وفيها مات (٦) الملك المظفر، شهاب الدين غازي بن الملك العادل، صاحب الرها، وميّافارقين. وكان شجاعا، شهما جوادا، اجتمع فيه الفروسية والكرم.
قال أبو المظفر (٧): اجتمعت به في الرها [سنة ٦١٢ وأنا قاصد الى خلاط] (٨) وكان لطيفا ينشد الأشعار ويحكي الحكايات. أنشدني لابن منقذ قوله: [الطويل]
ولما التقينا للوداع تحدرت دموعي إلى أن كدت بالدمع أغرق
_________________
(١) كذا في الأصل والصواب لقائهم.
(٢) البادراني: نسبة إلى بادران قرية بأصبهان، وهو رسول الخليفة، قدم للسعي في الصلح بين الملك الصالح نجم الدين أيوب والحلبيين أنظر النجوم الزاهرة ٦/ ٣٢٩.
(٣) تشابه في الإيراد مع ابن الجوزي، قارن هذا الخبر في مرآة الزمان ٨/ ٧٧٠. وأنظر أيضا في: المختصر ٣/ ١٧٧، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٢٩، والسلوك ج ١ ق ٢ ص ٣٣١، وعيون التواريخ ٢٠/ ٢١.
(٤) في السلوك ص ٣٣٢ ما يشبه ذلك.
(٥) تشابه في الإيراد مع أبو شامة، قارن ذيل الروضتين ص ١٨٢، وأنظر أيضا في مرآة الزمان ٨/ ٧٧٣ والسلوك ج ١ ق ٢ ص ٣٣٢، وعيون التواريخ ٢٠/ ٢٧.
(٦) أشار كل من أبو الفداء وابن واصل إلى وفاته في سنة ٦٤٢ هـ، راجع المختصر ٣/ ١٧٣ ومفرج اكروب ٥/ ٣٤٥، أما ابن الجوزي فإنه أشار إلى وفاته في سنة ٦٤٥ هـ. راجع مرآة الزمان ٨/ ٧٦٨. وفي عيون التواريخ إشارة إلى وفاته في سنة ٦٤٦ هـ وأنظر أيضا في شفاء القلوب ص ٣٢٢ - ٣٢٤.
(٧) قارن في مرآة الزمان ص ٧٦٨.
(٨) التكملة من المصدر السابق.
[ ١٧٩ ]
فقلت لها يا عين هذا لقاؤنا فقالت ألسنا بعد ذا نتفرق
وكتب على ظهر تقويم: [البسيط]
إذا أردت اختيار السعد فيه فقل على الذي في يديه السعد أتّكل
سلّم الى الله فيما أنت فاعله فما الى النجم لا قول ولا عمل
ورثاه سعد الدين [فقال] (١): [الوافر]
(٧٤ أ) ألا روّى الإله تراب قبر حللت به شهاب الدين غازي
وأسكنك المليك جنان عدن وكان لك المكافئ والمجازي
فضلت الناس مكرمة وجودا فما لك في البرية من موازي
وكنت الفارس البطل المفدى مبيد القرم في يوم البراز
فتضربه بأبيض مشرفي وتطعنه بأشرف (٢) ذي اهتزازي
وترتب بعده ولده الملك الكامل ناصر الدين محمد.
وفيها مات القاضي عماد الدين أحمد بن سديد الدين محمد بن سليم بن حنا، أخو الصاحب بهاء الدين.
وفيها مات أبو عمرو عثمان ابن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدوني ثم المصري، الفقيه المالكي المعروف بإبن الحاجب (٣)، الملقب جمال الدين. كان أبوه حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي، وكان كرديا واشتغل ولده أبو عمرو بالقاهرة وهو صغير بالقرآن الكريم ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ﵁، ثم بالعربية والقراءات، وبرع في علومه وأتقنها غاية الاتقان، ثم انتقل الى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية وأكب الخلق بالاشتغال عليه، والتزم لهم الدرس وتبحر في العلوم، وكان الأغلب عليه علم العربية.
_________________
(١) التكملة من مرآة الزمان ص ٧٦٩.
(٢) باسمر، في المصدر السابق.
(٣) قارن ترجمته في وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨ والذي يبدو أنّ ابن دقماق نقل عنه النص. وراجع ترجمته أيضا في: ذيل الروضتين ص ١٨٢، العبر ٥/ ١٨٩، المختصر في أخبار البشر ٣/ ١٧٨، البداية والنهاية ١٣/ ١٧٦، الشذرات ٥/ ٢٣٤ وعيون التواريخ ٢٠/ ٢٤، شجرة النور الزكية ص ١٦٧ - ١٦٨.
[ ١٨٠ ]
وكان من أحسن الناس ذهنا ثم عاد الى القاهرة وأقام بها ولازمه الناس للاشتغال عليه، ثم انتقل الى الاسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك. وصنف مختصرا في مذهبه ومقدمه وجيزة في النحو وأخرى مثلها في التصريف، وشرح المقدمتين، وصنف (٧٤ ب) في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات والزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهنا. ثم عاد الى القاهرة وأقام بها ولازمه الناس للاشتغال عليه، ومات بالاسكندرية ضحى (١) نهار الخميس سادس عشري شوال من هذه السنة، ودفن خارج باب البحر، وكان مولده في سنة سبعين وخمسمائة بأسنا من أعلى صعيد مصر.
وفيها مات قاضي القضاة، أفضل الدين أبو عبد الله [محمد بن نامور] (٢) بن عبد الملك. كان قاضي قضاة مصر قديما وكان حكيما منطقيا أصوليا فاضلا عالما بأكثر العلوم.
وكان الحديث عنه في مدة ولايته القضاء حسنا جميلا، فإنه كان نزها عفيفا، أقام الأحكام أحسن قيام، وصنّف كتبا كثيرة أكثرها عقلية. وكانت وفاته في خامس رمضان المعظم من هذه السنة، وذكر الشيخ بهاء الدين ابن الجميزي (٣)، أنّ أفضل الدين الخونجي (٤) أخبره أن مولده سنة تسعين وخمسمائة، وتولى القضاء بعده ولده جمال الدين يحيى.
وفيها مات الوزير أبو الحسن علي بن يوسف ابن إبراهيم ابن عبد الواحد بن [موسى] (٥) بن أحمد بن محمد بن إسحاق القفطي، المعروف بالقاضي الأكرم (٦)، وزير حلب، أحد الكتاب المشهورين المبرزين في النظم والنشر. مولده بمدينة قفط من أعمال الصعيد الأعلى بمصر.
_________________
(١) في الأصل: ضاحي.
(٢) التكملة من بعض المصادر التي ترجمت له، راجع الوافي ٥/ ١٠٨، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٤٣، ذيل الروضتين ص ١٨٢، العبر ٥/ ١٩١، الشذرات ٥/ ٢٣٦، عيون التواريخ ٢٠/ ٢٥.
(٣) هو العلامة بهاء الدين أبو الحسن علي بن هبة الله ابن الجميزي. توفي في سنة ٦٤٩ هـ وسوف ترد ترجمته لاحقا بين وفيات تلك السنة.
(٤) الخونجي، نسبة إلى خونجان، من قرى أصبهان، راجع العبر ٥/ ١٩١.
(٥) التكملة من معجم الأدباء ١٥/ ١٧٥.
(٦) راجع ترجمته مستوفاة في المصدر السابق، وفي الفوات ٣/ ١١٧، مرآة الجنان ٤/ ١١٦، الحوادث الجامعة ص ٢٣٧، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٦١، عيون التواريخ ٢٠/ ٢٦، العسجد المسبوك ص ٥٦٧.
[ ١٨١ ]
قال الحافظ (١) أبو عبد الله البغدادي: اجتمعت به بحلب، فوجدته جم الفضائل ذا فنون (٧٥ أ) كثيرة، عظيم القدر، سخي الكف، طلق الوجه حلو الشمائل، مشاركا لأرباب كل علم في علمهم من النحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والتعديل، يتكلم في كل علم مع أربابه أحسن كلام.
أنشدني (٢): [السريع]
ضدّان عندي قصّرا همّتي وجه حيي ولسان وقاح
إن رمت أمرا خانني ذو الحيا ومقولي يطمعني في النّجاح
فأنثني في حيرة منهما لي مخلب ماض ومالي (٣) جناح
شبه جبان فرّ من معرك خوفا وفي يمناه عضب (٤) الكفاح
وله في أعور: [السريع]
شيخ لنا يعزى الى منذر مستقبح الأخلاق والعين
من عجب الدّهر فحدّث به بفرد عين ولسانين
وله من التصانيف كتاب «الضاد والظاء» وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في الخط، وكتاب «الدّر الثمين في أخبار المتيّمين» وكتاب «من ألوت الأيام إليه فرفعته ثم التوت (٥) عليه فوضعته» وكتاب «أخبار المصنّفين وما صنّفوه» وكتاب «أخبار النحويين» وكتاب «تاريخ مصر من ابتدائها الى حين ملكها صلاح الدين» في ست مجلدات، وكتاب «تاريخ المغرب ومن تولاها من بني تومرت» وكتاب «تاريخ اليمن منذ اختطت والى زمانه»، (٧٥ ب) وكتاب «الحلي والشيات» (٦) وكتاب «الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصّحاح»
_________________
(١) هو الحافظ الكبير محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي، صاحب «ذيل تاريخ بغداد». توفي في سنة ٦٤٣ هـ. راجع ترجمته في الوافي ٥/ ٩ ومعجم الأدباء ١٩/ ٤٩.
(٢) أنشدني لنفسه بحلب في جمادى الآخرة سنة ٦١٣ هـ. في معجم الأدباء ١٥/ ١٧٩.
(٣) وما من، في المصدر السابق.
(٤) العضب: السيف القاطع.
(٥) في الأصل: الوت، التصويب من معجم الأدباء ١٥/ ١٧٩.
(٦) لم نقع على مثل هذا الكتاب في المصدر السابق.
[ ١٨٢ ]
[للجوهري] (١)، وكتاب «الكلام على الموطّأ» (٢) وكتاب «الكلام على صحيح البخاري» (٣) وكتاب «تاريخ محمود بن سبكتكين وبنيه الى حين انفصال الأمر عنهم» وكتاب «تاريخ أخبار السلجوقية من ابتداء أمرهم الى انتهائه»، وكتاب «الإيناس في أخبار آل مرداس» وكتاب «الرد على النصارى» [وذكر مجامعهم] (٤)، وكتاب «مشيخة زيد بن الحسن الكندي»، وكتاب «نزهة (٥) الخاطر ونزهة الناظر في أحسن (٦) ما نقل من [على] (٧) ظهور الكتب». وكان جماعا للعلوم محبا للكتب، جمع منها ما لم يجمع أحد من أبناء جنسه في الدنيا على الإطلاق، فإنه اشتهر بالرغبة فيها والميل اليها فقصد بها من الآفاق، وغالى في أثمانها، فجمع منها ألوفا كثيرة بالخطوط المنسوبة، وما وقع في يده كتاب مليح فأمكن ردّه، بل يبالغ في ثمنه حتى يصير في ملكه، فإذا صار في ملكه قرأه جميعه ورده الى خزانته، فلا يكاد يظهر عليه أحدا، صيانة له وضنا به. وكان شديد الشغف بها ضنينا بإخراجها، ولم يكن له ولد ولا زوجة. وكانت وفاته في شهر رمضان ووصى بكتبه للملك الناصر يوسف ابن العزيز ابن الظاهر، وكانت تساوي خمسين ألف دينار، ودفن بحلب رحمه الله تعالى.
وفيها ولدت امرأة ببغداد أربعة أولاد، فمات أحدهم وأحضرت ثلاثة الى دار الخلافة، فاستعجبوا، (٧ أ) لها وأعطيت ما قيمته ألف دينار فاستغنت (٨).