(٣٩ ب) وفيها مات الملك المجاهد، أسد الدين شيركوه (٧)، ابن محمد بن شيركوه
_________________
(١) في ذيل الروضتين ص ١٦٩ - ١٧٠ ما يشبه ذلك.
(٢) في الأصل: أحد وعشرون.
(٣) في السلوك ج ١ ق ٢ ص ٢٩١ ما يشبه ذلك، أما في مفرج الكروب ٥/ ٢٤٧ فيذكر ابن واصل أن الملك الناصر داوود حاصر القلعة التي بناها الفرنج في القدس حتى تسلمها بالامان.
(٤) يذكر ابن واصل انه اتفق عند فتح بيت المقدس وصول محيي الدين الجوزي رسول الخليفة وصحبته جمال الدين بن مطروح، فقال جمال الدين يمدح الملك الناصر داوود ويذكر مضاهاته في فتح القدس لعمه الملك الناصر صلاح الدين يوسف يوسف مع اشتراكهما في اللقب والفضل. أنظر مفرج الكروب ٥/ ٢٤٧.
(٥) في الأصل: سايدا.
(٦) في الأصل: الشرك، التصويب كما ورد في السلوك ومفرج الكروب.
(٧) راجع ترجمته في مرآة الزمان ٨/ ٧٣١، ابن العميد في: B .E .O .T .XV .P .١٥١ ومفرج الكروب ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٦، النجوم الزاهرة ٦/ ٣١٦، دول الاسلام للذهبي ٢/ ١٤٣ وشفاء القلوب ص ٢٣١ - ٢٣٢، والعسجد المسبوك ص ٤٩٦ - ٤٩٧.
[ ١١٨ ]
ابن شادي ابن مروان. كان قد تولى مملكة حمص يوم وفاة والده يوم عيد الفطر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان مولده سنة تسع وستين وخمسمائة، ومات يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب من هذه السنة بحمص ودفن بتربته داخل البلد رحمه الله تعالى. وكان يحب جمع المال، وكان فيه عسف لرعيته، وجعل على التجار حقوقا محدثة، ومات في حبسه خلق كثير من الرجال، وكان شجاعا شهما، مقداما يباشر الحروب بنفسه. حفظ المسلمين من الفرنج والعرب، وبنى الأبراج على محايض العاصي ورتب فيها الرجال والطيور، وكان الفرنج إذا خرجوا أطلقوا الرجال الطيور، فيخرج بنفسه فيسبق الفرنج إلى المخاضة، فيقتل ويأسر وكذى كان يفعل بالعرب (١).
قال أهل التواريخ: كانت بلده مطهرة من الخمور والخواطئ والمكوس. وكانوا (٢) بنو أيوب يتقونه ويخافونه لأنه كان يرى أنه أحق بالملك منهم لأجل جده أسد الدين شيركوه وفتحه مصر. وكان الكامل قد استوحش منه واتهمه أنّه هو الذي أوقع بينه وبين الأشرف. وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص مدة ولايته (٣)، ولما تسلطن ولده الملك المنصور محمد ناصر الدين ابراهيم يوم وفاة والده، فلما استقر أمره مسك أخيه (٤) الملك المسعود واعتقله في مطمورة بقلعة تدمر وهرب (٤٠ أ) أخوه الآخر، وهو الملك الصالح نور الدين علي، الى الديار المصرية، واتفق الملك المنصور مع الملك الصالح اسماعيل صاحب دمشق وتحالفا على المعاضدة لبعضهم بعضا، وصارت كلمتهم واحدة (٥).
وفيها وصل السلطان الملك الناصر داوود لاستنجاز وعده له بدمشق فحمل اليه الملك الصالح نجم الدين أيوب المال، وهو أربعمائة ألف دينار، فسأله الناصر ان يجرد معه عساكر ليفتح دمشق فماطله السلطان ودافع به.
وفيها مات قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن الخليل ابن سعادة بن جعفر بن عيسى
_________________
(١) العرب من خفاجة وغيرهم الذين كانوا يقطعون الطريق على القوافل عند روابي العلمين، في مفرج الكروب ٥/ ٢٥٥.
(٢) كذا في الأصل، والصواب وكان.
(٣) في المصدر السابق ص ٢٥٦: منع النساء بحمص من أن يخرجن من باب المدينة خوفا أن يأخذ أهل البلد عيالاتهم ويهربوا.
(٤) كذا في الأصل والصواب أخاه.
(٥) عند ابن العميد في: B .E .O .T .XV .P .١٥١ ما يشبه ذلك.
[ ١١٩ ]
الخويّي (١) الشافعي بالمدرسة العادلية (٢)، ودفن من الغد بقاسيون، وكان مولده سنة اثنتين (٣) وثمانين وخمسمائة. كان ﵀ حسن الأخلاق، لطيفا كثير الإنصاف عالما فاضلا في علوم متعددة، محققا عفيفا متواضعا، كثير المداراة محببا الى الناس، وكانت جنازته حفلة وصنف التصانيف المفيدة. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٤): وكان عندي من تصانيفه عروض فعملت فيه شعرا منه: [الخفيف]
أحمد بن الخليل أرشده [الله] (٥) ¦ م ¦ لما أرشد الخليل بن أحمد
ذاك مستخرج العروض وهذا مظهر السرّ (٦) منه والعود أحمد
وتولى القضاء بعده رفيع الدين الجيلي (٧).
وفيها مات أبو البركات المبارك ابن أبي الفتح، أحمد بن المبارك موهوب بن عنيمة بن غالب اللخمي الملقب شرف الدين (٤٠) ابن المستوفي (٨) الإربلي. كان رئيسا جليل القدر كثير التواضع، واسع الكرم، لم يصل الى إربل أحد من الفضلاء إلا وبادر الى زيارته وحمل إليه ما يليق بحاله، وتقرب الى قلبه بكل طريق، وخصوصا أرباب الأدب كانت سوقهم لديه نافقة، وكان جم الفضائل عارفا بعدة فنون، منها: الحديث وعلومه وأسماء رجاله وجميع ما يتعلق به، وكان إماما فيه ماهرا في النحو واللغة والعروض والقوافي وعلم البيان وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها، وكذلك علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه على الأوضاع المعتبرة عندهم. جمع لإربل تاريخا (٩) في أربع (١٠) مجلدات وله كتاب «النظام في شرح
_________________
(١) نسبة الى مدينة خويّ، وهي إحدى مدن أذربيجان. اللباب ١/ ٤٧٢ وراجع ترجمته في: مرآة الزمان ٨/ ٧٣٠، ذيل الروضتين ص ١٦٩، العبر ٥/ ١٥٢، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٨، الوافي ٦/ ٣٧٥.
(٢) هي المدرسة العادلية الكبرى التي بناها الملك العادل أبو بكر أيوب داخل دمشق وفيها تربته، أنظر عنها النعيمي. الدارس ١/ ٣٥٩.
(٣) ثلاث، في طبقات الشافعية الكبرى والوافي.
(٤) قارن في ذيل الروضتين ص ١٦٩.
(٥) التكملة من المصدر السابق.
(٦) في الأصل: النشر، التصويب من المصدر السابق.
(٧) رفيع الدين عبد العزيز الجيلي الشافعي، في المصدر السابق.
(٨) راجع ترجمته في وفيات الأعيان ٤/ ١٤٧، الحوادث الجامعة ص ١٣٥، العبر ٥/ ١٥٥، الشذرات ٥/ ١٨٦، العسجد المسبوك ص ٤٩٥.
(٩) هو «نباهة البلد الخامل بمن ورده من الأماثل» والمعروف بتاريخ إربل نشر جزء منه بتحقيق سامي بن السيد خماس الصقار، منشورات وزارة الثقافة ببغداد ١٩٨٠ وفيه مصادر ترجمة ابن المستوفى الإربلي.
(١٠) كذا في الأصل والصواب أربعة.
[ ١٢٠ ]
المتنبي وأبي تمام» في عشر (١) مجلدات [وكتاب إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل في مجلدين] (٢) تكلم فيه عن الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في المفصّل، وله كتاب «سر الصنعة» وله كتاب سماه «أبا قماش» جمع فيه أدبا كثيرا ونوادر وغير ذلك. قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: سمعت منه كثيرا وسمعت بقراءته [على المشايخ الواردين على إربل شيئا] (٣) كثيرا، وله ديوان شعر أجاد فيه فمن شعره بيتان فضل فيهما البياض على السمرة وهما: [الكامل]
لا تخدعنّك سمرة غرّارة ما الحسن إلا للبياض وجنسه
فالرمح يقتل بعضه من غيره والسيف يقتل كلّه من نفسه
وقد أخذ هذا المعنى من قول أبي الندى، حسان ابن نمير الكلبي المعروف (٤١ أ) بعرقلة (٤) الدمشقي الشاعر: [البسيط]
إن كنت بالأسمر الزيتي مفتتنا فسل عن الأبيض الفضيّ بلبالي
إن كان في الرمح شبر قاتل أبدا ففي المهنّد شبر غير قتّال
ومن أشعار أبي البركات المذكور قوله: [الكامل]
يا ليلة حتى الصباح سهرتها قابلت فيها بدرها بأخيه
سمح الزمان بها فكانت ليلة عذب العتاب بها لمجتذبيه
أحييتها وأمتها عن حاسد ما همّه إلا الحديث يشيه
ومعانقي حلو الشمائل أهيف جمعت ملاحة كلّ شيء فيه
يختال معتدلا فأن عبث الصبا بقوامه متعرّضا يثنيه
نشوان تهجم بي عليه صبابتي ويردّني ورعي فاستحييه
علقت يدي بعذاره وبخدّه هذا أقبّله وذا أجنيه
_________________
(١) كذا في الأصل والصواب عشرة.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة على الأصل من وفيات الأعيان ٤/ ١٤٧.
(٣) التكملة من وفيات الأعيان ٤/ ١٤٧.
(٤) بالعرقلة الدمشقي في المصدر السابق وانظر ترجمته وأشعاره في الخريدة قسم الشام ١/ ١٧٨.
[ ١٢١ ]
لو لم تخالط زفرتي أنفاسه كانت تنمّ بنا الى واشيه
حسد الصباح الليل لما ضمّنا غيظا ففرق بيننا داعيه
وله، وكان يقول عملتها (١) في نومي: [المتقارب]
وبتنا جميعا وبات الغيور يعضّ يديه (٢) علينا حنق
نود غراما لو انّا نباع (٣) سواد الدجى بسواد الحدق
وانتقل الى الموصل، واستمر إلى أن مات يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة سبع (٤١ ب) وثلاثين، ومولده في نصف شوال أربع وستين وخمسمائة بقلعة إربل، وهو من بيت كبير بها.
وفيها مات أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد بن أبي طالب يحيى بن يحيى بن أبي الحسن علي بن الحجاج بن محمد بن الحجاج، المعروف بابن الدّبيثي (٤)، الفقيه الشافعي، المؤرخ الواسطي. سمع الحديث كثيرا وعلق التعاليق المفيدة، وكان له محفوظات حسنة كان يوردها ويستعملها في محاوراته، وكان في الحديث وأسماء رجاله والتواريخ من الحفاظ المشهورين، والنبلاء المذكورين. وصنف كتابا وجعله ذيلا على تاريخ أبي سعيد عبد الكريم ابن السمعاني الحافظ المقدم ذكره، المذيل على تاريخ بغداد (٥)، وذكر فيه ما لم يذكره السمعاني ممن أغفله، وهو في ثلاث (٦) مجلدات وصنف تاريخا لواسط، وصنف غير ذلك، وذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل وقال: ورد علينا في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة،
_________________
(١) وكان يقول: عملت في نومي بيتين. في وفيات الأعيان ٤/ ١٤٩.
(٢) في الأصل: جميعا. التصويب من المصدر السابق.
(٣) في الأصل: يباع، التصويب من المصدر السابق.
(٤) قارن ترجمته في وفيات الأعيان ٤/ ٣٩٤ التي من المرجح أن ابن دقماق أخذها حرفيا عنه وراجع ترجمته أيضا في: الوافي ٣/ ١٠٢، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٢٦، الحوادث الجامعة ص ١٣٥، العبر ٥/ ١٥٤، الشذرات ٥/ ١٨٥، تاريخ اربل ١/ ٩٤، وانظر مقدمة المختصر المحتاج اليه من تاريخ ابن الدبيثي - انتقاء محمد بن أحمد الذهبي - تحقيق الدكتور مصطفى جواد ٢/ ٣ - ١٧ ففيها دراسة وافية عن حياة ابن الدبيثي.
(٥) في وفيات الأعيان: «وصنف كتابا جعل ذيلا على تاريخ ابن سعد عبد الكريم ابن السمعاني الحافظ، المذيل على تاريخ بغداد للخطيب»، عن هذا الكتاب انظر مقدمة ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ج ١٦.
(٦) كذا في الأصل والصواب ثلاثة.
[ ١٢٢ ]
وهو شيخ حسن، وقال: أنشدني لنفسه (١): [الطويل]
خبرت بني الأيام طرا فلم أجد صديقا صدوقا (٢) مسعدا في النوائب
وأصفيتهم منّي الوداد فقابلوا صفاء ودادي بالقذى والشوائب
وما اخترت منهم صاحبا وارتضيته فأحمدته في فعله والعواقب
ولم يزل أبو عبد الله المذكور على اجتهاده وجمعه وتعليقه حتى مات. وكانت ولادته يوم الإثنين سادس عشري رجب الفرد سنة ثمان وخمسين (٤٢ أ) وخمسمائة بواسط ومات يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة ببغداد، ودفن بالوردية من الغد رحمه الله تعالى، والدّبيثي نسبه الى دبيثا، وهي قرية بنواحي واسط، وأصله من كنجة (٣) وقدم جده دبيثا وكان قد أحضر في آخر عمره.
وفيها مات الفقيه أبو المعالي محمد بن الفقيه أبو الفضل يوسف ابن الفقيه سعيد الدولة أبي محمد عبد المعطي بن منصور بن نجا المخيلي الأصل الإسكندراني المولد والدار المالكي العدل المنعوت بالتاج، كان توجه رسولا الى حمص فمات بها. تصدر بثغر الإسكندرية ودرّس بها وأفتى وتولى الوكالة السلطانية، وتنقل في الخدم بالديار المصرية وكان الكامل قبل خروجه من الديار المصرية ولاه نظر الدواوين، وبقي إلى أيام ولده الملك العادل، ومولده في سلخ ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالاسكندرية. ومخيل بضم الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون آخر الحروف بعدها لام، بليدة من أعمال برقة.
وفيها مات الشيخ أمين الدين أبو الغنايم، سالم (٤) ابن الشيخ الإمام الحافظ، محدث الشام بهاء الدين أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ ابن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصري الربعي التغلبي البلدي (٥) المحتد، الدمشقي الدار والوفاة والمولد، مولده في جمادى الآخره سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ومات في ثالب جمادى الآخر منها.
_________________
(١) في تاريخ إربل ١/ ١٩٥: أنشدني لنفسه في سابع عشر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
(٢) في الأصل: صفا ودادي، التصويب من تاريخ اربل ١/ ١٩٥ ووفيات الأعيان ٤/ ٣٩٤.
(٣) كنجة: مدينة عظيمة من نواحي لرستان بين خوزستان وأصبهان. أنظر معجم البلدان ٤/ ٣٠٨.
(٤) راجع ترجمته في العبر ٥/ ١٥٣، الشذرات ٥/ ١٨٤.
(٥) في العبر ٥/ ١٥٣ البغدادي.
[ ١٢٣ ]
(٤٢ ب) وفيها مات أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم، محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير (١) الجزري، الملقب ضياء الدين، كان مولده بجزيرة ابني عمر في العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وانتقل مع والده الى الموصل، واشتغل بها، وحصّل العلوم وحفظ كتاب الله العزيز وكثيرا من الأحاديث النبوية، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان وشيئا كثيرا من الأشعار. ولما كملت لضياء الدين المذكور الآداب، قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين تغمده الله برحمته، وكان يومئذ شابا فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدين علي وحسنت حاله عنده. ولما مات السلطان صلاح الدين واستقل ولده الأفضل بمملكه دمشق، استقل (٢) ضياء الدين المذكور بالوزارة وردت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه. ولما أخذت (٣) دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد، كان ضياء الدين المذكور قد أساء العشرة على أهلها وهموا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن [بن عجم] (٤) مستخفيا في صندوق. ولما قصد الملك العادل الديار المصرية وأخذها (٥) من ابن أخيه، وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية وخرج من مصر، لم يخرج ضياء الدين في خدمته لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه، فخرج منها مستترا وله في كيفية خروجه رسالة طويلة، شرح فيها حاله، وهي موجودة في ديوان رسائله، وغاب عن مخدومه (٤٣ أ) الملك الأفضل مدة، ثم أتاه ثم فارقه وأتصل بخدمه أخيه الظاهر صاحب حلب، فلم يطل مقامه عنده، فخرج وعاد الى الموصل فلم يستقم حاله، فورد إربل، فلم يستقم حاله، فسافر الى سنجار ثم عاد الى الموصل واتخذها دار إقامته. ولضياء الدين من التصانيف الدّالة على غزارة فضله كتابه الذي سماه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» في مجلدين جمع ولم يترك شيئا بفن الكتابة إلا وذكره. وله كتاب «الوشي المرقوم في حل المنظوم» وهو مع الوجازة في غاية الإفادة، وله كتاب «المعاني
_________________
(١) قارن ترجمته في وفيات الأعيان ٥/ ٣٨٩ - ٣٩٦ التي من المرجح أن ابن دقماق أخذها عنه بشيء من التصرف، وراجع أيضا ترجمته في: ذيل الروضتين ص ١٦٩، الحوادث الجامعة ص ١٣٥، مرآة الزمان ٤/ ٩٧، العبر ٥/ ١٥٦، دول الاسلام للذهبي ٢/ ١٤٣، العسجد المسبوك ص ٤٩٦.
(٢) يذكر أبو الفداء خبر تفويض الملك الأفضل لوزيره ضياء الدين ابن الأثير أمر البلاد في سياق أحداث سنة ٥٩٠ هـ / ١١٩٣. انظر المختصر ٣/ ٩١.
(٣) تم انتزاع دمشق من الملك الأفضل من قبل عمه الملك العادل وأخيه الملك العزيز في سنة ٥٩٢ هـ / ١١٩٥ م. وحول تفاصيل ذلك أنظر المصدر السابق ص ٩٢.
(٤) التكملة من وفيات اوعيان ٥/ ٣٩٠.
(٥) يورد أبو الفداء خبر ذلك في سياق سنة ٥٩٦ هـ / ١١٩٩ م، أنظر تفاصيل ذلك في المختصر ٣/ ٩٧.
[ ١٢٤ ]
المخترعة في صناعة الإنشاء» وهو أيضا في نهاية الحسن، وله ديوان ترسّل في عدّة مجلدات والمختار منه في مجلد [واحد] (١)، فمن رسائله رسالة يصف فيها الديار المصرية، وهي طويلة فمن جملتها فصل في صفه نيلها وقت زيادته، وهو من المعاني البديعة وهو:
«[وعذب] (٢) رضابه فضاهى جنى النحل، وأحمر صفيحه فعلمت أنه قد قتل المحل».
وهذا المعنى في نهاية الحسن، وله كل معنى بديع في الترسّل. وكان يعارض القاضي الفاضل في رسائله، فإذا أنشأ رسالة أنشأ مثلها، وكان بينهما مكاتبات ومحاربات ولم يكن له في نظمه شيء حسن، وكان كثيرا ما ينشد: [الكامل]
قلب كفاه من الصبابة أنّه لبّى دعاء الظاعنين وما دعي
ومن الظنون الفاسدات توهّمي بعد الفراق بقاءه في أضلعي
(٤٣ ب) وفيها مات القاضي جمال الدين أبو الحجاج، يوسف ابن القاضي علم الدين اسماعيل بن عبد الجبار بن يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الجدامي الصويتي، المقدسي الأصل، المصري المولد والدار، العدل الفاضل البارع، مولده ليلة الأحد العشرين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة سمع الحديث وقرأ القرآن المجيد والنحو واللغة وله تصانيف، وقرأ الأدب وقال الشعر وولي ديوان الجيوش مع أخيه ضياء الدين، وكان الملك الكامل يكرّمه وأرسله مع ولده الملك المسعود الى اليمن، فلم يقدر على أخلاق المسعود، وصنف كتابا سماه «البرق اليماني» عارض به البرق الشامي للأصبهاني وذكر فيه أحوال اليمن وما فيها من العجائب وشيئا من تاريخها وما جرى للمسعود فيها. وكانت وفاته ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة تاريخه.
وفيها مات أبو محمد عبد العزيز بن دلف (٣) بن أبي طالب البغدادي، المقرئ الناسخ الخازن. كان عدلا ثقة له صورة كبيرة. ولي خزانة كتب المستنصرية وغيرها، سمع (٤) وروى (٥) رحمه الله تعالى.
_________________
(١) التكملة من وفيات الأعيان ٥/ ٣٩٢.
(٢) التكملة من المصدر السابق ص ٣٩٥.
(٣) راجع ترجمته في المختصر من ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي ٥/ ٢٥٨، الحوادث الجامعة ص ١٣٤، العبر ٥/ ١٥٧، الشذرات ٥/ ١٨٤، العسجد المسبوك ص ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٤) سمع من خديجة بنت النهرواني وشهدة وابن شاتيل وجماعة في المختصر من ذيل بغداد.
(٥) وقرأ بالروايات الكثيرة على أبي الحرث أحمد بن سعيد العسكري وغيره في الشذرات.
[ ١٢٥ ]
وفيها مات أبو بكر عبد الحميد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان القاضي الشافعي الحداد، سبط الحافظ أبي العلاء الهمذاني، مولده سنة أربع وستين وخمسمائة. سمع وله أربع سنين من جده، وناب في القضاء بالجانب الغربي، وكان صالحا دينا ورعا على طريقة السلف، كثير المحفوظ روى عنه جماعة.
(٤٤ أ) وفيها مات الشيخ الإمام العارف المكاشف، نجم الدين أبو المعالي، محمد (١) بن سوار بن اسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الشيباني، الفقير الحريري (٢) الدمشقي، مولده يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بدمشق. ومات بها ليلة الأحد رابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة وصلي عليه يوم الأحد بجامع دمشق، خارج باب توما داخل قبّة الشيخ رسلان قدس الله روحهما (٣).
وله شعر حسن فمنه في مليح لابس أخضر: [الكامل]
ومهفهف الاعطاف معسول اللمى فتن الأنام بحسنه وبهائه
لم يرض ان سلب القضيب قوامه حتى حكى أوراقه بقبائه
وله دو بيت:
يا محتجبا تصده الاعداء عنّي ولقلبي نحوه ايماء
هل يمكن أن تحجب عن مكتيب تجلوك على ناظره الأشياء
وله: [الكامل]
(٤٤ ب) عبد العزيز إذا تثنى أو شدا فتن القلوب بقامة وغناء
يشذو ويثني لينة اعطافه طربا فقل للغصن والورقاء
وقال دو بيت:
يا الطف من سلافة الصهباء خلقا وأدق من زلال الماء
_________________
(١) لم نقع على ترجمته بين وفيات سنة ٦٣٧ هـ بل أشارت المصادر التي ترجمت له على وفاته في سنة ٦٧٧ هـ، ومما لا شك فيه أن ابن دقماق قد وقع في خطأ النقل. راجع ترجمته في: الفوات ٣/ ٣٨٣، الوافي ٣/ ١٤٣، العبر ٥/ ٣١٦، البداية والنهاية ١٣/ ٢٨٣، والشذرات ٥/ ٣٥٩، وذيل مرآة الزمان لليونيني ٣/ ٤٠٥ - ٤٣٢، الصقاعي، ص ١٤٢.
(٢) نسبة الى شيخه الحريري الذي صحبه في سنة ٦١٨ هـ. أنظر البداية والنهاية ص ٢٨٣.
(٣) ما بعد هذه العبارة فراغ في الأصل مقدار أربعة أسطر.
[ ١٢٦ ]
جسما واعز من على الغبراء قدرا لقد احتكمت في معناء
وقال: [الطويل]
ونشوان قد اضمرت في السر عتبه ويعرض أحيانا فأسكت مبهوتا
حشا أذني درا بطيب حديثه وصدّ فأجراه من العين ياقوتا
وقال:
وما صدّعني أنه لي مبغض ولا أنّ قتلي في الهوى من مراده
ولكن درى انّ البعاد يزيدني غراما فأحيا مهجتي ببعاده
وقال: [الكامل]
ومعشّق غنج اللواحظ قد غدا في خده الآس النضير مجعّدا
لو لم تكن عيناه كأسي قهوة ما كان صفو بياضها متورّدا
وقال: [الطويل]
وناد منا فيها غزال لحسنه جميع ملاح الكائنات عبيد
غرير سقت أعطافه خمرة الصبا فاعطافه مثل الغصون تميد
وقال: [البسيط]
(٤٥ أ) وأهيف فترت أجفانه سنة وذبّلت منه غصنا وهو أملود
فقد تعجبت من سيف لناظره إذ صار يجرح قلبي وهو مغمود
وقال: [السريع]
وأخضر العارض قد زانه من وجنتيه وردها الأحمر
يرقص كالغصن ثنته الصبا وهو بدر طالع مثمر
وقال: [الكامل]
ديباج خدّك بالعذار مطرز وشبيه حسنك في البرايا معجز
وبوجهك الورد النضير فورده المحمر بالآس الجني مغرّز
[ ١٢٧ ]
وقال: [الكامل]
يا مخجل الظبي الغرير بحسنه ولعطفه عطف القضيب المايس
لو لم يكن بستان خدّك كاملا ما كان فيه الخال أكبر حارس
وله أشياء مليحة وشعر على طريقه القوم رحمه الله تعالى.