هو محمود بن سعيد مقديش (بفتح الميم والقاف المعقدة الساكنة والدال المهملة المكسورة) الفقيه المؤرخ المشارك في علوم.
ولد بصفاقس، في سنة ١١٥٤/ ١٧٤٢ م، ونشأ في عائلة نبيهة من أنبه بيوت صفاقس أصلها من أنشلة (Usulla) وتنسب إلى سيدي مخلوف الشّرياني إحدى قرى صفاقس من الجهة الشرقية، وتربى تربية صالحة، فقضى معظم حياته بين طلب العلم والتدريس والتأليف معتمدا على نفسه، مستهينا بالصّعاب والعقبات في عصامية نادرة لا يثبطها ولا يثني عزمها أحرج الظروف المادية.
تلقى العلم في مبتدأ أمره عمن أدركه ببلده من تلامذة الشيخ علي النوري كالشيخ محمد الزواري، والمحدث المفسر الشيخ رمضان بو عصيدة، وأخذ الفقه عن المقريء الفقيه الرياضي الشيخ علي الأومي، وشاركه في شيوخه التونسيين والمصريين، والشيخ محمد الدرناوي الليبي عند إقامته بصفاقس قبل أن يستقر نهائيا بالحاضرة، ثم التحق بجامع الزيتونة، ولقي أعلامه كالشّيخ قاسم المحجوب، والشّيخ محمد الشّحمي كبير علماء المعقولات في عصره والشيخ المحدث الفقيه الرحالة عبد الله السوسي السكتاني المغربي، وهو من شيوخ الشيخ علي الأومي، وعاقته قلة ذات اليد عن إرواء غلته من طلب العلم والإقامة بتونس، فانتقل إلى الزاوية الجمنية بجربة التي تتكفل بالإنفاق على الطلبة المقيمين بها من ريع أوقافها ومن تبرعات أهل الفضل والإحسان، وقرأ هناك مختصر الشيخ خليل بشرح الشيخ محمد الخرشي وشرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على الشيخ إبراهيم الجمني الحفيد، والشيخ أحمد بن عبد الصادق الجبالي العيادي الليبي، ثم جاور بالأزهر وهو كهل متزوج له ذرية، فأخذ العلوم الرياضية عن الشّيخ أحمد الدمنهوري وحسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمان، وأخذ عن الشيخ علي الصعيدي الفقه والحديث، وقرأ على غيرهم من شيوخ الأزهر.
ولا نعلم تاريخ التحاقه بالأزهر، ومدة اقامته بمصر سوى ما ذكره في القسم الأول من تاريخه الخاص بالجغرافيا أنه كان موجودا بالإسكندرية سنة إحدى ومائتين وألف / ١٧٨٦، ولعل ذلك كان لعرض التجارة.
وكان مدة مجاورته بالأزهر ينسخ الكتب الثمينة، ثم يؤوب إلى بلده صفاقس، ويبيع ذلك إلى علماء المدينة، ويترك محصول ذلك لزوجته وذريته، ويرجع إلى القاهرة لاستكمال قراءته، وبعد تخرجه من الأزهر انتصب للتدريس مجانا ببلده، قال الشيخ ابن أبي الضياف: «ولما تضلع من العلوم رجع إلى بلده صفاقس فأفاد وأجاد ونفع العباد، وتزاحمت على منهله الورّاد، وأفنى عمره في هذا
_________________
(١) يوجد بالمكتبة الوطنية بتونس مخطوط مسجل تحت رقم ٢٣٥ به ترجمة محمود مقديش وكاتبها مجهول ويبدو من النص أنه أحد تلاميذ من أخذوا عن هذا المؤرخ، وركز فيها على انتاجه وصفاته.
[ مقدمة / ١٣ ]
المراد وأتى بما يستجاد فتلاميذه بصفاقس أعلام وأيمة في الإسلام، وكان متخلقا بالإنصاف سمح بما عهد فيه من محمود الأوصاف» (١٤).
وكان لا يقتصر في تدريسه على أسلوب الإلقاء والتلقين، بل يستخدم الأسئلة عن المشاكل والقواعد في قالب قصصي مخترع لاختبار ذكاء الطلبة، ومعرفة ما هضموه من معلومات، وتروى له حكايات يرويها بعضهم إلى اليوم.
ولبث ببلده مقسما أوقاته بين التدريس والتأليف واحتراف التجارة لكسب قوته متجافيا عن الوظائف الرسمية إلى أن هاجر إلى القيروان في آخر حياته إذ توفي بها، وحمل جثمانه إلى صفاقس.
واختلف في تاريخ وفاته، ذكر أحمد بن أبي الضياف في الإتحاف ومحمد مخلوف في شجرة النور الزكيّة وأشار أحمد عبد السلام في أطروحته حول المؤرخين التونسيين أنه توفي في سنة ١٢٢٨/ ١٨١٣ م وهو التاريخ الذي ورد في المخلوط المشار إليه وفي ملحق الطبعة الحجرية وأثبته محمد محفوظ في تراجم المؤلفين مع شيء من الحذر إذ رآه إضافة لنص المؤلف فقال: «فلعل هذه الزيادة كتبت في الهامش فأضافها بعض النساخ إلى صلب الكتاب، وهذه الزيادة شديدة الإختصار مباينة لأسلوب الكتاب» (١٥).
ويرى نالينو (Nallino) أن هذا التاريخ قد يخالف الواقع إعتمادا على أحد فهارس مكتبة جامع الزيتونة، المسجل تحت عدد ٦٢٣٣ صفحة ٦٢ إذ جاء فيه نقلا عن الفرنسية: «توفي في سنة ١٢٢٨ حسب المؤرخ ابن أبي الضياف، أو في سنة ١٢٢٩ هـ حسب الباش مفتي الفراتي بصفاقس، وهو أحد تلاميذ المؤلف، وهذان التاريخان يخالفان الواقع لأن محمود مقديش لم يكمل تاريخه إلاّ في سنة ١٢٣٣ هـ» (١٦). ويضيف نالينو أن مقديش تحدث فعلا عن محمود باشا الذي استمر حكمه إلى سنة ١٢٣٣ هـ، ونقل كراتشكوفسكي خلاصة نالينو وأثبت أنه توفي بعد عام ١٢٣٣ هـ - ١٨١٨ م.
وتعليل نالينو لإسقاط سنة ١٢٢٨ كتاريخ لوفاة المؤلف ساقط من أساسه، وميله إلى سنة ١٢٣٣ في غير محله، فنالينو اعتمد في كل ذلك على ما جاء في آخر الباب الأول من المقالة الحادية عشرة عن محمود باشا حيث قيل في - النسخة المطبوعة - «وهو أمير عصرنا سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين» (١٧) ولم يهتم هذا المستشرق بما جاء قبله عن حمودة باشا الذي قال عنه مقديش «فهو سلطان وقتنا أقر الله به أعيننا» (١٨) فهذا التكرار المنافي للمنطق يجعلنا نثبت أن الأخبار القليلة التي وردت عن محمود باشا تمثل زيادة عن الأصل من أحد النساخ، وتنبه لها أحمد عبد السلام ورآى أن سنة ١٢٣٣ تمثل تاريخ الإنتهاء من نسخ المخطوطة التي اعتمدتها الطبعة الحجرية فقال: «إن آخر الأحداث التي تعرض إليها
_________________
(١) الإتحاف ٧/ ٨٥.
(٢) ٤/ ٣٦٢.
(٣) Venezia، المصدر السابق ص: ٥.
(٤) ٢/ ٧٢.
(٥) ٢/ ٧١.
[ مقدمة / ١٤ ]
مقديش ترجع إلى محرم ١٢٠٥ / سبتمبر - أكتوبر ١٧٩٠. . . ولم يتعرض إلى حكم حمودة باشا الذي توفي المؤلف في أواخره إلاّ ببعض أسطر، ولخصت أخبار عثمان باشا ومحمود باشا اللذين تعاقبا بعده حتى سنة ١٢٣٣، وتمثل هذه السنة تاريخ الإنتهاء من نسخ المخطوطة التي اعتمدتها الطبعة الحجرية، ولا شك أن هذا التلخيص السريع ليس من تحرير المؤلف الذي توفي قبل هذا التاريخ» (١٩).
ولا يستبعد أن تكون النسخة المعتمدة هي النسخة الموجودة بالمكتبة الوطنية بتونس، إذ لا تختلف مع الطبعة الحجرية فيما ذكر عن محمود باشا، ومما يؤكد لنا أنها زيادة عدم وجودها في مخطوطة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت بالمدينة المنورة، المرموز إليها عندنا ب «ش»، وهي أقدم المخطوطات، ونقلها ناسخها عن نسخة بخط المؤلف.
اعتبارا لكل هذا نقر عام ١٢٢٨ هـ - ١٨١٣ م تاريخا رسميا لوفاة المؤلف إلى أن تأتي دراسات أخرى تخالفه.
وذكر كراتشكوفسكي، اعتمادا مرة أخرى على نالينو أن محمود مقديش «أمضى معظم حياته بمسقط رأسه ولو أنه كما يبدو ساح كثيرا، وزار مواضع كالبندقية مثلا» (٢٠). ونالينو اعتمد بدوره نزهة الأنظار ذاتها ليقول أن محمود مقديش زار البندقية حيث قال في نزهة الأنظار عندما تحدث عن واقعة رأس المخبز التي دارت بين الصفاقسيين والبنادقة أو البلنسيان وانتهت آخر يوم من شعبان سنة ١١٦٠ هـ - ١٧٤٧ م: «ولما سافرنا لبلاد المشرق نزلنا بلادهم على الصلح. . .» (٢١).