قال التجاني (٤٧): هو أعظم حصون إفريقية بناء وأشهرها على القدم، وليس بعد الحنايا التي بقرطاجنة بناء أضخم منه ولا أعجب، وشكله مستدير، وارتفاعه في الهواء مائة ذراع، وذكر البكري أن تكسير دائرته في الأرض ميل (٤٨)، ويقال أن الكاهنة المعروفة بكاهنة لواتة حصرها عدوها في هذا الحصن فحفرت منه سربا في الحجر الصلّد نفذت به إلى مدينة سلّقطة، يعني التي على البحر، وكانت أختها هنالك فكان الطعام يجلب إليها في ذلك السرب على ظهور الدّواب، وقد قاتل أهله يحيى بن إسحاق الميورقي - الآتي ذكره إن شاء الله - فأعياه وارتحل عنه خائبا، ويذكر أنهم رموه منه بعد الحصر الطويل بالسّمك حيّا، وأنهم جلبوه من ذلك النقب النافذ إلى سلقطة، فحينئذ أيس منهم، وارتحل عنهم.
وإلى جانب هذا الحصن قرية عامرة بها جنّات، ومزارع متّسعة، ومسجد جامع، وأسواق نافقة، يسكنها قوم من البربر كانوا قبل هذا ساكنين بقصر ملّيتة، من أرض زوارة بأرض / طرابلس، فأخلته العرب وأجلتهم منه، فسكنوا بهذه الأرض.
_________________
(١) في ت: «الياسمين الأبيض» ومن الواضح أن الناسح زاد الأبيض، ففي صفاقس لا يوجد ياسمين له غير هذا اللون.
(٢) تسمى الأبراج ج: برج. وهي هرمية الشكل. راجع محمد المصمودي، المسكن التقليدي في أحواز مدينة صفاقس. (L' habitation traditionnelle dans la banlieue de Sfax)، مجلة مركز الفنون والتقاليد الشعبية بتونس، عدد ١، ١٩٦٨ ص: ١١ - ٣٩.
(٣) سينقل المؤلف عن رحلة التجاني بتصرف، ص: ٥٧ - ٦٦.
(٤) الكتاب المغرب من المسالك والممالك، ص: ٣١.
[ ١ / ١١٠ ]
ومن هذا الموضع يظهر الكوكب المعروف بسهيل، وليس يظهر بتونس ولا ما قاربها، قيل وقد يظهر من جبل سهيل من أعمال مالقة، وبه سمي الجبل وإليه ينسب أبو القاسم السهيلي (٤٩) العالم. ثم قال (٥٠): وكان مسيرنا منذ فارقنا الجم في الزيتون القديم المتصل المعروف بزيتون الساحل وقد أذهب إفساد العرب أكثره، وغير بعد الاستواء أسطره، فكأنه كان مغروسا على «قالة» (٥١) معلومة، وأسطر متناسبة منظومة، فأبطل الإفساد أكثر ذلك، وعلى هذا الزيتون كان مدار غلات إفريقية في القديم، وقد روى أن (ابن أبي سرح) (٥٢) لما افتتح إفريقية، وقتل ملكها وجد أكثر أموالهم الذّهب والفضّة، فغنم منها ما ملأ أيدي جنده، وسألهم أنّى لكم هذا؟ فجعل أحدهم يلتمس شيئا في الأرض حتى أتاه بنواة (٥٣) زيتون فقال له: من هذا أصبنا هذه الأموال. قال الرشّاطي في كتابه المسمّى «باقتباس الأنوار»: إنما سمّي هذا الموضع الساحل وليس بساحل بحر لكثرة ما فيه من سواد الزيتون والشجر والكرم، ولما قتل عبد الله بن الزبير جرجيرا أصاب الروم الرعب فلجؤوا إلى الحصون والقلاع فاجتمع / أكثرهم بحصن الجم وطلبوا من عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير عساكر الإسلام أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطارا ذهبا على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم وقبض المال (٥٤).
وذكر (٥٥) بعض أهل هذا الحصن أنه مبني على سبعة أدوار من وسطه إلى خارجه، فالدّور الخارج أقواس متّصلة بعضها ببعض بين كل قوسين دعامة عدة أقواس السّفلى أربعة وستون، ثم الدّور الذي فوق هذا كذلك أربعة وستّون، ثم كذلك الثالث، فجملتها مائة واثنان وتسعون قوسا. قال: وهكذا الدّور الأدخل منه ثم الذي يليه، وهكذا إلى الوسط، فعلى هذا تكون أقواس السطر الخارج أكبر، وأقواس الدور الذي في الوسط ألطف، وفي جهة الغرب من هذا الحصن كان أصل المدينة، وهي إلى الآن
_________________
(١) هو أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الله بن أحمد السهيلي صاحب كتاب «الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية» لابن هشام.
(٢) يعني التجاني، ويستمر النقل بتصرف.
(٣) بالعامية الصفاقسية، وتعني هنا الفرجة أو المسافة، وفي الرحلة: «حالة».
(٤) في ت: «أن الأمير عبد الله بن أبي سرح ﵁».
(٥) كذا في ط ورحلة التجاني، وفي ت وش: «نواية».
(٦) رحلة التجاني ص: ٥٨.
(٧) تأليف خاص بالمؤلف، اعتمد فيه كما ذكر على أقوال أهل مدينة الجم، ولا ينطبق على الواقع الأثري لهذا الملعب.
[ ١ / ١١١ ]
يستخرج منها غرائب الرّخام الذي كان عضادة أبواب الدّور وغيرها، ويحمل منه الحكّام ما يحتاجون إليه، ولم يبق من هذه المدينة بناء قائم على وجه (٥٦) الأرض إنما يستخرج الرخام من تحت الأرض. ولقد حاول (٥٧) بعض الأمراء هدم هذا الحصن عقوبة لأهله فخسر أموالا فائتة الحصر، ولم يؤثر فيه شيئا فعجز عنه، وتركه ومسافة ما بين صفاقس والجم خمسون ميلا (٥٨).