ومرسى آسفي كان فيما سلف آخر مرسى تصل إليه المراكب، وأما الآن فهي تجوزه بأكثر من أربعة مجار، وآسفي عليه عمارات وبشر (١٤٥) كثير من البرابر: رجراجة وزودة، وأخلاط من البرابر، والمراكب تحمل منه أوساقها في وقت السفر وسكون موج البحر المظلم.
وإنما سمّي هذا المرسى بآسفي لأنه اجتمع ثمانية رجال أبناء عم بلشبونة (١٤٦) من بلاد الأندلس يسمّون المغرورين لاغترارهم بانشائهم مركبا حمّالا، وأدخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر ثم دخلوا البحر المظلم في أول طاروس الريح الشرقية، فجروا بها نحو احد عشر يوما، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج، كريه الرائحة كثير النشوز، قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف فردّوا قلاعهم في اليد الأخرى وجروا مع الرّيح في ناحية الجنوب اثني عشر يوما فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عد ولا تحصيل، وهي سارحة بلا راع ولا ناظر عليها، فقصدوا الجزيرة فنزلوا فيها، فوجدوا عين ماء جارية، وعليها شجرة تين برّي، فأخذوا من تلك الغنم، فذبحوا فوجدوا لحومها مرّة لا يقدر أحد على أكلها، فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوما إلى أن لاحت لهم جزيرة، فنظروا فيها إلى عمارة وحرث فقصدوا إليها ليروا ما فيها، فما كان غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق هناك، فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر، فأنزلوا بها [في دار] (١٤٧) فرأوا فيها رجالا شقرا زعرا، شعورهم سبطة، وهم طوال القدود، ولنسائهم جمال عجيب فاعتقلوا منها في بيت ثلاثة أيام، ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلّم باللّسان العربي، فسألهم عن حالهم، وفيما جاؤوا وأين بلدهم، فأخبروه بكل خبرهم، فوعدهم خيرا، وأعلمهم أنه ترجمان الملك، فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أحضروا بين يدي الملك، فسألهم عمّا سألهم الترجمان عنه فأخبروه بما أخبروا الترجمان بالأمس من أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به (١٤٨) من الأخبار والعجائب ويقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان: أخبر القوم
_________________
(١) في الأصول: «شيء» والمثبت من ن. م. ص: ٧٤.
(٢) في الأصول: «القبونية» والمثبت من ن. م. ص: ٧٤ وص: ١٨٥.
(٣) اضافة من ن. م. ص: ١٨٤.
(٤) في الأصول: «ما فيه» والمثبت من ن. م. ص: ١٨٥.
[ ١ / ٦٧ ]
أن أبي أمر قوما من عبيده فركبوا هذا البحر (١٤٩) وأنهم جروا في عرضه شهرا إلى أن انقطع عنهم الضّوء، وانصرفوا (١٥٠) من غير فائدة تجدي، ثم أمر الملك التّرجمان أن يعد القوم خيرا، وأن يحسن ظنّهم بالملك ففعل، ثم صرفوا (١٥١) إلى موضع حبسهم إلى أن بدأ جري الريح الغربية، فعمر بهم زورقا، وعصّبت أعينهم، وجروا بهم في البحر برهة من الدهر، قال القوم: قدّرنا أنه جرى بنا ثلاثة أيام بلياليها حتى جيء بنا إلى البر، فأخرجنا وكتّفنا إلى خلف وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى النهار، وطلعت الشمس ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف، حتى سمعنا غوغاء وأصوات الناس، فصحنا بجملتنا، فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلّونا من وثاقنا وسألونا (١٥٢) فأخبرناهم بخبرنا، وكانوا برابر، فقال لنا أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم؟ فقلنا: لا، فقال: إن بينكم وبين بلدكم مسيرة شهرين، فقال زعيم القوم: وا أسفي، فسمّي المكان (١٥٣) إلى اليوم آسفي (١٥٤).