فيها اتفق (٦) الناصر داوود والصالح نجم الدين أيوب وأخرجه من الحبس، لكنه كان عنده لا يركب إلا ومعه جماعة موكلين به، فبلغ الملك العادل ذلك فأمر بخروج الدهليز وخروج العساكر، وخرج السلطان الملك العادل الى بلبيس (٧) وخيم عليها، وكان قصده التوجه الى حصار الكرك لعله ينال قصده من أخوه (٨) ومن ابن عمه. فلما نزل السلطان بلبيس أتفق جماعة من الأمراء ومماليك (٩) السلطانة الكبار والخدم على خلع السلطان الملك العادل، والذي قام في ذلك الأمر عز الدين أيبك الفائزي (١٠) والطواشي، صفي الدين جوهر النوبي، ووافقهم على ذلك جماعة كثيرة، وهجموا على السلطان وقبضوا عليه وقيّدوه وخلوه
_________________
(١) في الأصل: الليسع، التصويب من المصادر السابقة.
(٢) راجع ترجمته في الحوادث الجامعة ص ١١٥، العبر ٥/ ١٤٨، الشذرات ٥/ ١٨٠، العسجد المسبوك ص ٤٨٥، وأيضا في مرآة الزمان ٨/ ٧٣٠، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣١٥ حيث وردت ترجمته في سياق أحداث سنة ٦٣٧ هـ.
(٣) الملك المعظم عيسى بن العادل في النجوم الزاهرة.
(٤) ماردين: هي قلعة مشهورة على قمة جبل الجزيرة مشرفة على دنيسر ودارا ونصبين. معجم البلدان ٤/ ٣٩٠.
(٥) أنظر تفاصيل ذلك في الحوادث الجامعة ص ١١٦ - ١١٧.
(٦) حول هذا الاتفاق انظر تفاصيل ذلك في مفرج الكروب ٥/ ٢٥٧ - ٢٥٩، السلوك ج ١ ق ٢، ص ٢٩٤، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣١٠.
(٧) بلبيس: مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام، معجم البلدان ١/ ٧١٢.
(٨) كذا في الأصل والصواب أخيه.
(٩) في الأصل: والمماليك.
(١٠) عز الدين أيبك الاسمر مقدم الاشرفية، في السلوك ص ٢٩٥ وأيضا في مفرج الكروب ص ٢٦٣.
[ ١١٥ ]
داخل خركاه (١)، وشرعوا الدهليز ورتبوا حول الدهليز جماعة رجالة وخيالة يحفظوه (٢) ليل نهار، فبلغ ذلك الى الأمراء الأكابر والأكراد، فأرادوا النهوض في خلاصة، عند ذلك ركب الخدام ومن معهم (٣٨ أ) وقصدوا نهب الأمراء وطاقاتهم. فلما رأوا (٣) الأمراء ذلك كاسروا عما أرادوا يفعلوه.
وفيها كتبوا (٤) الخدام ومن كان معهم، كتابا الى السلطان الملك نجم الدين أيوب يسألوه (٥) سرعة الحضور، وعرفوه ما جرى جميعه وحلفوا له جميعا، وكتبوا الى السلطان الملك الناصر داوود يسألوه حضوره صحبة السلطان. فلما وصلت الكتب الى الكرك ووقف الناصر داوود على ذلك، أوقف عليه السلطان الملك الصالح وتحالفا على ما اتفقا عليه وتعاهدا وركبا بجماعة كثيرة وتوجهوا نحو الديار المصرية.
قال أبو المظفر (٦): حكى الي الصالح نجم الدين، قال: ما قصدت بمجيء الناصر معي إلا خوفا أن تكون معمولة (٧) علي ومنذ فارقنا غزة تغير علي، ولا شك أنّ بعض أعدائي أطمعه في الملك، فذكر لي جماعة من مماليكي أنّه تحدث معهم في قتلي، وليلة نزلنا بلبيس، شرب وشطح الى العادل، فخرج من الخركاه، وقبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني. فقال يا خوند (٨) التوبة، فقال: طيب قلبك الساعة أطلقك، ثم قال الصالح وجاء ودخل علي الخيمة ووقف فقلت له: بسم الله اجلس، فقال ما أجلس حتى تطلق العادل، فقلت له: اقعد وهو يكرر الحديث [فسكت] (٩) ولو أطلقته لضرب (١٠) رقابنا كلنا، فنام، فما صدقت بنومه، فقمت في باقي الليل فأخذت العادل في
_________________
(١) في الأصل الكلمة غير واضحة في النص، التصويب من النجوم الزاهرة، وابن العميد في: B .E .O .T .XV .P .١٤٧ والخركاه: هي بيت من خشب مصنوع على هيئة مخصوصة ويغشى بالجوخ ونحوه، تحمل في السفر لتكون في الخيمة للمبيت في الشتاء لوقاية البرد. صبح الأعشى ٢/ ١٣٨.
(٢) كذا في الأصل والصواب يحفظونه.
(٣) كذا في الأصل والصواب رأى.
(٤) كذا في الأصل والصواب كتب، وحول الأسباب التي دعت الماليك لمكاتبة الملك الصالح نجم الدين أيوب انظر تفاصيل ذلك في مفرج الكروب ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، ابن العميد في. B .E .O .،T .XV .P .١٤٧: والسلوك ج ١ ق ٢، ص ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٥) كذا في الأصل والصواب يسألونه.
(٦) قارن ذلك في مرآة الزمان ٨/ ٧٢٨:
(٧) في الأصل: معمولية، التصويب من المصدر السابق.
(٨) أصل الكلمة فارسية: خداوند ومعناها السيد، أنظر محيط المحيط ص ٢٦١.
(٩) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧٢٩.
(١٠) في الأصل: ضربت، التصويب من المصدر السابق.
[ ١١٦ ]
محفة ودخلت به القاهرة. ولما دخلت القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت إلي مع غلماني (٣٨ ب) وكان وصول الصالح الى بلبيس يوم الأحد رابع عشري ذو القعدة، فنزل في خيمة العادل والعادل محبوس في خركاه.
وفيها تملك الثامن من بني أيوب وهو السلطان الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن أيوب بن شادي ابن مروان. تملك الديار المصرية وما أضيف اليها يوم الجمعة (١) وجلس على التخت وحلفوا (٢) له الأمراء واستقر أمره، أحضر أخوه العادل وسأله عن موجب خلعه ومن كان السبب فيه، ثم أدخله القاهرة في محفة كما تقدم. ثم أن السلطان لما تقرر أمره بقلعة الجبل أعرض الخزانة وبيت المال فلم يجد غير دينار واحد وألف درهم، فسأل عن المال، فقالوا أخوك فرقه على الأمراء فسكت وأخلع وأعطى، ثم أنه بعد ذلك قعد وأحضر القضاة والأمراء الذين كانوا السبب في مسك أخيه وقال: لأي شيء مسكتم سلطانكم، قالوا كان سفيه (٣)، قال الصالح: يا قضاة من يكون سفيه يجوز تصرفه في بيت مال المسلمين قالوا: لا، قال:
أقسم بالله متى لم تحضروا ما أخذتموه من المال كانت أرواحكم عوضه، فخرجوا جميعا وأحضروا المال، فكان جملة ما أحضروه سبعمائة ألف وخمسة وثمانين ألف دينار وألفي ألف وثلاثمائة ألف درهم. ثم بعد ذلك أمهلهم قليلا ومسكهم على التدريج (٤).
وفيها أخذ بدر الدين لؤلؤ صاحب (٣٩ أ) الموصل سنجار من الملك الجواد بموافقة من أهلها لسوء سيرته، فإنه صادرهم وأخذ أموالهم، وخرج يتصيد ويحج في البرية، فبعثوا الى بدر الدين فجاء، ففتحوا له [الأبواب] (٥) ومضى الجواد الى عانة (٦)، فأقام بها ثم باعها للخليفة.
وفيها تولى الشيخ عز الدين (٧) ابن عبد السلام الخطابة بجامع دمشق في ربيع الآخر.
_________________
(١) يوم الجمعة ثالث عشرين شوال سنة ٦٣٧ هـ، عند ابن العميد في: B .E .O،T .XV،P .١٤٨
(٢) كذا في الأصل والصواب وحلف.
(٣) كذا في الأصل والصواب سفيها.
(٤) في السلوك ج ١ ق ٢ ص ٢٩٨ ما يشبه ذلك.
(٥) التكملة من مرآة الزمان ٨/ ٧٢٩.
(٦) عانة: بلد مشهور بين الرقة وهيت يعد من أعمال الجزيرة. أنظر معجم البلدان ٣/ ٥٩٤.
(٧) الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم، في السلوك ص ٢٩٩، أنظر ترجمته في فوات الوفيات ٢/ ٣٥٠، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٨٠.
[ ١١٧ ]
وفيها أمر الملك الصالح اسماعيل للخطباء بدمشق وبلاد الشام، أن يخطبوا لصاحب الروم وبطل الخطبة لصاحب مصر.
وفيها تولى رفيع الدين عبد العزيز ابن عبد الواحد ابن اسماعيل ابن عبد الهادي ابن عبد الله الجيلي الشافعي قضاء الشام، وكان قاضي بعلبك قبل ذلك فظهر منه سوء سيرة وعسف وضيق وجور، ومصادرة للناس في الأموال (١).
وفيها ولدت شجر الدر سرية السلطان الصالح، ولدا ذكرا فسماه السلطان خليل ولقبه بالملك المنصور، ونالت شجر الدر منه من السعادة والجاه ما لم ينله غيرها من نساء الملوك.
وفيها نازل الملك الناصر داوود صاحب الكرك والشوبك، البيت المقدس وحاصره وشدد عليه الحصار بنفسه أحدا وعشرين (٢) يوما وفتحه عنوة بالسيف (٣) وذلك في يوم الإثنين تاسع جمادى الأول، وفي ذلك يقول (٤) الصاحب جمال الدين ابن مطروح: [السريع]
المسجد الأقصى له عادة سارت فصارت مثلا سائرا (٥)
إذا غدا بالكفر (٦) مستوطنا أن يبعث الله له ناصرا
فناصر طهّره أولا وناصر طهّره آخرا