وفيها مات أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي ابن منصور بن علي الضرير النحوي، عرف بابن الخبّاز (١) الموصلي، علاّمة أهل زمانه في النحو واللغة والعروض والحساب، وله المصنفات المفيدة العديدة، وله الأشعار الرائقة الفائقة فمنها قوله: [الكامل]:
سقت الغصون الراح من حركاتها وتعلّم الملكان من لحظاتها
ونضت عن الوجه النقاب فأشرقت شمس الضحى والبدر من قسماتها
سمراء يحمي بالملاحة طرفها كسنانها وقوامها كقناتها
سمراء لو أنصفتها في وصفها لحكمت أن الحسن بعض صفاتها
وعدت فهام المستهام لخلفها وحياته انجازه وحياتها
وكفاه ضرّا أنّه في بعدها لم يخل من رقبائها ووشاتها
فأسرّ شكوى حاله متخوفا منهم وأخفت نفسه خطراتها
يا من غرست لها المودة في الحشى وسقيتها من أدمعي لبناتها
ثمر المودة أينعت من سقيها فإلى متى لا أجتني ثمراتها
(٥٥ أ) لا تحسبي طول النوى ينسي الهوى حتى تردّ النفس عن صبواتها
حكم السّقام وقد هجرت فجار في أحكامه ورضاك في إثباتها
وله غير ذلك من الأشعار الفائقة، وكانت وفاته في الموصل عاشر رجب من هذه السنة.
وفيها مات الشيخ الإمام، العالم كمال الدين أبو الفتح موسى (٢) بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك، فقيه الموصل ومفتيها. له المصنفات العديدة المفيدة منها:
«شرح التنبيه» للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وله مصنف في الفرائض وغيره، وله أشعار
_________________
(١) راجع ترجمته في الوافي ٦/ ٣٥٩، العبر ٥/ ١٥٩، البداية والنهاية ١٣/ ١٥٧، الشذرات ٥/ ٢٠٢، العسجد المسبوك ص ٥٠٤.
(٢) راجع ترجمته في: وفيات الأعيان ٥/ ٣١١، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٥٨، الحوادث الجامعة ص ١٤٩، البداية ولنهاية ١٣/ ١٥٨، العبر ٥/ ١٦٢، دول الإسلام للذهبي ٢/ ١٤٥.
[ ١٤٦ ]
لطيفة. وكانت وفاته بمدينة الموصل في النصف من شعبان.
وفيها مات أمير المؤمنين المستنصر بالله، أبو جعفر (١) عبد الله بن محمد، في الثاني والعشرين من شهر جمادي الآخرة من هذه السنة (٢)، وقيل من سنة ثمان والله أعلم. وكان مدة خلافته خمس (٣) عشرة سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام على فراسة ببغداد. وكان ملكا حازما، جيد السياسة، كثير العدل والإحسان، وكانت الرعيّة تحبه لعدله. وفي أيام خلافته قصدوا (٤) عساكر التتار بغداد، فاستخدم العساكر وكسرهم وأفنى منهم خلقا، ومات وعمره إحدى وخمسون سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام. عمّر المدرسة المستنصرية ووقفها على المذاهب الأربعة، وليس في الدنيا مثل هذه المدرسة ولا بني مثلها في سالف الأعوام وهي في العراق كجامع دمشق.
(٥٥ ب) خلافة المستعصم بالله عبد الله بن الخليفة المستنصر بالله وكنيته أبو
أحمد (٥)
وهو السابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع بالخلافة في التاريخ المذكور.
وفيها مات صاحب المغرب الرشيد بالله عبد الواحد (٦) ابن السلطان المأمون أبي العلاء ادريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب وأمير المؤمنين به. ولي الأمر سنة ثلاثين وستمائة بعد أبيه، وكان أبوه قد قطع خطبة المهدي ابن تومرت (٧) فأعاد الرشيد ذكرها
_________________
(١) ورد اسمه في أغلب المصادر بأمير المؤمنين المستنصر بالله أبو جعفر المنصور بن الطاهر بأمر الله أبي نصر محمد وتمام النسب يعود الى العباس بن عبد المطلب عم الرسول. راجع ترجمته في: مفرج الكروب ٥/ ٣١٥، مرآة الزمان ٨/ ٧٣٩، السلوك ج ١ ق ٢ ص ٣١١، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٤٥، الحوادث الجامعة ص ١٥٥، العبر ٥/ ١٦٦، الشذرات ٥/ ٢٠٩، البداية والنهاية ١٣/ ١٥٩.
(٢) المقصود هنا سنة ٦٣٩ هـ، غير أن المصادر السابقة ذكرت وفاته في سنة ٦٤٠ هـ.
(٣) سبع عشرة سنة إلا شهرا واحدا، في مفرج الكروب والحوادث الجامعة.
(٤) كذا في الأصل والصواب قصد.
(٥) في الأصل: المستعصم بالله محمد بن الامام الظاهر وكنيته عبد الله، التصويب من المصادر التي ذكرت خبر توليه الخلافة في: الحوادث الجامعة ص ١٥٨، مرآة الزمان ٨/ ٧٤١، مفرج الكروب ٥/ ٣٢١، المختصر في أخبار البشر ٣/ ١٧١، والسلوك ج ١ ق ٢ ص ٣١٢، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٤٦.
(٦) راجع ترجمته في: وفيات الأعيان ٧/ ١٧، العبر ٥/ ١٦٥، مرآة الجنان ٤/ ١٠٤، الشذرات ٥/ ٢٠٨ ودول الإسلام للذهبي ٢/ ١٤٥.
(٧) هو محمد بن عبد الله بن تومرت، الملقب بالمهدي، صاحب دعوة السلطان عبد المؤمن ملك المغرب، توفي سنة ٥٢٤ هـ. راجع ترجمته في الوافي ٣/ ٣٢٣ وطبقات الشافعية الكبرى ٤/ ٧١.
[ ١٤٧ ]
واستمال بها قلوب جماعة، وبقي كذلك إلى أن مات غريقا في بحيرة ببستانه بمراكش، وكان قد عمل في البحيرة مركبا تقذف به جواريه فانقلب بهن فغرقوا وذلك في سنة أربعين وستمائة (١)، وكتموا موته شهرا، وولي بعده أخوه السعيد علي بن ادريس، وقد تقدم ذكر والده وسيأتي ذكر أخيه علي السعيد.