وفيها مات الملك الأشرف أبو الفتح موسى شاه أرمن (٧) بن السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، مولده بالقاهرة وقيل بقلعة الكرك في سنة ست وسبعين وخمسمائة، وقيل إنه ولد قبل أخيه المعظم بثلاثة أيام، وكان في مبدأ أمره بالقدس تحت حكم ابن الزنجبيلي عثمان وتقلبت به الأحوال حتى صار شاه أرمن وكسر المواصلة والروم والخوارزمي. وكان جوادا عادلا سخيا، لو كانت الدنيا بيده ودفعها لأقل الناس ما استكثرها له. وكان ميمون
_________________
(١) شمس الدين محمد بن الحسين الارموي، في السلوك ج ١، ق ٢، ٢٧٣.
(٢) في الأصل: قاضي.
(٣) في الأصل: الجويني وهو خطأ، التصويب من المصدر السابق، والخويي نسبة الى خوى وهي بلد من أعمال أذربيجان، معجم البلدان ٢/ ٥٠٢.
(٤) في الأصل: وكان.
(٥) يورقون المكاتيب وغيرها في السلوك ج ١ ق ٢، ص ٢٧٣.
(٦) كذا في الأصل، والصواب يستشهدونهم.
(٧) شاه أرمن لقب أطلق على حكام خلاط، أنظر شفاء القلوب ص ٢٩١، وقارن ترجمته في مرآة الزمان ٨/ ٧١١ التي يبدو انها منقولة عنه في أكثرها وراجع أيضا ترجمته في: وفيات الأعيان ٥/ ٣٣٠، مفرج الكروب ٥/ ١٣٧ - ١٤٥، الحوادث الجامعة ص ١٠٥، العبر ٥/ ١٤٦، مرآة الجنان ٤/ ٨٧ - ٨٨، البداية والنهاية ١٣/ ١٤٦، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٠٠، الشذرات ٥/ ١٧٥ وشفاء القلوب ص ٢٩٠ - ٢٩٨.
[ ٩١ ]
الطلعة (١) ما كسرت له راية قط، ولما أيقن بالموت أخذ بعض مماليكه صنجقه (٢) فكسره وقال: ما يحمله غيره، فقال: لا تفعل فو الله ما كسر قط.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): أعتق مماليكه وجواريه وكان عفيفا عن المحارم ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته، وبنى (٤) مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق وزخرفه، وكان عاقدا مقامه فيه، والمسجد (٥) الذي خارج باب النصر، وجامع العقيبة (٦) وكان خان فسق (٢٦ أ)، فاشتراه وهدمه وبناه جامعا، ومسجد القصب (٧) خارج باب السلامة، وجامع بيت الآبار (٨)، ودار الحديث الاشرفية (٩) وأوقف عليها الأوقاف وزاد وقف دار الحديث النورية (١٠) وغير ذلك. وكان حسن الظن بالفقراء يحسن اليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال، وكان طول [ليالي] (١١) رمضان لا يغلق باب القلعة وجفان (١٢) الحلوى خارجة الى الجامع والزوايا والربط والى الجبل وغيره، وكان إنعامه شاملا للخاص والعام. وكان مرضه في رجب من مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل، وقوى عليه الذّرب (١٣) [فكان يتحامل إلى
_________________
(١) في مرآة الزمان ٨/ ٧١١، ومفرج الكروب ٥/ ١٤٠: «ميمون النقيبة» أي مبارك النفس، لسان العرب ١/ ٧٦٨ مادة «نقب».
(٢) كذا في الأصل والصواب سنجق، والسنجق باللغة العربية معناه الطعن وسميت الراية لأنها تكون في أعلى الرمح والرمح هو آلة الطعن، صبح الأعشى ٢/ ١٣٤.
(٣) انظر مرآة الزمان ٨/ ٧١١ و٧١٤.
(٤) في الأصل بنا وعند النعيمي: «وجدد مسجد الدرداء»، الدارس ٢/ ٢٩٣.
(٥) هو مسجد دار السعادة، المصدر السابق ص ٤٢٠.
(٦) يعرف سابقا بخان الزنجبيلي، كانت تباع فيه الخمور وترتكب فيه الفواحش فهدمه الملك الأشرف وبنى موضعه جامعا وسماه جامع التوبة. المصدر السابق ص ٤٢٦ وانظر مفرج الكروب ٥/ ١٤٣.
(٧) هو مسجد قديم على بابه قناه وموضوعه عند رأس زقاق سطرا فيه رؤوس الصحابة ﵃، أنظر: الدارس ٢/ ٢٩٢ و٣٤٦.
(٨) جمع بئر وهي قرية يضاف إليها كورة من عوطة دمشق فيها عدة قرى خرج منها غير واحد من العلما، معجم البلدان ١/ ٧٧٥.
(٩) بنى الملك الأشرف دارين للحديث هما: دار الحديث الجوانية جوار باب القلعة الشرقي، الدارس ١/ ١٩ ودار الحديث البرانية بسفح جبل قاسيون، المصدر السابق ص ٤٧.
(١٠) نسبة الى بانيها السلطان نور الدين محمود بن زنكي (٥١١ - ٥٦٩ هـ) وهو أول من بنى دارا للحديث بدمشق، المصدر السابق ص ٩٩.
(١١) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧١٤.
(١٢) الجفان: جمع جفنة وهي الآنية التي يوضع فيها الطعام. صبح الأعشى ٢/ ١٣٨.
(١٣) هو الداء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ويفسد فيها ولا تمسكه. لسان العرب ١/ ٣٨٥ مادة ذرب.
[ ٩٢ ]
أن غلب، فلما أيس من نفسه] (١) قال (٢) لوزيره جمال الدين ابن جرير: في أي شيء تكفنوني؟ فقال: حاشاك [من ذلك] (٣) فقال: دعني من هذا [فما بقي فيّ قوة تحملني أكثر من نهار غد وتواروني] (٤)، وكان عماد الدين ابن موسك حاضرا فقال له: قم وأحضر الوديعة، فقام عماد الدين ومضى وعاد ومعه مئزر صوف أبيض يلوح منه أنوار الرضى، ففتحه فإذا فيه خرق الفقراء [الشيوخ] (٥) [وطواقي الأولياء] (٦) وكان في الثياب إزار الرضى، ففتحة فإذا في قراطيس (٧)، فقال هذا يكون على جسدي، فإن صاحبه كان من الأبدال (٨). ومات يوم الخميس رابع المحرم، ودفن بالقلعة، ثم نقل الى تربته بالكلاسة في جمادى الأول.
قال أبو المظفر (٩): وحكى لي الفقيه محمد اليوناني (١٠) ببعلبك قال: حكى لي فقير صالح من جبل لبنان قال: لما مات الأشرف رأيته في المنام وعليه ثياب خضر وهو يطير بين السماء والأرض مع جماعة من الأولياء؛ فقلت له: يا موسى إيش تعمل مع هؤلاء أنت كنت تفعل في الدنيا وتصنع فالتفت اليّ وتبسم وقال: الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل [في الدنيا] (١١) تركناه عندكم والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم.
وكان له نظم حسن فمنه ما كتبه للديوان العزيز وقد مات علي ولده، يعزيه بهذه الأبيات: [السريع]
خليفة الله اصطبر واحتسب فما وهى البيت وانت العماد
_________________
(١) التكملة من مرآة الزمان ص ٨١٥.
(٢) في الأصل: فقال.
(٣) التكملة من المصدر السابق.
(٤) التكملة من المصدر السابق.
(٥) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧١٥.
(٦) زيادة في النص ليس لها وجود في الأصل عند ابن الجوزي.
(٧) مفرده قرطاس وهو برد مصري. محيط المحيط ص ٧٢٨.
(٨) الأبدال: قوم من الصالحين بهم يقيم الأرض أربعون في الشام وثلاثون في سائر البلاد لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخر فلذلك سمو أبدالا. لسان العرب ١١/ ٤٩ مادة بدل.
(٩) أنظر مرآة الزمان ٨/ ٧١٦.
(١٠) اليوناني نسبة الى قرية من قرى بعلبك (أنظر معجم البلدان ٥/ ٤٥٣ طبعة دار صادر بيروت) وأغلب المصادر تذكر نسبه باليونيني وهو الفقيه. أبو عبد الله محمد اليونيني شيخ بعلبك كان مقربا من ملوك عصره كالأشرف والكامل. وصنف شيئا كثيرا في المعراج وتوفي في بعلبك سنة ٦٥٨ هـ / ١٢٦٠ م، راجع ترجمته في البداية والنهاية ١٣/ ٢٢٧ ودول الاسلام للذهبي ٢/ ١٦٤ ومعجم المؤلفين ٨/ ٢٨٢.
(١١) التكلمة من مرآة الزمان ٨/ ٧١٦.
[ ٩٣ ]
أنت سماء طلعت زهرها لا ينقص الأمل منها عداد
ولا يضر البحر يوما إذا ما سال من نحو نواحيه واد
وله في مملوك يلقب بالقاضي [الدوبيت]
يا من درس العلم على مذهبنا قد جئتك في مسألة ممتحنا
ما قولك في خمر إذا حلّلها قاض وأدارها بكفيه لنا
وله في مملوك واقف في الشمس [البسيط]
وغصن بان قلوب الناس في خطر من وصل مقلته إن مال أو خطرا
راعته شمس بدا من حرّها لهب في صحن وجنته فانحاز مستترا
فقلت حسبك لا يخشى اجتماعكما فالشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
وله دو بيت:
لولا هيف القدّ وغنج المقل ما كنت تجرعت كؤوس العذل
في حب مقرطق من الترك يلي أمري وأناله وإن أصبح لي
وقوله:
أهوى (١) قمرا تحار فيه الصّفة يسخو بدمي وهو أمين ثقة
(٢٧ أ) ماذا عجب يحوط مالي ويرى روحي تلفت به ولا يلتفت
ولما مات الأشرف، ركب الصالح اسماعيل وتسلطن (٢) بدمشق ومشت الأمراء في ركابه وأسد الدين (٣) صاحب حمص الى جانبه وعز الدين أيبك (٤) قد حمل الغاشية بين يديه واستمر
_________________
(١) أفدي، في الحوادث الجامعة ص ١٠٦.
(٢) أنظر خبر ذلك في مفرج الكروب ٥/ ١٤٧ والسلوك ج ١ ق ١ ص ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٣) هو أسد الدين شيركوه الحفيد ابن ناصر الدين محمد بن شير كوه، ملك حمص بعد وفاة والده سنة ٥٨١ هـ / ١١٨٥ م. راجع وفيات الأعيان ٢/ ٤٨٠.
(٤) «عز الدين أيبك المعظمي صاحب صرخد في مفرج الكروب ٥/ ١٥١.
[ ٩٤ ]
ملكه، وجاءت الأخبار بوصول التتار الى دقوقاء (١) فصادر الصالح اسماعيل جماعة من أهل دمشق اتهمهم بالميل للملك الكامل وأخذ جميع مالهم وحبس [أولاد] (٢) مزهر ببصرى (٣) [فأقاما مدة سنين ومات أحدهما في الحبس] (٤) مقيدين وأخرج الشيخ علي الحريري [من قلعة عزاز] (٥) ومنعه من دخول دمشق.
وفيها حضر فخر الدين ومحيي الدين أخوه الملك الاشرف الى عند الكامل وأخبروه أن أخوهم الصالح اسماعيل تملك دمشق بوصية من الأشرف، فتجهّز السلطان الملك الكامل بعساكره وخرج لأخذ دمشق (٦)، فلما قرب إليها قسّم الصالح اسماعيل الأبراج على الأمراء وحصنها وغلقت أبوابها، ووصل عز الدين أيبك من صرخد وجاء الكامل فنزل عند مسجد القدم وقطع المياه عن دمشق، واشتد الحصار (٧) وغلت الأسعار، ونصبوا على الأبواب المناجيق وسدّوا الأبواب جميعا إلا باب الفرج وباب النصر وردّ الكامل ماء بردى (٨) الى ثورا (٩)، وأحرق الصالح (١٠) العقيبة والطواحين (١١)، وزحف الناصر داوود الى باب توما (١٢) وعلق النقوب فيه، ولم يبق إلا فتح البلد، وقتل الأمير سيف الدين أبو بكر بن جلدك على حصار دمشق، فأرسل الصالح اسماعيل يسأل أخاه (١٣) الكامل أن يعطيه بعلبك وأعمالها مع
_________________
(١) في الأصل: دقوقا، ودقوقاء مدينة بين إربل وبغداد معجم البلدان ٢/ ٥٨١.
(٢) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧١٦.
(٣) بصرى: من أعمال دمشق وهي قصبة كورة حوران مشهورة عند العرب قديما وحديثا، معجم البلدان ١/ ٦٥٤.
(٤) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧١٦.
(٥) التكملة من المصدر السابق ص ٧١٧، وعزاز بليدة فيها قلعة شمالي حلب، معجم البلدان ٣/ ٦٦٧.
(٦) عند ابن العميد ما يشبه ذلك، أنظر في: B .E .O،T .XV .P .١٤٣
(٧) حول تفاصيل حصار الكامل لدمشق أنظر: مفرج الكروب ٥/ ١٥٠ - ١٥٢، زبدة الحلب ٣/ ٢٣٥، شفاء القلوب ص ٣١٨.
(٨) في الأصل: بردا وهو أعظم أنهر دمشق فخرجه من قرية يقال لها قنوا من كورة الزبداني على بعد خمسة فراسخ من دمشق، معجم البلدان ١/ ٥٥٦.
(٩) ثورا: أحد متفرعات نهر بردى، المصدر السابق ص ٥٥٧.
(١٠) في الأصل الكامل وهو خطأ لأن الذي أمر بحرق العقيبة والطواحين هو الملك الصالح اسماعيل. أنظر خبر ذلك في مرآة الزمان ٨/ ٧١٧ ومفرج الكروب ٥/ ١٥١ والمختصر في أخبار البشر ٣/ ١٦٠، شفاء القلوب ص ٣١٨.
(١١) العقيبة والطواحين من أحياء دمشق، أنظر زبدة الحلب ٣/ ١٥٠. حاشية رقم (١) والسلوك ج ١ ق ١ ص ٢٩٨.
(١٢) باب توما أو توماء: أحد أبواب مدينة دمشق، معجم البلدان ١/ ٤٤٣.
(١٣) في الأصل: أخيه.
[ ٩٥ ]
خزه المتقرر (١) (٢٧ ب) بيده من أيام والده وهو بصرى وأعمالها والسّواد (٢) وبلاده فأجابه الى ذلك وحلفا جميعا، فتسلم السلطان الملك الكامل دمشق ودخل إليها في العشر الأول من شهر جمادى الأولى (٣) من هذه السنة، وأمر بنقل الأشرف من دار رضوان الى تربته بالكلاسة، وتوجه الصالح اسماعيل الى بعلبك.
وفيها توجه السلطان الملك الكامل لحصار حماة وحمص، فلما بلغ المجاهد (٤) صاحب حمص، أرسل رسولا الى سيف الدين ابن قليج (٥) وكان من أكابر أمراء الدولة وعظمائها، وهو يسأله أن يتلطف بالسلطان ويعطفه أن يحسن في تدبير أمره وأن يضمن عنه كلّ ما يختاره الكامل وأن يقرر عليه مالا في كل سنة ثم سير ولده الصالح والحريم يدخلون على الملك الكامل، وسير صحبتهم تقادم كثيرة، فلما وصل الى ابن قليج الخبر، نهض وقام وتدخل وعمل جهده ووصل ولد صاحب حمص والنساء، فلم يصلوا حتى قضى الأمير ابن قليج الشغل وأصلح الحال على أنّه يحمل في كل سنة إلى خزانة السلطان ألفي ألف درهم، فعفا (٦) عنه واستقر الحال على ذلك.