وفيها اختلف الخوارزمية على الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الكامل وأرادوا القبض عليه، وكان على الفرات فهرب الى سنجار (٣) وترك خزائنه وأثقاله، فنهبوا الجميع (٤)، ولما صار في سنجار، سار إليه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فحصره في ذي القعدة فأرسل الصالح الى لؤلؤ يسأله الصلح، فقال: لا بد من حمله الى بغداد في قفص حديد. وكان بدر الدين لؤلؤ والمشارقة يكرهون مجاورة نجم الدين أيوب وينسبونه الى التكبر والتجبر والظلم، فألجأت (٥) الضرورة أن بعث الصالح قاضي (٦) سنجار بعد أن حلق لحيته
_________________
(١) أنظر ترجمته في ذيل الروضتين ص ١٦٤، البداية والنهاية ١٣/ ١٤٦، الشذرات ٥/ ١٦٨.
(٢) كذا في الأصل، والصواب أبا.
(٣) سنجار: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة الفراتية. معجم البلدان ٣/ ١٥٨.
(٤) حول هذه الواقعة أنظر مفرج الكروب ٥/ ١٨٧، والسلوك ج ١، ق ١، ص ٢٦٩.
(٥) في الأصل: فالجت.
(٦) كان القاضي بسنجار هو بدر الدين يوسف بن الحسن الزرزاري وكان متقدما في الدولة الأشرفية ثم بعد موت الملك الأشرف تقدم عند الملك نجم الدين أيوب. أنظر عنه في مفرج الكروب ٥/ ١٨٧.
[ ٨٩ ]
وحطّه من الصور (١) الى الخوارزمية وشرط لهم كلّ ما أرادوا (٢)، فساقوا جرائد (٣) من حرّان فكبسوا بدر الدين والمواصلة على سنجار، فنجا بدر الدين وحده منهم على فرس سابق، فنهبوا أمواله وخزائنه وخيله والخيام وجميع ما كان في عسكره واستغنوا بهذه الحركة (٤).
وفيها في شهر رجب وصل خبر التتار الى بغداد، أنهم قاصدين (٥) إربل وكذلك منهم طائفة قاصدون بغداد، فجرّد الأمير جمال الدين بكلك (٦) الناصري في سبعة آلاف فارس، فسار الى لقاء التتار وكانت الوقعة بينهم وبين التتار في ثالث ذي القعدة، وكان التتار قد أكمنوا لهم كمينا وأظهروا الهزيمة، فتبعهم العسكر فخرج الكمين عليهم وكانوا خمس (٧) عشرة ألف فارس فانهزم المسلمون بعد أن قتلوا من (٢٥ أ) الكفار خلقا كثيرا والذي سلم من المسلمين طلب بغداد وهلك الأكثرون، وأما المقدّم جمال الدين بكلك فشوهد بعد الوقعة وقد جهده العطش وجماعة من الكفار يتبعون أثره، ويقال إنه قتل في المحاربة والله أعلم (٨).
وفيها وصل من بغداد رسل أمير المؤمنين وصحبتهم مال الى الملك الكامل ليستخدم به عساكر، فإن أمير المؤمنين بلغه أنّ عساكر التتار عازمين (٩) على الحضور الى بغداد وطلب أيضا نجدة من عساكر الشام (١٠). فلمّا قدم الرسول وأعطى السلطان كتب أمير المؤمنين، قام السلطان قائما وقبّلها ووضعها على رأسه، وكان جملة المال الذي حضر مائة ألف دينار مصرية، عند ذلك أمر السلطان الملك الكامل أن يخرج من بيت المال مائتي ألف دينار يستخدم بها عساكر وأن يجرد من عساكر مصر والشام عشرة (١١) آلاف نجدة لأمير المؤمنين وأن
_________________
(١) كذا في الأصل والصواب السور.
(٢) في مفرج الكروب ٥/ ١٨٨: «والتزم لهم القاضي بدر الدين أن يقطعوا حرّان والرّها وغيرهما من البلاد الجزرية».
(٣) في الأصل: جرايد ومفرد الكلمة جريدة ويقال خيل جريدة لا رجالة فيها. لسان العرب ٣/ ١١٨ مادة جرد.
(٤) في السلوك ج ١ ق ٢ ص ٢٧١ ما يشبه ذلك وانظر تفاصيل هذه الواقعة في مفرج الكروب ٥/ ١٨٩، زبدة الحلب ٣/ ٣٤٣، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٠٠.
(٥) كذا في الأصل، والصواب قاصدون.
(٦) في الأصل: تكك، التصويب من الحوادث الجامعة ص ١١١.
(٧) كذا في الأصل والصواب خمسة عشر.
(٨) حول هذه الواقعة انظر الحوادث الجامعة ص ١١١ - ١١٢ وكذلك مختصر الدول ص ٢٥١.
(٩) كذا في الأصل والصواب عازمون.
(١٠) يورد ابن العميد ما يشبه ذلك انظر في: B .E .O،T .XV،P .١٤٣ وانظر تفاصيل ذلك في السلوك ج ١، ق ١، ص ٢٩٨.
(١١) عند ابن العميد: B .E .O،T .XV،P .١٤٣ ان السلطان رسم أن يستخدم من ماله خمسة آلاف فارس ولا ينفقون من مال الخليفة درهما واحدا.
[ ٩٠ ]
يكون مقدّم العساكر الملك الناصر داوود، وأنّ المال الذي حضر من عند أمير المؤمنين لا يصرف منه شيء وأن يعاد الى خزانة أمير المؤمنين. وتولى استخدام عساكر الجدد الأمير ركن الدين الهيجاوي والأمير عماد الدين ابن موسك وأن يكونا أمراء مع المتوجهين في خدمة الناصر داوود، فاستخدم العسكر وتوجه الى بغداد.
وفيها تولى الشريف شمس الدين الأرموي (١) الشافعي قضاء (٢) العساكر المنصورة ونقابة الأشراف بالديار المصرية يوم الثلاثاء سلخ (٢٥ ب) ذي القعدة، وقرئ أسجاله بجامع مصر وحضر قراءته الأمير جمال الدين يغمور والفلك المسيري.
وفيها في ذي القعدة تولى قاضي القضاة شمس الدين بن الخليل الخويّي (٣) قاضي قضاة دمشق، وهو أول قاضي رتب مراكز الشهود بدمشق وكانوا (٤) أولا ورّاقين يورقوا (٥)، فإذا فرغوا من الوراقة مشوا الى بيوت العدول يستشهدوهم (٦) في حقوقهم.