فيها اجتمع الملك الأشرف موسى بأخيه الملك الكامل محمد، وكان الأشرف قد عاين ملك الروم، فرغب الملك الكامل في التوجه لأخذه، فصغى (٤) السلطان الكامل الى قوله وتجهز وخرج في شهور هذه السنة (٥). فلما وصل إلى دمشق، وكان قد أرسل الى ملوك الشام والشرق بتجهزهم، فاجتمعوا على دمشق، فلما تكاملوا، رحل السلطان بمن معه من عساكر مصر والشام وغيرهم فعبر الفرات ونزل الجانب الشرقي من عند قلعة البيرة (٦)، واجتمعوا (٧) الملوك من بني أيوب الى خدمته. وكان عدة الملوك الذين حضروا الى خدمته ثمانية عشر
_________________
(١) في الأصل سود، التصويب من ديوان ابن عنين ص ١١٠.
(٢) مناسبة هذا البيت من الشعر هو مدحه لصفي الدين بن شكر وزير الملك العادل، المصدر السابق ص ٥٢.
(٣) في الأصل: فاعل، التصويب من المصدر السابق.
(٤) في الأصل: فصغا.
(٥) عند ابن العميد ما يشبه ذلك، قارن في B .E .O،T .XV،P .١٤١ وتذكر بعض المصادر التاريخية أن سبب اتفاق الملك الكامل وأخيه الأشرف للخروج لأخذ بلاد الروم يعود الى أن السلطان كيقباذ بن كيخسرو استولى على «خلاط» وانتزعها من نواب الملك الأشرف، انظر: زبدة الحلب ٣/ ٢١٦، مفرج الكروب ٥/ ٧٤، المختصر في أخبار البشر ٣/ ١٥٤، السلوك ج ١ - ق ١ ص ٢٨٧، شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ص ٣١٤.
(٦) هي قلعة حصينة قرب سميساط بين حلب والثغور الرومية، معجم البلدان ١/ ٧٨٧.
(٧) كذا في الأصل والصواب إجتمع.
[ ٥٧ ]
ملكا (١) بعساكرهم ودهاليزهم (٢)، فأعرضهم الملك الكامل، فأعجبه ما رأى منهم وعزت نفسه، وبعد ذلك قعد السلطان مع جماعة من خواصه فقال: إن ملك الروم إن صار لنا وملكناه، عوضنا ملوك الشام والشرق عما بأيديهم وأقطعناهم الروم وجعلت الشام والشرق مضافا الى ملك مصر.
فلما قال ذلك، اتصل الخبر الى ملوك الشام، فأول من ابتدأ بالنفور كان الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، فإنه ركب وتوجه الى السلطان الأشرف موسى، صاحب دمشق، واجتمع به وعرفه ما قاله السلطان الملك الكامل، عند ذلك سير (٧ ب) الأشرف وأحضر اليه بني عمه وأهله وأقاربه ملوك الشام والشرق، فلمّا اجتمعوا أخبرهم الخبر، فقالوا كيف نفارق أماكن ولدنا فيها وأباؤنا وأجدادونا (٣) ونجيء الى ملك الروم.
فاتفقوا وكتبوا كتب (٤) الى عند السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو ملك الروم، فوقعت الكتب في يد السلطان الملك الكامل، عند ذلك رحل من مكانه وخرج من الدربند (٥) وعاد إلى إقليم السويداء (٦) من بلاد الشرق وخيم عليها.
وفيها كان السلطان الملك الكامل قبل دخوله الى الدربند، جهّز الملك المظفّر صاحب حماه، والطواشي شمس الدين صواب، وجماعة من الأمراء والعساكر الى خرتبرت (٧) ليملكوها (٨) ويدخلوا منها إلى بلاد الروم، وكان بخرتبرت عساكر كثيرة من عساكر الروم
_________________
(١) عند ابن العميد ثلاثة عشر ملكا، أنظر في: B .E .O،T .XV،P .١٤١ وفي بعض المصادر التاريخية «ستة عشر ملكا»، أنظر زبدة الحلب ٣/ ٢١٧، مفرج الكروب ٥/ ٧٥، المختصر ٣/ ١٥٤، شفاء القلوب ص ٣١٤.
(٢) الدهليز هو الخيمة التي ترافق السلطان في الحروب: أنظر: Dozy:Supp .Dict .Ar .،V .١، p .٤٦٧
(٣) كذا في الأصل، والصواب اباءنا وأجدادنا.
(٤) كذا في الأصل والصواب كتبا.
(٥) ليس المقصود هنا بلدة الدربند المسماة أيضا باب الأبواب والواقعة على الشاطئ الغربي لبحر قزوين شمال باكو وقبالة تفليس إنما هي لفظ فارسي معناه في الأصل سنبلة من حديد يقفل بها باب الدكان ويقال لها دروند أيضا ثم استعملت كما هنا بمعنى المضيق والطرقات والمقصود بها المعابر الضيقة الواقعة شمال البيرة والنهر الأزرق، راجع السلوك ج ١ - ق ١، ص ٢٨٨ حاشية رقم (٣).
(٦) السويداء: بلدة مشهورة في ديار مضر قرب حرّان. معجم البلدان ٣/ ١٩٧.
(٧) هو اسم أرمني يطلق على حصن زياد في أقصى ديار بكر من بلاد الروم بينه وبين ملطية مسيرة يومين وبينهما الفرات، معجم البلدان ٢/ ٤١٧.
(٨) حول دخول عسكر الكامل الى خرتبرت يذكر كل من ابن الجوزي وابن واصل ان سبب ذلك يعود الى أن صاحب خرتبرت وهو من بني ارتق دخل في طاعته وأشار عليه بالدخول الى بلاد الروم من خرتبرت. أنظر: مرآة الزمان ٨/ ٦٨٤ ومفرج الكروب ٥/ ٧٨ - ٧٩، وأيضا في شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ص ٣١٤.
[ ٥٨ ]
فالتقوهم (١) العساكر المصرية والشامية فكسروهم (٢) واستأسروا منهم خلق كثير، وجهّزهم الملك المظفر والطواشي صواب الى عند السلطان الملك الكامل، ثم ردّت عساكر الروم على عساكر الشام والشرق، فانكسروا واستأسروا الملك المظفر والطواشي صواب وحملوهم عند السلطان علاء الدين صاحب الروم، فعند قدومهم عليه أخلع عليهم وأطلقهم جميعا وأعطاهم خيولا (٣) وجميع ما عدم لهم رده عليهم. فلمّا بلغ السلطان الملك الكامل كسر عساكره وما جرى (٤) على أمرائه (٥)، تزايد حنقه على الملوك أهله، وتغيّر خاطره وزادت الوحشة، عند ذلك رحل الى الديار المصرية، فلمّا وصل اليها مسك المسعود صاحب آمد واعتقله [بحكم انه من جملة من كاتب الروم] (٦).