وفيها كانت الوقعة العظيمة بين الخوارزمية والفرنج، وذلك لما نزل الخوارزمية غزة، (٥٧ ب) بعث اليهم الصالح أيوب الأموال والخلع والخيل والقماش والعساكر، وأمرهم بالنزول على دمشق. فاتفق الصالح اسماعيل والناصر داوود والمنصور صاحب حمص مع
_________________
(١) المعروف بابن الرواس في ذيل الروضتين ص ١٣٧.
(٢) كذا في الأصل والصواب وصار.
(٣) ولم تهدم موضعا ولا أذت مخلوقا، في الحوادث الجامعة ص ١٨٧، وانظر أيضا ما قيل من الشعر في هذه المناسبة في المصدر ذاته. وانظر أيضا مثل هذا الخبر في العسجد المسبوك ص ٥١٨.
(٤) هو قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن نامور بن عبد الملك والنسبة الى خونج أو خونا وهي بلدة من أعمال أذربيجان بين مراغة وزنجان في طريق الري. انظر معجم البلدان ٢/ ٥٠٠. وسوف ترد لاحقا ترجمته في سياق أحداث سنة ٦٤٦ هـ. وحول توليته القضاء انظر السلوك ج ١ ق ٢ ص ٣١٥.
(٥) هو القاضي صدر الدين موهوب بن عمر الجزري. ولد بالجزيرة ٥٩٠ هـ / ١١٩٣ م وتوفي في مصر سنة ٦٦٥ هـ / ١٢٦٦ م. راجع الشذرات ٥/ ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ١٥١ ]
الفرنج على الخوارزمية وعسكر مصر. وكان الصالح اسماعيل قد أعطى للفرنج الشقيف (١) من بلاد المسلمين وصفد وكانت خرابا، فخرج اسماعيل من دمشق ونزل الشقيف [وسلمه إليهم بنفسه] (٢) وجهّز الناصر داوود عساكره من نابلس مع الظهير بن سنقر الحلبي والوزيري.
قال أبو المظفر (٣): وكنت يومئذ بالقدس [والناصر بالكرك] (٤) واجتمعوا بأسرهم على يافا والخوارزمية وعسكر مصر على غزة. وصار (٥) عسكر دمشق تحت أعلام الفرنج، وعلى رؤوسهم الصلبان والقسوس في الاطلاب يصلّبون على المسلمين وبأيديهم كاسات الخمر [يسقونهم] (٦). وساقوا الخوارزمية وعسكر مصر والتقوا على مكان يقال له أريحا (٧) بين عسقلان (٨) وغزة، وكانت الفرنج في الميمنة وعسكر الملك الناصر في الميسرة وابن صاحب حمص في القلب، وكان يوما عظيما لم يجر في الإسلام مثله، فأول ما كسرت الميسرة وهرب الوزيري و[أسر] (٩) الظهير بن سنقر الحلبي وجرح في عينه، وأخذ جميع ما له وأصبح فقيرا، وانهزم ابن صاحب حمص ومالت الميمنة بالفرنج فرأوا القلب والميسرة قد انكسروا وأحاطت بهم الخوارزمية. وكان عسكر مصر قد انهزموا الى قريب العريش ورموا كوساتهم (١٠) وأثقالهم وثبتت الخوارزمية وحصدوا الفرنج حصدا وأسروا (٥٨ أ) منهم ثمان مائة أسير ووصلوا الأسارى الى مصر والظهير معهم وعلقت الرؤوس على أبواب القاهرة وامتلأت الحبوس من الأسرى (١١).
_________________
(١) هي شقيف أرنون مر معنا ذكرها سابقا وعلقنا عليها في سياق أحداث سنة ٦٣٨ هـ.
(٢) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧٤٥.
(٣) قارن في المصدر السابق ص ٧٤٦.
(٤) التكملة من المصدر السابق.
(٥) وساق صاحب حمص وعسكر دمشق تحت أعلام الفرنج، في المصدر السابق.
(٦) التكملة من المصدر السابق.
(٧) فرما، في مرآة الزمان ٨/ ٧٤٦، أما في مفرج الكروب ٥/ ٣٣٨ والسلوك ج ١ ق ٢ ص ٣١٧ بظاهر غزة دون تحديد دقيق للمكان.
(٨) عسقلان: هي مدينة من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين. معجم البلدان ٣/ ٦٧٣.
(٩) التكملة من مرآلآ الزمان ٨/ ٧٤٦.
(١٠) الكوسات: هي صنوجات من نحاس شبه الترس الصغير يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص. أنظر صبح الأعشى ٤/ ٩.
(١١) حول هذه الواقعة، أنظر: مفرج الكروب ٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩، المختصر في أخبار البشر ٣/ ١٧٢، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٢٣، السلوك ج ١ ق ٢ ص ٣١٧.
[ ١٥٢ ]
وجهز الصالح أيوب معين الدين بن الشيخ (١) لحصار دمشق وأقامه مقام نفسه، وأمره أن يقعد على رأس السماط وفي الركوب، وأن يقف الطواشي شهاب الدين رشيد في خدمته استادار، وأن يقف أمير جاندار (٢) والحجاب في خدمته على السماط وفي الركوب. وكتب الى ملوك الخوارزمية أن يسيروا جميعا في خدمته (٣)، فسارت العساكر الى دمشق وحاصروها حصار شديد (٤)، ثم أنّ الصلح وقع على أنّ يسلموا مدينة دمشق والقلعة للصاحب معين الدين على شرط أن يمكنهم من الخروج ولا يتعرض أحد اليهم ولا لشيء من أموالهم، وأن يكون للملك الصالح اسماعيل ما كان له أولا وهي: بعلبك وأعمالها وبصرى وأعمالها [وبلاد السواد جميعه وللملك المنصور مملكته وهي حمص] (٥)، وتدمر وأعمالها والرحبة وأعمالها (٦).
فوقع الاتفاق على ذلك وحلف الصاحب معين الدين ابن الشيخ، ومنعوا الخوارزمية من العبور الى دمشق، وتوجه الصالح والمنصور كل منهم إلى أعماله.
وفيها ولي وزارة العراق، بعد ابن الناقد (٧)، الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي (٨) الرافضي.
وفيها جاء ابن الجوزي (٩) ومعه خلعة للسلطان نجم الدين أيوب، وهي عمامة سوداء وفرجية (١٠) مذهّبة، وثوبان ذهب وسيف مسقط بذهب وعلمان [حرير] (١١)، وحصان وترس ذهبية (١٢).
_________________
(١) معين الدين أبي محمد الحسن بن شيخ الشيوخ صدر الدين بن حموية، في مفرج الكروب ٥/ ٣٤١.
(٢) أمير جاندار: وموضوعها أن صاحبها يستأذن على دخول الأمراء للخدمة ويدخل أمامهم الى الديوان. صبح الأعشى ٤/ ٢٠.
(٣) تشابه في الإيراد مع ابن العميد، قارن في: B .E .O،T .XV،p .١٥٥ وانظر ما يشبه هذا الوصف في السلوك ج ١ ق ٢ ص ٣١٨ - ٣١٩، ومفرج الكروب ٥/ ٣٤١.
(٤) كذا في الأصل والصواب حصارا شديدا.
(٥) التكملة من ابن العميد في المصدر السابق.
(٦) في السلوك وعند ابن العميد في المصدرين السابقين تدمر الرحبة دون ذكر كلمة أعمالها.
(٧) هو نصير الدين ابن الأزهر أحمد بن محمد بن علي بن الناقد سوف ترد ترجمته لاحقا في سياق أحداث هذه السنة أي ٦٤٢ هـ.
(٨) حول خبر توليه ابن العلقمي أنظر: السلوك ج ١ ق ٢ ص ٣٢٠ والبداية والنهاية ١٣/ ١٦٤.
(٩) هو محيي الدين ابن الجوزي، أنظر السلوك ج ١ ق ٢، ص ٣١٩.
(١٠) الفرجية: رداء يلبس فوق الثياب. محيط المحيط ص ٦٨١.
(١١) التكملة من السلوك، ص ٣١٩.
(١٢) بعض المصادر الايوبية تشير الى هذا الخبر في سياق أحداث سنة ٦٤٣ هـ خلافا لما أورده ابن دقماق والمقريزي في هذه السنة أي ٦٤٢ هـ أنظر: مفرج الكروب ٥/ ٣٥١، مرآة الزمان ٨/ ٧٥٥ والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٢٥.
[ ١٥٣ ]
وفيها عزل القاضي الرفيع [الجيلي] (١) عن مدارسه، وكان ذلك (٥٨ ب) في أواخر السنة الماضية، وسبب عزله وقتله، الوزير السامري (٢)، فإن الرفيع كتب الى الصالح اسماعيل: «قد حملت الى خزانتك ألف ألف دينار من أموال الناس»، فقال السلطان «ولا ألف ألف درهم»، وأوقف السامري على ورقة الرفيع، وكان الله تعالى قد سخر الصالح اسماعيل للسامري فلو قال له مت لقال لداعي الموت أهلا ومرحبا ليكون سببا لهلاكه ودماره، فأنكر السامري، فقال الرفيع أنا أقابله، فقال السامري للصالح اسماعيل هذا الرفيع قد أكل البلاد وأقام علينا الشناعات والمصلحة عزله ليتحقق الناس أنك ما أمرته بهذه الأشياء، فعزل عن القضاء أول السنة، وأخذت مدارسه وفوّض أمرها الى الشيخ تقي الدين ابن الصلاح (٣) وأعطى العادلية للقاضي كمال الدين عمر ابن بندار التفليسي (٤) صهر الخوئي، والشامية [البرانيّة] (٥) للشيخ تقي الدين ابن زين الدين الحموي، والعذراوية لمحيي الدين ابن الزكي، والأمينية (٦) لابن عبد الكافي، وغيّب الرفيع فلا يدري ما فعله به، واستقل محي الدين ابن الزكي بالقضاء واستناب الصدر بن سني الدولة (٧)، وحكم محيي الدين بإسقاط شهادات أصحاب الرفيع، العز ابن القطان والزين ابن الحموي والجمال ابن سيدة والموفق الواسطي [والنصير ابن قاضي بعلبك] (٨) وسالم المقدسي وابنه محمد، لما فعلوه بالمسلمين وأكلهم أموال الناس بالباطل. قال (٩): وكانت المحنة الكبرى والطامة العظمى بالواسطي (١٠)
_________________
(١) الاضافة لزيادة الايضاح.
(٢) هو الوزير أمين الدولة أبو الحسن، كان سامريا ببعلبك فأسلم في الظاهر. راجع الشذرات ٥/ ٢٤١.
(٣) هو الشيخ الفقيه الإمام مفتي الشام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح، توفي بدمشق بدار الحديث الأشرفية سنة ٦٤٣ هـ. راجع ذيل الروضتين ص ١٧٥ - ١٧٦.
(٤) هو كمال الدين التفليسي أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر الشافعي أبو حفص. ولد بتفليس وجالس أبا عمر بن الصلاح ولي القضاء بدمشق نيابة وكان محمود السيرة وكان مدرس العادلية. توفي بالقاهرة ٦٧٢ هـ. راجع الشذرات ٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٥) التكملة من البداية والنهاية ١٣/ ١٦٢ وهي المدرسة التي أنشأتها الخاتون ست الشام أخت الملك الناصر صلاح الدين ودفنت فيها سنة ٦١٦ هـ، أنظر النعيمي، الدارس ١/ ٢٧٧.
(٦) الأمينية: نسبة الى أمين الدولة كمشتكين المتوفي سنة ٥٤١ هـ وهو نائب قلعة بصرى وقلعة صرخد وموقع هذه المدرسة قبلي باب الزيادة من أبواب الجامع الأموي المسمى قديما بباب الساعات. أنظر النعيمي، الدارس ١/ ١٧٧.
(٧) هو قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن الدمشقي الشافعي ابن سني الدولة. توفي ببعلبك سنة ٦٥٨ هـ. راجع الوافي ٨/ ٢٥٠ والشذرات ٥/ ٢٩١.
(٨) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧٤٥.
(٩) القول هنا لأبي المظفر ابن الجوزي الذي نقل عنه ابن دقماق الخبر، قارن ذلك في مرآة لزمان ٨/ ٧٤٤ - ٧٤٥، وانظر ما يشبه ذلك في مفرج الكروب ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(١٠) في الأصل: والموفق الواسطي، التصويب من مرآة الزمان ٨/ ٧٤٥. وهو حسين بن عمر بن عبد الجبار الواسطي المعروف =
[ ١٥٤ ]
الملقب بالموفق، فإنه أهلك الحرث والنسل، فأهلك الله ذلك الرهط (٥٩ أ) عن آخره.
وفيها ورد كتاب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يقول بأنني قررت على أهل الشام قطيعة [للتتار] (١) في كل سنة، على الغني عشرة دراهم وعلى المتوسط الحال خمسة دراهم وعلى الفقير درهمان. وقرأ محيي الدين ابن الزكي الكتاب على الناس، وشرعوا في الجباية.
وفيها في ثامن ربيع الأول استدعي استاذ الدار، مؤيد الدين محمد العلقمي وولي الوزارة ببغداد عوضا عن ابن الناقد بحكم وفاته، وكان هذا الوزير فاضلا، لكن كان السبب في مكاتبة التتار، وفعل في حق المسلمين ما لا يمكن شرحه (٢) فنسأل الله حسن الخاتمة.
وفيها في سابع عشري ذي الحجة، وصلت الأخبار الى بغداد على أجنحة الطيور أنّ الملاعين التتار دخلوا شهرزور (٣)، وخرج عنها صاحبها فلك الدين محمد بن سنقر (٤).