وفيها مات الشيخ الإمام العالم العامل، بهاء الدين أبو الحسن، علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي اللخمي المصري المعروف بابن الجميزي (٥). كان إماما كبيرا فاضلا عارفا بمذهب الشافعي، وكان يخالط الملوك. واتفق أنه حج في آخر عمره في سنة خمس وأربعين (٦) فأهدى اليه صاحب اليمن هدية بمكة، فقبلها. فبلغ الملك الصالح أيوب ذلك، فأعرض عنه واستمر الأعراض، فلم يرض عنه بعدها. أخذ الفقه عن الإمام شهاب الدين الطوسي [بمصر] (٧)، وشرف الدين ابن أبي عصرون [بالشام] (٨) ومحمد بن
_________________
(١) كذا في الأصل والصواب خرّب.
(٢) نقلوا أبوابها، في مرآة الزمان ص ٧٨٥ وحملوا آلاتها، في النجوم الزاهرة ٧/ ٢٣.
(٣) ابن المقنشع في السلوك ج ١ ق ٢، ص ٣٨١.
(٤) في عيون التواريخ ٢٠/ ٥٢ ما يشبه ذلك.
(٥) الجميزي: نسبة الى الجميز وهو شجر معروف بالديار المصرية. أنظر طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٢٧ وراجع ترجمته أيضا في: مرآة الزمان ٨/ ٧٨٦، العبر ٥/ ٢٠٣، البداية والنهاية ١٣/ ١٨١، الشذرات ٥/ ٢٤٦، مرآة الجنان ٤/ ١١٩، عيون التواريخ ٢٠/ ٥٣، دول الإسلام للذهبي ٢/ ١٥٦.
(٦) أي سنة ٦٤٥ هـ.
(٧) التكملة من طبقات الشافعية الكبرى، ص ١٢٨.
(٨) التكملة من المصدر السابق.
[ ٢٠٣ ]
يحيى (١). وتفقه بالشام على جماعة، وقرأ القراءات بالسبع (٢) على الشاطبي والبطائحي (٣)، وسمع الحديث الكثير وحدّث (٨٧ ب) وكان قد سافر في عنفوان شبابه الى العراق. وسمع شهده وأقرانها. وسمع من الحافظ السلفي بمصر، وروى عنه، وكتب له بالفتيا والتدريس سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وكان يلبس الطيلسان. ولم يمسك بيده ميزانا قط. ترسل من الملك الكامل الى الملك الأشرف، وتوجه أيضا رسولا الى بغداد هو وشجاع الدين ابن أبي زكريا. وكان يخطب في الجامع الحاكمي بالقاهرة. وله محفوظات ومحاضرات. وكان دمث الأخلاق كريم النفس كثير التواضع، قلّ أن يدخل عليه أحد ويناظره إلا قطعه، وما دخل عليه أحد من الناس إلا أطعمه شيئا.
قال أبو المظفر (٤): كنت أجتمع به بين القاهرة ومصر فيقف معي ويباسطني ويدعو لي [ويشكرني] (٥). وكان مولد المذكور يوم النحر سنة تسع وتسعين وخمسمائة بمصر في دار عمرو الصغرى، قريبا من الجامع. ومات ليلة الخميس رابع عشري (٦) ذي الحجة بمصر.
ودفن يوم الخميس بالقرافة قريبا من السفح رحمه الله تعالى.
وفيها مات الوزير جمال الدين أبو الحسن (٧)، يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن ابراهيم بن الحسن بن مطروح. أصله من أهل صعيد مصر، ونشأ هناك وأقام بقوص مدة، وتنقلت به الأحوال في (٨) الخدم والولايات، ثم اتصل بخدمة الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل، وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه بالديار المصرية (٨٨ أ) ولما
_________________
(١) هو أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري الملقب محيي الدين الفقيه الشافعي. توفي شهيدا في شهر رمضان سنة ٥٤٨ هـ. راجع طبقات الشافعية الكبرى ٤/ ١٨٥. ولقد أشار ابن دقماق خطأ إلى أخذ ابن الجميزي الفقه عنه، والصحيح ما ذكره ابن الجوزي في مرآة الزمان ٨/ ٧٨٦ من أن ابن الجميزي قد أخذ الفقه عن محمد الطوسي الذي أخذه بدوره عن محمد بن يحيى وهو ما تأكد أيضا في طبقات الشافعية.
(٢) قرأ القراءات العشر، في طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٢٨.
(٣) أبي الحسن علي بن عساكر البطائحي في المصدر السابق.
(٤) قارن في مرآة الزمان ٨/ ٧٨٦.
(٥) التكملة من المصدر السابق.
(٦) في مرآة الزمان ٨/ ٧٨٦: رابع عشر.
(٧) في الأصل: أبو الحسين، التصويب من وفيات الأعيان ٦/ ٢٥٨ التي ويبدو ان ابن دقماق نقل عنه هذه الترجمة وراجع ترجمته أيضا في مرآة الزمان ٨/ ٧٨٨، مرآة الجنان ٤/ ١١٩، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٧، الشذرات ٥/ ٢٤٧، عيون التواريخ ٢٠/ ٥٤.
(٨) في الأصل: والخدم، التصويب من وفيات الأعيان، ص ٢٥٨.
[ ٢٠٤ ]
اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، وصار له آمد وحصن كيفا وحرّان والرّها والرقّة، ورأس عين وسروج وما انضم الى ذلك، أرسل اليهم (١) ولده الملك الصالح نائبا عنه وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان ابن مطروح المذكور في خدمته. ولم يزل [ينتقل في تلك البلاد] (٢) الى أن وصل الصالح الى مصر مالكا لها وذلك يوم الأحد سابع عشري ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة. ثم وصل ابن مطروح في سنة تسع وثلاثين الى الديار المصرية، فرتبه السلطان ناظرا على الخزانة، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية سنة ثلاث وأربعين، فرتب الصالح لدمشق نوابا وجعل ابن مطروح في صورة وزير لها. فلما مضى إليها حسنت حاله وارتفعت منزلته، فلما توجه الصالح الى دمشق في شعبان سنة ست وأربعين وجهّز العسكر الى حمص لاستنقاذها من نواب الملك الناصر، فعزل ابن مطروح عن ولايته وسيّره مع العسكر المتوجه الى حمص. وأقام الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له أمر حمص، فبلغه أنّ الفرنج قد اجتمعوا في جزيرة قبرص على قصد الديار المصرية، فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة والملك الصالح متغير عليه فتنكر له لأمور نقمها عليه (٣)، وخيم الصالح على المنصورة لما أخذوا (٤) الفرنج [دمياط] (٥) (٨٨ ب) وابن مطروح مواظب الخدمة مع الإعراض عنه. ولما مات الصالح دخل ابن مطروح الى مصر وأقام بها في داره حتى مات، هذه جملة حاله. وكانت أدواته جميلة وحالاته حميدة. جمع بين الفضائل (٦) والمروءة والأخلاق المرضيّة (٧)، والفتوة. وله ديوان شعر (٨) ملكته وكله جيد، فمنه قوله: [الكامل]
علقته من آل يعرب لحظه أمضى وأفتك من سيوف عريبه
أسكنته بالمنحنى من أضلعي شوقا لبارق ثغره وعذيبه
يا عائبا ذلك الفتور بطرفه خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه
_________________
(١) في وفيات الأعيان، ٦/ ٢٥٩: سير اليها.
(٢) التكملة من المصدر السابق.
(٣) في الأصل: يفهمها عنه، التصويب من المصدر السابق.
(٤) كذا في الأصل والصواب أخذ.
(٥) التكملة من وفيات الأعيان ٦/ ٢٥٩.
(٦) الفضل، في وفيات الأعيان ٦/ ٢٥٩.
(٧) الرضية في المصدر السابق.
(٨) له ديوان شعر طبع في الأستانة مطبعة الجوائب ١٢٩٨ هـ / ١٨٨٠ م، أنظر عيون التواريخ ٢٠/ ٥٤ حاشية رقم (٢٤) لم نقع عليه.
[ ٢٠٥ ]
لدن وما مرّ النسيم بعطفه أرج وما مرّ العبير بجيبه
وله: [الكامل]
يا ربّ ان عجز الطبيب فداوني بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإنّ من شيم الكرام البرّ بالاضياف
وله: [الكامل]
وافى وأقبل في الغلالة ينثني فأراك حظ المجتلى والمجتني
ورنا فما تغني التمايم والرقا وأبيك من لحظات تلك الأعين
رشأ من الأتراك مسكنه الفلا ولكم له في مهجتي من مسكن
أغناه دابل قده عن ذابل وبشعره عن بيت شعر قد غني
قل للعواذل في هواه أقصروا لا أرعوي لا أنتهي لا أنثني
(٨٩ أ) حتى فؤادي خانني ووفى له وكذا الرقاد صبا إليه وملّني
يا قلب ما آنست بعدك راحة فمتى أراك ويا كرى أوحشتني
شعري ومحبوبي يعنيني به فهناك يحسن فتنه المتديّن
وله: [الطويل]
رأيت بخدّيه بياضا وحمرة فقلت لي البشرى اجتماع تولّدا
حلا ريقه والدر فيه منضّدا ومن ذا رأى في العذاب ذرّا منضّدا
وله: [الطويل]
وقفت أحلي الأرض من در أدمعي فجاء العذارى يلتقطن المدامعا
يغرن على تلك اللآلي لأنها بقية ما أودعن مني المسامعا
وله: [البسيط]
قالوا حبيبك ملسوع فقلت لهم من عقرب الصدع أو من حية الشعر
[ ٢٠٦ ]
فقيل بل من أفاعي الأرض قلت لهم من أين ترقى أفاعي الأرض للقمر
وقال مما يكتب على سيف: [مجزوء الخفيف]
أنا سيف له السيوف على عزّها حدم شرفي أن صاحبي صاحب السيف والقلم
وقال: [المجتث]
أصبحت عبدك رقا لا أبتغي منك عتقا
يا من تملك رقّي أما ترى أن ترقّا
يا من تملك رقي تعيش أنت وتبقى
(٨٩ ب) من السهاد معافى من الغرام موقّى
وقد لقيت من الصّ ـد فيك أعظم ملقى
ردني قلى وصدورا أزدك حبا وعشقا
لا عشت إن قلت يوما من فرط جورك أشقى
يا ناعم الخد قلبي الى متى فيك يشقى
وله: [الطويل]
حدار سيوف العرب من أعين الترك فما (١) إلا لتؤذن بالفتك
وإيّاك عن تلك القدود فإنها رماح أعدت للطعان بلا شك
فإن كنت مقداما على البيض والقنا وإلا فقد عرّضت نفسك للهلك
وربّ غزال بات منهم مضاجعي وقد عبقت منه المضاجع بالمسك
وما بيننا أستغفر الله ريبه سوى رشفات من فم بارد ضنك
إذا ما سقاني في الهجير رضابه تخيلت أني بين قاره والنبك
وسرب أراقوا بينهم دم كرمة فباتت عليها عين راووقها تبكي
وغنّاهم شاد أغن فزادهم سرورا بشعر رائق حسن السبك
تلعبت فيه بالكلام تلعبا كما تلعب الأمواج في البحر بالفلك
_________________
(١) في الأصل الكلمة غير واضحة في النص ولم نقع على المعنى المقصود.
[ ٢٠٧ ]
وأني لأصبو والخلاعة مذهبي وأجمع ما بين الخلاعة والنسك
وقال: [مجزوء الرمل]
(٩٠ أ) بات في أثناء صدري قمر نيط ببدر
بدويّ نازل من شعره في بيت شعر
حامل نجدا وغورا منه في ردف وخصر
حبذا ليلة وصل منه بل ليلة قدر
أشرقت عن نور وجه وسنا كاس وثغر
وتعانقنا فما ظن ـك في ماء وجمر
وتعاتبنا فقل ما شئت من نظم ونثر
ثم لما أدبر اللي ـل وجاء الفجر يجري
قال إياك رقيبي بك يدري قلت يدري
وقال لما مسك الفرنسيس وحبس في دار ابن لقمان فخر الدين: [السريع]
قل للفرنسيس إذا جئته مقال صدق عن قؤول فصيح
آجرك الله على ما جرى من قتل عبّاد يسوع المسيح
أتيت مصرا تبتغي ملكها تحسب أن الزّمر يا طبل ريح
فساقك الحين الى أدهم ضاق به عن ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أودعتهم بحسن تدبيرك بطن الصريح
تسعين ألفا لا يرى منهم إلا قتيل أو أسير جريح
وفقك الله لامثالها لعل عيسى منكم يستريح
(٩٠ ب) إن كان باباكم بذا راضيا فرب غش قد أتى من نصيح
فاتخذوه كاهنا إنه أنصح من شقّ لكم أو سطيح
وقل لهم إن أضمروا عودة لأخذ ثأر أو لقصد صحيح
دار ابن لقمان على حالها والقيد باق والطواشي صبيح
ومولده يوم الإثنين ثامن رجب سنة اثنين وتسعين وخمسمائة بأسيوط. ومات ليلة الأربعا
[ ٢٠٨ ]
مستهل شعبان من هذه السنة. ودفن بسفح المقطّم، وأوصى أن تكتب عند رأسه دو بيت نظمه في مرضه، وهو يقول:
أصبحت بقعر حفرة مرتهنا لا أملك من دنياي إلا كفنا
يا من وسعت عباده رحمته من بعض عبادك المسيئين أنا