينقل ترجمته بتصرف عن ابن الجوزي ويشير فقط الى عبارة له في سياق الترجمة كان فيها ابن الجوزي ملازما للمترجم له ويعرفه عن قرب (٤).
_________________
(١) أنظر المخطوط الورقة (٣١ أ).
(٢) أنظر المخطوط الورقة (٣٣ ب).
(٣) أنظر المخطوط الورقة (٥٧ ب).
(٤) أنظر المخطوط الورقة (٦٠ أ).
[ ٣٠ ]
ثانيا - المصادر التي أخذ عنها ابن دقماق والتي لم يشر اليها تتعدد هذه المصادر وتتنوع، فمنها ما هو معاصر للأحداث التي ذكرها ابن دقماق في مصنفه، ومنها ما هو غير معاصر ولكنه يغطي الحقبة التاريخية التي تكلم عنها مؤرخنا وهي الفترة الأيوبية.
فمن المصادر الأيوبية التي ربما نقل عنها ابن دقماق ولم يشر اليها على الاطلاق، ابن العميد (١) (٦٠٢ - ٦٧٢ هـ / ١٢٠٥ - ١٢٧٣ م)، ومما جعلني أعتقد أنه نقل عنه هو تشابه العبارة عند ابن دقماق مع ما جاء عند ابن العميد، ورغم ذلك لم أجزم بالأمر بل علقت بالحواشي على كل خبر جاء مشابها للنص مع ابن العميد بعبارة: تشابه بالإيراد، أو قارن ما جاء عند ابن العميد.
وكذلك بالنسبة للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ / ١٤٤١ م)، الذي عاصر مؤرخنا ابن دقماق بل إنه كان ملازما له في بعض الأحيان، فإن كثيرا من التشابه في العبارة والمضمون نجده واضحا وجليا في كثير من الأحيان عند ابن دقماق مع ما جاء عند المقريزي في السلوك، وأشرنا اليه في حينه في الحواشي بعبارة: تشابه بالعبارة أو الإيراد أو قارن ذلك الخبر في السلوك.