لا بد من الإشارة هنا الى دور الأوقاف وأهميتها في إرساء النهضة العلمية والأدبية في العصر المملوكي، نظرا لما لها من أهمية في المحافظة على الكثير من المدارس والمنشآت التعليمية، لأنه بدونها لا يمكن لأي مؤسسة تعليمية الاستمرار «وبخاصة في عصر كعصر المماليك، لم تتخذ فيه للتعليم سياسة عامة عليا تكفلت الدولة بتنفيذها والإنفاق عليها من أموالها العامة» (٢).
ولقد كان للعامل الفردي والأهواء الشخصية لكثير من الأمراء والسلاطين المماليك وبعض الوجهاء، الأثر الأكبر في تشييد المدارس ودور التعليم الأخرى كالمساجد والزوايا والخوانق على نفقتهم الخاصة - ويذكر محمد رزق سليم في كتابه عصر سلاطين المماليك: أن ظاهرة إنشاء المدارس ووقف الأوقاف عليها من قبل حكام المماليك بأنها «ظاهرة كانت الى باب الجود والإحسان أقرب منها الى باب التعليم الذي هو حق للشعب واجب أداؤه» (٣). على أن هذا التنافس وحب الظهور بين السلاطين والأمراء المماليك في بناء المؤسسات التعليمية ووقف الأوقاف عليها ساهم الى حد كبير بتأسيس عدد كبير من دور التعليم.
وخلاصة القول، إن إنشاء المدارس من قبل حكام المماليك وتعيين المدرسين ورصد
_________________
(١) المصدر السابق، ص ٢٧٦.
(٢) حول رصد الأوقاف على المدارس والمنشآت التعليمية في العصر المملوكي، أنظر: عصر سلاطين المماليك:
(٣) المصدر السابق، ص ٦٣.
[ ٤٣ ]
الأوقاف للإنفاق عليها قد انعكست نتائجه إيجابا على الحركة العلمية والأدبية في البلاد، وبرزت ظاهرة للعيان في النواحي التالية:
أولا - إقبال الطلاب على التعليم: وفي هذا المجال ذكر محمد رزق سليم في كتابه عصر سلاطين المماليك ما ملخصه: «أن افتتاح المدارس، وتعيين العلماء فيها للتدريس، والعناية باختيارهم ورصد الأوقاف للانفاق عليها، وإجراء الرواتب على طلابها، وتهيئة المساكن لنومهم وتزويدهم بالطعام والكسوة وما إلى ذلك، كان من شأنه أن يجذب الكثير من الطلاب ويحببهم في الانتظام في سلكها بل والى الانقطاع الى طلب العلم فيها» (١).
ثانيا - كثرة عدد العلماء والأدباء: من أهم نتائج النشاط العلمي أيضا بروز الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين في شتى ميادين العلم في العصر المملوكي، ويهمنا أن نذكر بعضا من هؤلاء العلماء والأدباء الذين برزوا خاصة في علم التاريخ والأدب والاجتماع وغيره خلال عصر مؤرخنا ابن دقماق من مصريين أو غيرهم ممن كان لهم الأثر الأكبر في النهضة العلمية في مصر وسائر الأقطار الإسلامية، فنذكر منهم: ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)، البدر العيني (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ) ابن الفرات (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) والمقريزي (٧٦٩ - ٨٤٥ هـ) وابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ) (٢).
ثالثا: إزدهار الحركة التأليفية:
لعل من أبرز نتائج النهضة العلمية في مصر في العصر المملوكي أيضا؛ النشاط التأليفي الذي بلغ عدة آلاف من المجلدات والكتب، كانت ثمرة لهذا النشاط العلمي الذي شجعه حكام المماليك، ويذكر محمد رزق سليم في عصر سلاطين المماليك: أن بعض المؤلفين في ذلك الزمان ألف مئات الكتب والرسائل كالسيوطي، فقد قيل إن مؤلفاته زادت على مائة وخمسين وهكذا. . .
كما يشير الى أن الكثير من هذه المؤلفات قد استولى عليها العثمانيون عندما فتحوا مصر في سنة ٩٢٣ هـ / ١٥١٦ م وأزالوا حكم المماليك عن البلاد (٣).
على أن عددا من هذه البقية الباقية من المؤلفات، التي حفظت من عبث العثمانيين
_________________
(١) أنظر، عصر سلاطين المماليك:٣/ ٨٧.
(٢) المصدر السابق، ص ٨٨.
(٣) المصدر السابق، ص ٩١.
[ ٤٤ ]
موجودة الآن في دور الكتب بالقاهرة وغيرها والقسم الأكبر منها ما يزال مخطوطا، وهو بحاجة الى النشر ونفض غبار النسيان عنه (١).
وبعد، فهذا هو ما كان عليه الوضع العلمي والأدبي من نشاط وازدهار في العصر المملوكي وهو العصر الذي نشأ فيه مؤرخنا ابن دقماق وعاصر فيه العديد من المؤرخين والأدباء البارزين، كما أشرنا اليه سابقا. ولا بد من التنويه هنا بحكام المماليك الذين لولا سياستهم المنفتحة على العلم وتشجيعهم للعلماء لكان الوضع مختلفا تماما عما هو عليه الحال من ازدهار للحركة العلمية والأدبية في تلك الحقبة.
_________________
(١) أنظر مقالة د. عمر تدمري بعنوان: الوجه الحضاري لدولة المماليك في مصر والشام، ص ٥١ - ٥٢ في مجلة المقاصد عدد ١٦ - ١٧، آب ١٩٨٣.
[ ٤٥ ]
-[بداية نص ابن دقماق]-
(٢ أ) وفيها (١) مات عبد السلام بن عبد الرحمن ابن الشيخ العارف، عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن اللخمي الافريقي الاشبيلي المعروف بابن برجان (٢)، وهو محقق أخذ اللغة العربية عن أبي إسحاق بن ملكون ولازمه كثيرا، وكان من أحفظ أهل زمانه للّغة، صدوقا ثقة، وله رد على أبي الحسن ابن سيده (٣).