ضبط المؤلف لنفسه وصف المغرب ورواية تاريخه ثم التركيز على مدينته صفاقس، والمتتبع لحلقات الكتاب يشعر وكأن المؤلف يتردد فيما ضبطه لنفسه لأنه يتأرجح بين المغرب والمشرق وتاريخ المغرب وتاريخ الإسلام عامة، ويرجع ذلك إلى غاية منهجية جعلته يبدأ بالأصل وينتقل منه إلى الفرع قصد الإيضاح، وفسر ذلك أحمد عبد السلام بقوله: «والحقيقية أن التمييز بين التاريخ الإسلامي والتاريخ المغربي ليس في متناول محمود مقديش ومعاصريه إذ أن تاريخ المغرب جزء من تاريخ العالم الإسلامي، وهذا التاريخ هو في نظر مقديش التاريخ كله، والمغرب يدخله عن طريق الفتح الإسلامي» (٢٦).
وباستثناء الفقرات والأجزاء التي حررها المؤلف، فإن الكتاب يغلب عليه طابع النقل والتجميع وقد أشار إلى ذلك نالينو، وكراتشكوفسكي اعتمادا عليه، وأحمد عبد السلام في أطروحته، والنقل والتجميع أشمل في الجزء الأول من الكتاب، وقال في ذلك أحمد عبد السلام: «إن المقالات التي خصصها المؤلف للتاريخ تعتمد على النقل، ولكنها أقل شمولا، وأقل غموضا من العمل الذي قام به الوزير السّرّاج في نفس الإتجاه، وإن استعمل نفس مراجعه، ولعله استوحاها من سلفه الجاد هذا، فمقديش لا يعطينا في هذه المقالات معلومات طريقة خاصة به، ولا بد أن نرى في رأيه الذي اقتضته
_________________
(١) أحمد عبد السلام، Les historiens، ص: ٢٧٥.
[ مقدمة / ٢٣ ]
منه المجادلات خاصة بأحداث سبقت صدى للآراء التقليدية المسلم بها عامة، ولا أن نرى فيها نتيجة لاختياره الشخصي» (٢٧).
ولا بد أن نستثني - في القسم التاريخي هذا - المعلومات الخاصة به التي أفادنا بها عن المدن الإفريقية، تونس والمهدية والقيروان، وسوسة، والجم، وجربة وصفاقس خاصة، وكذلك عن الجزائر والإسكندرية وطرابلس، وهذه المعلومات هامة ومفيدة وإن كانت مختصرة في بعض الأحيان، وتعطينا فكرة واضحة عن بعض الأحوال خلال القرن الثامن عشر، وفي محاولاته للمقارنة بين مصادره القديمة، ومعلوماته ومشاهداته، أعطى للتأثير الزمني حقه، فمثلا لما عقد كلامه عن الإسكندرية ومعالمها كالمجلس الذي بجنوبها، والاسطوانة المفردة الكائنة في الركن الشمالي من هذا المجلس قال تصحيحا للإدريسي الذي نقل عنه «ولقد وقفت عليها سنة إحدى ومائتين وألف، فلم يبق من هذا المجلس أثر، وإن هذه الإسطوانة المفردة نحتها أصحاب الطمع رجاء أن يجدوا تحتها بعض الكنوز، فلما لم يجدوا شيئا ردموا ما احتفروه» (٢٨). وبرأ أهل جربة من الأقوال المشينة التي وردت في نزهة المشتاق «والصفحات التي يتحدث فيها عن جربة تمثل مدخلا ممتازا لدراسة انتشار المالكية داخل هذه الجزيرة، وحركتها المفوقة ضد نظام الخوارج بها بفضل دعم المراديين لها» (٢٩).
وتصحيح المؤلف لمصادره واكمال معلوماته فيما يتعلق ببعض المدن، المدن التي تعرف عليها مباشرة وألفها، فيه خطر، فاكتفاؤه بالنسبة للمدن الأخرى بنقل الإدريسي وغيره نقلا حرفيا دون أن يعطي لتأثير الزمن حقه فيها كما أعطاه لغيرها قد يوهم القارئ أن الحالة بقيت في عصره على ما كانت عليه في الماضي.
ولا بد أن نشير إلى خطر آخر تنبيها للقارئ، فالمؤلف - كما أشرنا - له ميوله الدينية والسياسية، والثانية امتدادا للأولى، فهو سنيّ راسخ العقيدة، فاختار ما يلائم هذا الإتجاه، وصنف كتابه على أساسه، فهو يتحيز للإسلام في معاركه ضد الكفار، والنرمان، فأسقط من نزهة المشتاق جل ما يتعلق باحتلال النرمان لبلاد الإسلام، ومالطة التي يرفق ذكرها بدعائه عليها «دمرها الله»، والصليبيين في الشرق، ويأخذ كذلك موقفا مماثلا تجاه الحركات المضادة للحكومات التي يراها شرعية، ومنها حركة أبي يزيد الخارجي، والحركة الشيعية الفاطمية، وحركة التتر، وفي آخر المطاف يتشيع للدولة العثمانية التي يرى فيها منقذ بلاده «من أهل الكفر والضلال»، فيمجد رجالها وأعمالها، كما يتشيع لعلي باشا الأول ويشيد بالجزائر العثمانية في بعض أوقاتها، ويغض الطرف عن تدخلاتها الحربية في تونس، وإن قبلنا تشيعه كرجل مؤمن مساير لتقاليد عصره فمن المتأكد علينا، إن بقينا في حيز التاريخ، أن نعتبر موقفه هذا من الأحداث موقف المتحذر.
_________________
(١) نفس المرجع ص: ٢٨٣.
(٢) النزهة ص: ١٤٨.
(٣) أحمد عبد السّلام، المصدر السابق، ص: ٢٨٣.
[ مقدمة / ٢٤ ]
وأهم ما جاء بالكتاب ثلثه الأخير، وسماه الخاتمة وأفرده لمدينته صفاقس، وكأن كلّ ما سبق سياق لها، وفيها يعطينا معلومات ينفرد بها عن هذه المدينة، تتعلق بتأسيسها، وموقعها، وتاريخها منذ أيامها الأولى، واقتصادها الفلاحي والصناعي والتجاري، والحياة اليومية ومقوماتها، والحياة الديمغرافية ومعوقاتها، وطبائع الناس، وحركة التعليم بها، وجملة من تراجم مشايخها وصلحائها، ويطنب في الحديث عن مقاومة هذه المدينة لأعدائها: النرمان، وفرسان مالطة، والبلنسيان، على مر الزمن دون أن يهمل معنى ولا قصة بطولية حتى ولو بدت خرافية، باعتزاز وفخر دون تصريح، فالخاتمة تمثل مرجعا من أهم المراجع لمعرفة أحوال صفاقس في القرن الثامن عشر وكذلك لمعرفة أحداث عامة، أهمها الحرب المالطية التونسية، والحرب التونسية البندقية، وتاريخ هذه المدينة في شتى ألوان حياتها كما قدمه المؤلف يتطابق مع النظرة التاريخية الحديثة، وكما قال أحمد عبد السلام: «إن نزهة الأنظار لمؤلفها محمود مقديش قدّمت بدقة حياة صفاقس بما فيها من أفراح وأتراح، وهذا يمثل أكبر قيمة لها» (٣٠).
ولغة الكتاب على مستويات مختلفة إذ ليست كلها لمقديش، فهو ناقل ومؤلف، ولغته الخاصة نعجب لها، فهي متينة في المقدمة وضعيفة في أكثر النزهة، ويستعمل فيها الكلمات العامية - يطين في معنى يطمس، وناموس في معنى الهيبة. . .، وأيضا يكتب الكلمة الفصحى كما تنطق في اللغة العامية - مونة العسكر عوض مؤونة، وصرايا عوض سرايا - وأسقط الهمزة مثلا التم عوض التأم. . .
وفي القسم الأخير من كتابه لا سيما عند الكلام عن الصوفية والصالحين يصل أسلوبه إلى حد كبير من الإسفاف والضعف».