وفيها مات السلطان العزيز محمد (٤) بن السلطان صلاح الدين يوسف بن السلطان الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، وملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف يوم وفاته وقعد على كرسي المملكة وعمره سبع سنين، وقام بتدبير ملكه جدته لأبيه وهي الست المصونة ضيفة خاتون بنت الملك العادل، ورتبت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه (٥) ثم زوّجه السلطان الملك الكامل بابنته كما تقدم ذكره (٦)، وكان مولد الملك العزيز في ذي الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة، ومات أبوه وهو طفل فنشأ تحت حجر
_________________
(١) يورد ابن واصل فحوى الرسالتين اللتين بعث بهما كل من الملك الأشرف والسلطان الكامل لابن أخيهما الملك الناصر داوود صاحب الكرك لاستمالته كل الى جانبه، انظر مفرج الكروب ٥/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) الغاشية: هي غاشية سرج من أديم مخروزة بالذهب يخالها الناظر جميعها مصنوعة من الذهب تحمل بين يدي السلطان عند الركوب في المواكب الحفلة كالميادين والأعياد ونحوها. صبح الأعشى ٤/ ٧.
(٣) أنظر تفاصيل هذا الاستقبال في مفرج الكروب ٥/ ١٢٦ - ١٢٧ ومختصر أبو الفداء ٣/ ١٥٩ والسلوك ج ١ ق ١ ص ٢٩٥، شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ص ٣١٦، ومن ضمن هذا التكريم أمر السلطان الكامل بإعادة عقد زواج الناصر من إبنته عاشوراء.
(٤) انظر ترجمته في مرآة الزمان ٨/ ٧٠٣، مفرج الكروب ٥/ ١١٤ - ١١٧، مختصر أبو الفداء ٣/ ١٥٨، وفيات الأعيان ٤/ ٩، زبدة الحب ٣/ ٢٢٥، العبر ٥/ ١٣٦، الحوادث الجامعة ص ٩٦، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٩٧، شفاء القلوب ٣٤٠ - ٣٤٢، دول الإسلام للذهبي ٢/ ١٣٨.
(٥) أصل الكلمة «أطابك» ومعناه الولد الأمير وقيل أطابك معناه أمير أب، والمراد أبو الأمراء وهو أكبر الأمراء المقدمين بعد النائب الكافل وليس له وظيفة ترجع الى حكم وأمر ونهي، وغايته رفعة المحل، وعلو المقام، صبح الأعشى ٤/ ١٨.
(٦) من الواضح أن ابن دقماق وقع في نفس الخطأ الذي أشرنا إليه في موضعه سابقا والصواب هو أن زواج الناصر بن العزيز صاحب حلب كان من إبنة خالة أبيه وهي أخت السلطان غياث الدين كيخسرو. راجع زبدة الحلب ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٨٥ ]
الطواشي شهاب الدين [طغرل] (١)، فرتب أموره أحسن ترتيب وقام بدولته القيام العجيب إلى أن ترعرع في سنة تسع وعشرين فاستقل بالأمر وفك عن نفسه الحجز ومات بحلب في يوم الأربعاء رابع عشري (٢) ربيع الأول رحمه الله تعالى (٣).
وفيها توفي الشيخ العلامة المحدث الزاهد الملك المحسن، أحمد (٤) بن السلطان (٢٢ ب) الكبير الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب وله سبع وخمسون سنة رحمه الله تعالى.
وفيها مات السلطان علاء الدين كيقباذ (٥) بن كيخسرو ابن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج ابن سليمان بن قتلمش ابن سلجوق ملك الروم، كان عاقلا شجاعا ميمونا، كسر الخوارزمي وعسكر الكامل واستولى على بلاد الشرق، وزوّجه الملك العادل إبنته وأولدها، وكان عادلا مهيبا ما وقف له مظلوم إلا وكشف ظلامته، ونقل بعض مؤرخي بغداد قال:
أخبرت أنه لما ملك كيكاوس (٦) بلاد الروم حبس لهذا كيقباذ بعد أن قيّده، ولما حضرته الوفاة أحضره من محبسه وفك قيده وأحسن إليه وعهد له بالملك بعد وفاته وأوصاه على أولاده، وكانوا صغارا، وأخذ له المواثيق والإيمان على العسكر وأعيان دولته، وكانت وفاة السلطان كيقباذ في سابع شوال من هذه السنة.
وفيها مات أبو داوود سليمان (٧) بن مسعود ابن الحسن ابن أحمد الطوسي الحلبي الشاعر، كان لطيف الروح مقتدرا (٨) على النظم فمن ذلك قوله: [الطويل]
ألا زد غراما بالحبيب وداره وإن لجّ واش فاحتمله وداره
_________________
(١) الزيادة من المصدر السابق ص ١٧٥ والحوادث الجامعة ص ٩٦.
(٢) كذا في الأصل، والصواب الرابع والعشرين.
(٣) قارن التشابه في الايراد في مرآة الزمان ٨/ ٧٠٣.
(٤) ترجمته في العبر ٥/ ١٣٦. قال عنه الذهبي: «كان متواضعا متزهدا كثير الأفضال على المحدثين وفيه تشيع «قليل». وانظر أيضا في شفاء القلوب ص ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٥) أورد العبري بشيء من التفصيل سبب وفاة السلطان علاء الدين كيقباذ. أنظر تاريخ مختصر الدول ص ٢٥٠، وانظر أيضا أخباره في مرآة الزمان ٨/ ٧٠٣، الحوادث الجامعة ص ٩٧، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٩٧، دول الاسلام للذهبي ٢/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٦) هو عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقي سلطان قونية وأقصرا وملطية وهو أخو السلطان علا الدين كيقباذ، قال عنه الذهبي: «كان ظلوما غشوما سفاكا للدماء» توفي سنة ٦١٥ هـ / ١٢١٨ م العبر ٥/ ٥٧.
(٧) ترجمته في أعلام النبلاء ٤/ ٣٩٦ والشذرات ٥/ ١٦٤.
(٨) في الأصل: مقتدر.
[ ٨٦ ]
وإن قدح اللوام فيك بلومهم زناد الهوى يوما فأورى فواره
عسى زوره تشفى بها منك خلسة فإنك لا يشفيك غير ازدياره
(٢٣ أ) ووجه يضاهي البدر عند كماله بعيد المدى من نقصه وسراره
فلا بدر إلا ما بدا من جيوبه ولا غصن إلا ما انثنى في إزاره
فسبحان من أجرى الطلا من رضابه ومن انبت الريحان في جلّناره
وقد دبّ عنها صدغه بعقارب وناظره من سيفه بشفاره
وكانت وفاته بحلب تاسع عشر صفر سنة تاريخه.
وفيها مات الشيخ الإمام العالم، ناصح الدين عبد الرحمن (١) ابن نجم [الدين] (٢) بن عبد الوهاب الحنبلي، مولده بدمشق ونشأ بها وقرأ القرآن وقدم بغداد، فتفقه على أبي الفتح (٣) ابن المنى، وسمع الحديث من شهدة (٤) وطبقتها، وعاد الى دمشق ووعظ وصنف الكتب.
قال أبو (٥) المظفر: ورأيت بخط ابنه (٦) فهرست تصانيفه، الإيجاد في الجهاد و«المقامة الدمشقية» و«الإجماع والنص والقياس في فضائل بني العباس» و«الفروق في التفسير والفروق في اللغة»، و«الحدائق في الوعظ»، و«الجدل والأقيسة والخطب»، و«شرح اسماء الله الحسنى»، و«أسباب الحديث»، و«مختارات من المسند والبخاري ومسلم» وغير ذلك. وكانت وفاته غرّة المحرم ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ترجمته في مرآة الزمان ٨/ ٧٠٠ ومن المرجح أن ابن دقماق نقل ترجمته عنه وانظر ترجمته أيضا في ذيل الروضتين ص ١٦٤، العبر ٥/ ١٣٨، البداية والنهاية ١٣/ ١٤٦، الشذرات ٥/ ١٦٤، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣، دول الاسلام للذهبي ٢/ ١٣٧.
(٢) التكملة من مرآة الزمان.
(٣) هو أبو الفتح نصر بن فتيان بن المنى، كان فقيها محدثا، مولده سنة ٥٠١ هـ / ١١٠٧ م ووفاته سنة ٥٨٣ هـ / ١١٨٧ م راجع وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٤.
(٤) هي شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الأبري الكاتبة، الدينورية الأصل البغدادية المولد والوفاة. كانت من العلماء وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير، كانت وفاتها سنة ٥٧٤ هـ / ١١٧٨ م. المصدر السابق ٢/ ٤٧٧.
(٥) في الأصل: ابن، وهو أبو المظفر يوسف بن قزأغلي المعروف بسيط ابن الجوزي صاحب كتاب مرآة الزمان، قارن ما جاء من قوله في المرآة ٨/ ٧٠٠.
(٦) في الأصل: ابنته، التصويب من المصدر السابق.
[ ٨٧ ]
وفيها مات أبو الحسن علي بن كثير (١) العامري الشاكري من أهل قرية من قرى واسط له شعر فائق ونظم رائق، فمن ذلك قوله: [الكامل]
أيروم هذا القلب بئر (٢) جراحه وسيوف لحظك تنتفي لكفاحه
يا مستبيح دم المتيّم عامدا أنسيت يوم البعث حمل جناحه
(٢٣ ب) نظري الذي بالحسن قد أفسدته إفساده في الحسن غير صلاحي
حتّام تطرف طرف عيني بالبكا وإلآم طرفي مولع بطماحه
يا ويح مودع سرّه في جفنه فلقد أراد الستر من فضّاحه
ليت الحبيب غداة أثمر خدّه لم ينه عيني عن جنى (٣) تفاحه
يا لائم المشتاق تبغي نصحه مر بالهوى لتكون من نصّاحه
أو ما هو الرّشأ الذي خلخاله يشكو به (٤) اضطراب وشاحه
يفتر عن شنب تلألأ نوره كالروض لاح إليك نور أقاحه
ويدير ناظره فيسكرنا فقل رشا ينوب بعينه عن راحه
ومولده سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة.
وفيها مات أبو العباس محمد بن قراطاي (٥) بن عبد الله الإربلي، كان شابا حسن الصورة، مهيبا من أمراء مظفر الدين صاحب إربل، أقام بإربل إلى أن مات مظفر الدين فرحل عنها ورحل الى حلب فأكرمه الملك العزيز وأقرّه على الإمره وأحسن إليه غاية الإحسان.
اشتغل بالأدب فحصل منه طرفا جيدا، وله نظم فمنه قوله: [المنسرح]
بورد خدّيك إنه قسم صلني فقد شفّ جسمي السّقم
يا صنما ظل فيه عابده كم من دم قد أرقت يا صنم
منحتني بالخيال مختلسا يا ليت عمري بأسره حلم
(٢٤ أ) لله من غادر محاسنه متى من العاشقين ينتقم
_________________
(١) لم أقف على ترجمة له في المصادر المتوفرة لديّ.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) في الأصل: جنا.
(٤) مقدار كلمة فراغ في الأصل.
(٥) ترجمته في الوافي ٤/ ٣٥٣، تاريخ الإسلام للذهبي، الطبقة الرابعة والستون:١٩٩ (رقم ٢٨٨).
[ ٨٨ ]
يقول قوم كأنه غصن من أين للغصن ربقه الشم
أفديه نشوان فوق وجنته نور ونار في القلب يضطرم
يا لائمي خلّ ويك عن عذلي فإن لومي في حبّه ألم
وقوله: [الكامل]
يا أيها الشاكي السلاح وطرفه عن سهمه وحسامه يغنيه
الصبّ أولى أن يكون مدرّعا لسهام مقلتك التي ترميه
وفيها مات محيي الدين أبو عمرو عثمان (١) بن الحسن بن علي بن محمد الجميّل بن فرح بن خلف بن موسى بن مزلال من ملاّل ابن بدر ابن أحمد دحية بن خليفة ابن فروة الكلبي المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي الحافظ، في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأول بالقاهرة ودفن بسفح المقطّم، وكان أسن من أخيه أبي الخطاب عمر المقدم ذكره، كان حافظا للغة العرب إماما فيها ولما عزل الملك الكامل أبو (٢) الخطاب عن دار الحديث التي أنشأها بالقاهرة رتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور، فلم يزل بها إلى أن مات.