ومن هذا الفم إلى (١٢١) مدينة قرطاجنّة في جهة الغرب ثلاثة أميال ونصف، ومدينة قرطاجنّة الآن خراب، والمعمور منها قطعة يسيرة مرتفعة تسمّى المعلّقة، يعمرها ناس من العرب يسمّون بني زياد، وكانت قرطاجّنة في أيام عمارتها من غرائب البلاد لما فيها من عجائب البناء، وإظهار القدرة في ذلك، وكان بها الطياطر (١٢٢) التي ليس لها نظير في مباني الأرض قدرة واستطاعة، وهي من بناءات الروم الأفارقة، وذلك أن هذه الطياطر هي بناء مستدير فيه نحو من خمسين قوسا قائمة في الهواء سعة كل قوس منها أزيد من ثلاثين شبرا، وبين كل قوسين سارية وعضادتان، وسعة
_________________
(١) ما بين القوسين اضافة من المؤلف عما هو موجود بنزهة المشتاق.
(٢) في ت: «صفة». يرجع للنقل من ن. م. بتصرف ص: ١١٢.
(٣) في ن. م.: «وأقل وأكثر».
(٤) في ن. م.: «النهر».
(٥) ما بين القوسين اضافة من المؤلف أراد بها التفسير.
(٦) في ن. م.: «ومن فم هذه البحيرة».
(٧) في الأصول: «طياطير» وربما أراد بها المؤلف جمع طياطر، والمثبت من ن. م.، والبكري في البيان المغرب: ص: ٤٣ - ٤٤، ودوزي (Dozy) في قاموسه، وحسب دوزي، الإدريسي هو أول من استعمل هذه الكلمة التي هي تحريف لكلمة، Theatre أي المسرح، ٢/ ٧٦، باللاتينية «Theatrum».
[ ١ / ١٢٠ ]
السارية والعضادتين أربعة أشبار ونصف، وتقوم على كل قوس من هذه الأقواس خمسة أقواس، قوس على قوس، صفة واحدة وبناء واحد من الكذان (١٢٣) الذي لا يجانسه شيء في الجودة أو فوق كل قوس / من هذه القسي حجر دائر، وقد صورت في الحجر الدائر على القسي السفلى أنواع من الصّور، وضروب من التماثيل العجيبة الثابتة (١٢٤) في الصخر من صفات الناس والضباع (١٢٥) والمراكب، والحيوانات، وكل ذلك قد أتقن بأبدع صنعة وأحذق حكمة، وسائر البناء الأعلى أملس لا شيء به، ويقال أن هذا البناء كان ملعبا ومجتمعا في فصل ما، ويوم ما من السنة. ومن عجائب بناءات قرطاجنة الدواميس التي تبلغ عدتها أربعة وعشرين داموسا، في سطر واحد وطول واحد، طول كل داموس منها مائة وثلاثون خطوة في عرض ستين (١٢٦) خطوة (وارتفاع كل واحد أزيد من مائتي ذراع) (١٢٧) بين كل داموسين أثقاب محكمة تتصل بها المياه من بعضها إلى بعض في العلو الشاهق بهندسة عجيبة وإحكام بليغ، وكان الماء يأتي إلى هذه الدّواميس من عين شوقار، وهي بقرب القيروان، ومسافة جري هذا الماء من العين إلى الدّواميس ثلاث مراحل، وكان جري الماء من هذه العين إلى هذه الدواميس على عدة قناطر لا يحصى لها عدد، وجري الماء بوزنة (١٢٨) معتدلة، وهذه القناطر قسي مبنية بالصّخر، فما كان منها في نشر الأرض كان قصيرا، وما كان منها في متواطئ الأرض كان عاليا جدا، وهذا من أغرب شيء رئي على وجه الأرض، وقد تعطّلت / هذه الأقواس وماؤها ودواميسها لخراب قرطاجنّة، وبعد خرابها بقي الناس سنين متطاولة يحفرون على ما تهدّم من قصورها وأصول بنائها، فيستخرجون من أنواع الرخّام ما يكل عنه الواصف، وربّما استخرج منها ألواح من رخام طول الواحد أربعون شبرا في عرض عشرة أشبار (١٢٩) (ويستخرج منها أنواع الرخام والمرمر المجزّع والملوّن ما يشتهي الناظر شيء كثير) (١٣٠) ويستخرج منها أعمدة
_________________
(١) في الأصول: «كذال» كما تنطق في اللهجة العامية بصفاقس والمثبت من ن. م. ص: ١١٣.
(٢) كذا في نزهة المشتاق، وفي نسخ أخرى من النزهة «ناتئة» انظر هامش ن. م. ص: ١١٣.
(٣) في الأصول: «سباع» والمثبت من ن. م. ص: ١١٣.
(٤) في نزهة المشتاق: «ستة وعشرون».
(٥) ما بين القوسين اضافة من المؤلف عما هو موجود بنزهة المشتاق.
(٦) في الأصول: «بركة» والمثبت من ن. م. ص: ١١٣.
(٧) في نزهة المشتاق: «سبعة أشبار».
(٨) ما بين القوسين، اضافة من المؤلف عما هو موجود بنزهة المشتاق.
[ ١ / ١٢١ ]
طول كل عمود يزيد على أربعين شبرا فما دون ذلك، ولم تكن مركب تسافر إلا وفيها شيء من رخامها حتى انقطع أثر ذلك.