وفيها مات السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو ملك الروم، كان ملكا عظيما ملك الروم بأجمعه (٧)، وكان مهابا حازما عادلا حسن العقيدة كثير الخير، مقبلا على من يقصده لين الجانب لرعيته، وتسلطن بعده ولده السلطان غياث الدين وحلفت له الأمراء وأكابر الدولة واستمر أمره. (٢٨ أ) وفيها دخلوا (٨) التتار أطراف بلاد الروم وقتلوا بها خلقا (٩) كثيرا
_________________
(١) في الأصل: خبره المستقرة، التصويب من ابن العميد في المصدر السابق.
(٢) السّواد: ناحية قرب البلقاء سميت بذلك لسواد حجارتها، معجم البلدان ٣/ ١٧٤.
(٣) جمادى الآخر عند ابن العميد في: B .E .O،T .XV .P .١٤٣
(٤) هو الملك المجاهد أسد الدين شيركوه الحفيد ورد ذكره سابقا.
(٥) سيف الدين علي بن قليج عند ابن العميد في المصدر السابق. أما ابن واصل فيرسم اسمه بابن قليج وهو أحد أمراء حلب. مفرج الكروب ٥/ ١٧١.
(٦) حول هذا العفو هناك تشابه في الإيراد مع ابن العميد في المصدر السابق وأيضا في السلوك ج ١ ق ١، ص ٢٩٩ ما يشبه ذلك اما ابن واصل وأبو الفداء فيشيران الى عدم عفو الكامل عن الملك المجاهد صاحب حمص، قارن في مفرج الكروب ٥/ ١٥٣، والمختصر ٣/ ١٦١.
(٧) سبق وأورد ابن دقماق ترجمته في سياق أحداث سنة ٦٣٤ هـ ويبدو انه وقع في خطأ التكرار.
(٨) كذا في الأصل والصواب دخل.
(٩) في الأصل: خلق.
[ ٩٦ ]
وأخربوا وأخذوا أموالا عظيمة (١).
وفيها مات السلطان الكامل (٢)، محمد بن السلطان الملك العادل، أبو بكر بن أيوب صاحب البلاد المصرية والشامية والشرق واليمن، في آخر نهار الأربعاء حادي عشري (٣) رجب من هذه السنة بقلعة دمشق، ودفن باكر النهار، ولم يبلغ قصده من حلب وحماة، وكان مدة ملكه عشرين سنة وخمسة وأربعين يوما. وكان ملكا مهابا حازما شجاعا فصيحا أديبا محبا للعلم والعلماء، يحضر مجلسه في كل ليلة جمعه جماعة من الفقهاء والعلماء ويتحدث معهم ويشاركهم في فنونهم، وكان كثير السياسة حسن التدبير، وكانت الأعمال في أيامه آمنة والطرق آمنة، لا يخاف تاجر على ماله، لكنه محب لجمع المال، وله شعر فمنه قوله: [البسيط]
إذا تحققتم ما عند عبدكم (٤) من الغرام فذاك القدر يكفيه
أنتم سكنتم بقلبي وهو منزلكم وصاحب البيت أدرى بالذي فيه
وكان ولده الملك العادل أبو بكر نائبه بالديار المصرية، وكان الكامل يباشر أكثر أموره، بنفسه بعد وفاة الصاحب صفي الدين ابن شكر، وكان يحضر الدواوين قدامه ويحاسبهم.
وفيها تولى مصر السابع من بني أيوب، وهو السلطان الملك العادل أبو بكر ابن السلطان الملك الكامل محمد، ملك بعد وفاة والده باتفاق من يذكر من الأمراء وهم: الأمير سيف (٥) الدين علي بن قليج (٢٨ ب) والأمير عماد الدين ابن الشيخ (٦)، وجماعة من الأمراء الأكابر (٧) تجمعوا في قلعة دمشق وتحالفوا جميعا واستحلفوا العساكر والأمراء المصرية والشامية للسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وذلك في يوم الخميس ثاني عشري رجب (٨) وكان العادل بمصر.
_________________
(١) عند ابن العميد في المصدر السابق ما يشبه ذلك.
(٢) راجع ترجمته في مفرج الكروب ٥/ ١٥٣ - ١٧١، مرآة الزمان ٨/ ٧٠٥، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٢٧ - ٢٤٤، وفيات الأعيان ٥/ ٧٩، الوافي ١/ ١٩٣ وشفاء القلوب ص ٢٩٩.
(٣) كذا في الأصل والصواب الحادي والعشرين من رجب.
(٤) صاحبكم في السلوك ج ١ ق ١ ص ٣٠١.
(٥) في الأصل: علاء الدين، التصويب من مرآة الزمان ٨/ ٧٠٧ ومفرج الكروب ٥/ ١٧١.
(٦) الشيخ صدر الدين بن حموية في مفرج الكروب ٥/ ١٦٩.
(٧) يذكر ابن الجوزي أنّ من بين هؤلاء الأمراء عز الدين أيبك والركن الهيجاوي وعماد الدين وفخر الدين أبنا الشيخ، مرآة الزمان ٨/ ٧٠٧.
(٨) كذا في الأصل والصواب الثاني والعشرين من رجب.
[ ٩٧ ]
وفيها اجتمعت أراء الأمراء المذكورين على ترتيب الملك الجواد مظفر الدين يونس ابن ممدود (١) نائب السلطنة بدمشق والشام، واتفق رأيهم على إخراج الناصر داوود من دمشق بحكم أنه حضر اليها صحبة السلطان الملك الكامل، على أنّ السلطان إذا ملكها يملكه إيّاها، فلمّا مات السلطان اتفقوا (٢) الأمراء على خلاف ذلك وأخرجوا الناصر من دمشق خوفا من وقوع فتنة (٣)، فأرسلوه الى الكرك (٤) وصحبته جماعة مقدمهم الأمير نور الدين علي بن الأمير فخر الدين عثمان استادار (٥) صاحب المدرسة التي بسويقة للصاحب (٦) داخل القاهرة.
فلما خرج الناصر داوود وتوجهوا (٧) الى الكرك وتملك الجواد دمشق، توجهوا (٨) الأمراء المصريين الى الديار المصرية، ولما وصلوا قرب الديار المصرية ركب العادل وتلقاهم بمن عنده من الأمراء والعساكر والتقى الواردين وأكرم ملتقاهم، وأرسل الى بيوتهم بعد نزولهم الأموال والخلع والخيل ثم حضروا بعد ذلك الى خدمته وجددوا الإيمان والعهود، واستمر له الأمر فلما تمكن بدأ في إبعاد أمراء دولته عنه، وقطع رواتب أرباب الدولة وما بقي يقرّب أحدا من الأمراء الأكابر إلا من أنشأهم. عند ذلك (٢٩ أ) تفرقت قلوب الأمراء الكبار والصغار منه، وأقبل هو على شرب الخمر واللهو والفساد (٩).
وفيها لما سار الناصر الى الكرك، جمع عساكره وسار من عجلون الى غزة وملك الساحل، فخرج اليه الجواد في عسكر الشام وقال للأشرفيه كاتبوه وأطمعوه فكاتبوه واغتر بهم
_________________
(١) أغلب المصادر الأيوبية ترسم اسمه ب مودود.
(٢) كذا في الأصل والصواب: إتفق.
(٣) يذكر ابن العميد ان سبب اتفاق الأمراء على إخراج الملك الناصر داوود من دمشق كان خوفا من أن يستولي هو نفسه على البلاد، أنظر في: B .E .O،T .XV،P .١٤٥ وأنظر أيضا ذلك في: مرآة الزمان ٨/ ٧٠٧ ومفرج الكروب ٥/ ١٧٢ والسلوك ج ١ ق ١ ص ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٤) الكرك: كلمة أعجمية وهي اسم لقلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها، بين آيلة وبحر القلزم والبيت المقدس، معجم البلدان ٤/ ٣١٢.
(٥) الأستادارية: موضوعها التحدث في أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان وهو الذي يمشي بطلب السلطان ويحكم بغلمانه وباب داره، صبح الأعشى ٤/ ٢٠.
(٦) هي المدرسة الصاحبية بالقاهرة في سويقه الصاحب نسبه للوزير الصاحب صفي الدين ابن شكر الدميري، أنشأها في سنة ٦١٨ هـ وجعلها وقفا على المالكية، راجع خطط المقريزي ٢/ ٣٧١.
(٧) كذا في الأصل والصواب توجه.
(٨) كذا في الأصل والصواب توجه، حول توجه الأمراء المصريين الى الديار المصرية يشير ابن واصل الى عدم توجه كافة الأمراء الى مصر بل بقي بالشام بعض الأمراء لحفظ البلد، أنظر مفرج الكروب ٥/ ١٧٣.
(٩) تشابه في الايراد مع المقريزي في السلوك ج ١ ق ٢ ص ٢٦٨ وفي أخبار الايوبيين ما يشبه ذلك، أنظر ابن العميد في المصدر السابق.
[ ٩٨ ]
وساق من غزة في سبعمائة فارس الى نابلس بأثقاله وخزائنه وأمواله، وكانوا على سبعمائة جمل، ونزل العساكر منقطعة خلفه وضرب دهليزه على صبصطية (١) والجواد على جينين (٢)، فساقوا إليه وأحاطوا به، فساق في نفر يسير نحو نابلس وترك الخزائن فأخذوا الجميع وما فيها من جواهر وأموال واستغنوا وافتقر الناصر وسار الى الكرك، ورجع الجواد الى دمشق وفتح الخزائن وفرّق المال (٣).
قال أبو المظفر (٤): فبلغني انه فرق ستمائة ألف دينار وخلع خمسة آلاف خلعة وأبطل المكوس والخمور ونفى الخواطئ.
وفيها لما تحقق الناصر داوود ما عليه الملك العادل من اللعب وتأخر الأمراء عنه والتهاه (٥) بما هو فيه، حدثته نفسه بملك مصر وأنه إذا حضر، مالوا (٦) الامراء اليه، فقصد مصر وصحبته هدايا وتقادم يصلحوا (٧) للسلطان، مثل جوار جنكيات (٨) وعوديات ورواقص وأواني مشروب، فلما وصل الناصر خرج إليه العادل والتقاه أحسن ملتقى ورتب له جميع ما يحتاج إليه، ثم أنه أحضر إلى العادل ما كان أحضره بسببه فأعجبه، وعوضه عنه عشرة أمثاله (٩). وكان الناصر مظهرا أنّه ملازم (٢٩ ب) خدمته ولا يفارق بابه ويعمل قدامه حاجبا أو استادارا أو دوادار (١٠)، وكان يتدخل عنده بكل خدمة، وأنّه أوهم السلطان الملك العادل من الأمير فخر الدين ابن الشيخ، أنّه قد اتفق مع الملك المعز مجير الدين [يعقوب] (١١) عمه وقد استمال إليه جماعة من الأمراء، وأشار على السلطان بالقبض عليه وإخراج الملك المجير من الديار المصرية فقبل منه وقبض على الأمير فخر الدين ابن الشيخ واعتقله بقلعة
_________________
(١) صبصطية: من أعمال نابلس، أنظر ابن العميد في. B .E .O،T .XV،P .١٤٥:
(٢) جينين: بليدة حسنة بين نابلس وبيسان من أرض الأردن بها عيون ومياه. معجم البلدان ٢/ ١٨٠.
(٣) حول هذه الواقعة انظر مرآة الزمان ٨/ ٧٠٨، مفرج الكروب ٥/ ١٩٢ السلوك ج ١ ق ٢ ص ٢٧٣.
(٤) أنظر مرآة الزمان ص ٧٠٨.
(٥) كذا في الأصل والصواب التهاؤه.
(٦) كذا في الأصل والصواب مال.
(٧) كذا في الأصل والصواب تصلح.
(٨) الجنكيات: الجواري اللائي يلعبن على الجنك وهو من آلات الطرب وأصل اللفظ فارسي معرب. السلوك ج ١ ق ٢ ص ٢٧٥ حاشية رقم (٣) وأيضا محيط المحيط ص ١٣٠.
(٩) في السلوك ج ١ ق ٢، ص ٢٧٥: وعوضه عنه بأمثاله.
(١٠) الدوادارية: وموضوعها تبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور وتقديم القصص اليه والمشاورة على من يحضر الى الباب الشريف وتقديم البريد، صبح الأعشى ٤/ ١٩.
(١١) التكملة من السلوك ج ١ ق ٢، ص ٢٧٦.
[ ٩٩ ]
الجبل وأخرج مجير الدين من الديار المصرية مع الملك الأمجد تقي الدين عباس أخوه (١). ثم ان الناصر داوود أوهم السلطان الملك العادل من الملك الجواد يونس نائبه بدمشق والشام وقال له: إن الأمراء اتفقوا على نيابته بدمشق وأنهم معه في الباطن، وكان من جملتهم الأمير عماد الدين ابن الشيخ، فبلغه ذلك فقال في نفسه: متى تهاونت رحت كما راح أخي، فحضر الى عند السلطان الملك العادل والتزم له أنه يحضر الجواد الى طاعته الى مصر، فأمره بالتوجه، فخرج عماد الدين من مصر لإحضار الجواد (٢).