وأما أسماء ملوكها ومن عمّرها من قبل الطوفان، بما شاء الله وإلى الآن، فإنه قال صاحب «التاريخ الكبير» وهو ابن حنّون (١) الطبريّ (٢): إنّ أول من عمّر مصر وسكنها قبل الطوفان رجل يقال له قفطريم بن راويل بن عاويل بن قابيل بن آدم ﵇.
ثم ولده مصريم،
ثم انتقلت إلى شهلوق (٣).
ثم (إلى) (٤) شرناق (٥) الأنطاكيّ. وله قصّة عجيبة، فملكها ماية وثلاثين سنة.
وكان قد أتقن أمرها بالسحر. ومن جملة ذلك أنه عمل على باب كل مدينة من مدائن مصر بطّة من نحاس مجوّفة، فأيّ غريب دخل من باب تلك المدينة صفرت البطّة وصفّقت بجناحيها، فيبادر إليه فيمسك (٦).
ثم مات شرناق (٧)، فملكها ولده شهلوق (٨) ستّ (٩) وتسعين سنة، وخلع نفسه، وانعكف على العبادة وخدمة بيوت النيران (١٠).
وملكها ولده شونتير (١١)، فأقام اثنا عشر (١٢) سنة. وهلك أبوه شهلوق، واستمرّ
_________________
(١) في الأصل: «جنون».
(٢) انظر الحاشية (١) من أول متن الكتاب.
(٣) آثار الأول ١١٢، وفي نهاية الأرب ١٥/ ١٣ «شمرود بن هرصال».
(٤) كتبت فوق السطر.
(٥) آثار الأول ١١٢، وفي نهاية الأرب ١٥/ ١٤ «شرناق بن ميلون» وفي المواعظ والاعتبار: «سرياق وشرباق» وفي النجوم الزاهرة ١/ ٣٨ «سرياق».
(٦) نهاية الأرب ١٥/ ١٦، تاريخ مصر وفضائلها ٢٨ وفيه «سرقاق».
(٧) في نهاية الأرب ١٥/ ١٦ «شرياق».
(٨) في نهاية الأرب ١٥/ ١٦ «سهلوق»، وفي النجوم الزاهرة ١/ ٣٨ «سلهوق».
(٩) الصواب: «ستّا».
(١٠) انظر نهاية الأرب ١٥/ ١٦.
(١١) في نهاية الأرب ١٥/ ٢٠ «سوريد»، ومثله في تاريخ مصر وفضائلها، ص ٢٨، وفي آثار الأول ١١٢ «شوندير»، وفي النجوم الزاهرة ١/ ٣٨ «سويرد»، وفي حسن المحاضرة ١/ ٣٠ و٣٢ «سوريد».
(١٢) الصواب: «فأقام اثنتي عشرة».
[ ٤٠ ]
ولده شونتير في الملك بعده ماية وعشرين سنة (١). وهو الذي بنا (٢) الإهرام والبرابي.
وكان فيهما اثنين وسبعين (٣) ألف فاعل وصانع تعمل (٤)، وكان حفر أساسها وتحريره في ستّ سنين (٥)، وتكمّلت عمارتها في ستين سنة. وإنّها من أسفل كما هي من فوق.
وذكر أنّ من تاريخ عمارتها وإلى سنة ستّ عشر (٦) وسبع ماية: أربعة آلاف سنة وسبع ماية سنة وستّ وسبعين (٧) سنة.
وأنّ الثلاثة أهرام (٨) آزاج (٩) وقبور لا غير. فالهرم الشرقيّ دفن فيه شونتير، وبابه من بحري، وهو مدوّر، وقد طبّقوا عليه حجرا واحدا، وأتقنوا أمرها بالسحر، وسحرها عمّال إلى الآن.
كما وكان على رأس الهرم صنما عظيما كبيرا (١٠) يسمّى بهوه، فأفسده الطوفان ورماه، وقد بقي أثره ورأسه إلى الآن. ويسمّونه (١١) الناس: «أبو الهول».
وقيل: إنّ هذا الرأس المسمّى أبو الهول نحتوه من أصل الجبل الذي هو فيه.
وقيل: إنه لما وقع من طول السنين تمادت عليه واضمحلّ البدن، واختلط مع الجبل، وصار كما يرى. والقدرة صالحة لكل شيء.
والهرم الغربيّ دفن فيه «هرجنت» (١٢) أخو شونتير.
والهرم الصغير دفن فيه «أفروس» (بن) (١٣) شونتير (١٤). (وكان سبب
_________________
(١) في نهاية الأرب ١٥/ ٣٤ «مائة سنة وسبع سنين».
(٢) الصواب: «بنى».
(٣) الصواب: «اثنان وسبعون».
(٤) الصواب: «يعملون».
(٥) آثار الأول ١١٤، حسن المحاضرة ١/ ٣١.
(٦) الصواب: «ستّ عشرة».
(٧) الصواب: «ست وسبعون».
(٨) الصواب: «أهرامات».
(٩) آزاج: جمع أزج، بالتحريك: بيت يبنى طولا، ويقال له بالفارسية: «أوسنان». (معجم الألفاظ الفارسية المعرّبة، لأدّي شير).
(١٠) الصواب: «كما وكان. . صنم عظيم كبير».
(١١) الصواب: «ويسمّيه».
(١٢) في آثار الأول: «هرجيت».
(١٣) كتبت فوق السطر.
(١٤) قال المؤلّف - ﵀ -: هذا ذكره أبو معشر في كتاب «الألوف» وسببه أنه وجده في كثير من كتب الكهنة مثل كتاب أنطاجس وباهونة ومنسبه ومياكل، أستيذس، وفي كتاب محمد بن هارون العباسي، مما نقله من كتاب علي بن محمد بن عبد الله بن حنّون الطبري». (آثار الأول ١١٤).
[ ٤١ ]
عمارتها (١) أنّ الملك شونتير) (٢) رأى في منامه رؤيا هالته وأزعجته، وهو أنه رأى على ثلاثة (٣) دفعات:
الأولى: رأى كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، والناس يهوون منها سفلا على روسهم (٤)، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعض (٥) بأصوات هائلة.
ثم بعد سنة رأى ثانية كأنّه في هيكل له يعرف بدقياوس (٦)، وخمسة من الكواكب محصورة في عقدة الذنب، وكأنّ الجوزهر هابطا (٧).
والشمس قد انكسفت ولم يبق منها إلاّ القليل، وكأنّ القمر (قد) (٨) انحدر من السماء في صورة امرأة باكية تشكوا (٩) زوالها (١٠) عن بيتها.
ثم بعد شهر رأى الثالثة، وكأنّ الكواكب الثابتة في صور طيور بيض وكأنّها تختطف العالم (الذي بينها وتلقيهم بين جبلين عظيمين، والجبلين قد انطبقتا (١١) على العالم الذي بينهما) (١٢) وكأنّ الكواكب النيّرة كلها مظلمة (١٣).
ففسّرها «أفليمون» الكاهن والسحرة الذين كانوا في زمانه أنها تدلّ على حادثة الطوفان (١٤). وكذلك كان، والله أعلم. وقصّته عجيبة ما أمكن شرحها هنا لئلاّ نطوّل الكتاب.
وإنّما فسّر الرؤيا أيضا أفليمون رئيس سحرة زمانه أنها تدلّ على حادثة تقع من السماء وتطلع من الأرض، وهو عنصر الماء، يفسد كلّما (١٥) على وجه الأرض إلاّ قليل (١٦) من الناس. فشرع في عمارة الأهرام لتكون مثوى لأجسامهم وذخائرهم حتى لا يفسدها وتفسد (١٧) آثارهم الطوفان (١٨).
_________________
(١) الصواب: «عمارته».
(٢) ما بين القوسين إضافة عن الهامش.
(٣) الصواب: «ثلاث».
(٤) الصواب: «رؤوسهم».
(٥) الصواب: «بعضا».
(٦) في آثار الأول للمؤلّف - ص ١١٢ «دقيانوس».
(٧) الصواب: «هابط».
(٨) كتبت فوق السطر.
(٩) الصواب: «تشكو».
(١٠) حتى هنا في آثار الأول للمؤلّف - ص ١١٢.
(١١) الصواب: «والجبلان قد انطبقا».
(١٢) ما بين القوسين ليس في آثار الأول.
(١٣) نهاية الأرب ١٥/ ٢٢.
(١٤) نهاية الأرب ١٥/ ٢٣، النجوم الزاهرة ١/ ٣٨، ٣٩، حسن المحاضرة ١/ ٣٠.
(١٥) الصواب: «كلّ ما».
(١٦) الصواب: «إلاّ قليلا».
(١٧) الصواب: «ويفسد».
(١٨) آثار الأول ١١٢، ١١٣، طبقات الأمم، لصاعد الأندلسي - تحقيق حياة العيد بو علوان - دار الطليعة، بيروت ١٩٨٥ - ص ١٠٧، مرآة الزمان ١/ ١٢٢.
[ ٤٢ ]
فلما مات شونتير تملّك بعده أخوه «هرجيت» (١) فمكث ماية وثلاثون (٢) سنة، ومات (٣).
فملك بعده «أفروس» (٤) بن شونتير ماية وخمس عشر (٥) سنة، ومات (٦).
فملك بعده ولده «مياوس» (٧). وظهر الطوفان في زمانه، وغرقت الأرض وكلّ من فيها وعليها إلاّ نبيّ الله تعالى نوح ﵇ وأولاده وأولاد أولاده والذين آمنوا معه، وركبوا في السفينة كما أخبر الله تعالى من سائر الخلق. فلما أنّ كفّ الله الطوفان وجفّت الأرض لم يكن في سائر الدنيا إلاّ نوح ﵇ وأولاده ومن معه، فاستقرّت على جبل جوديّ، فقسّم نوح ﵇ الأرض لأولاده.
وكان قد عاش نوح ﵇ من العمر ألف (٨) وأربع ماية وخمسون (٩) سنة.
ودليله ما روي عن ابن عبّاس ﵁ أنه قال: لما أرسل نوح ﵇ إلى قومه كان عمره مايتي سنة وخمسين سنة، ومكث في قومه ينذرهم، كما أخبر الله تعالى في الكتاب العزيز، ألف سنة إلاّ خمسين عاما، وعاش بعد الغرق مايتي (١٠) وخمسين سنة.
وكان قد ولد لنوح ﵇ خمسة من ولد: سام، وحام، ويافث، ويخطون (١١)، ويام الغريق.
فأمّا «يخطون» فإنه ما أعقب. وأمّا سام، وحام، ويافث، فجميع البشر منهم ومن أولادهم، فقسّم نوح ﵇ الأرض لأولاده الثلاثة، فأعطى سام:
اليمن، والحجاز، والشام، والروم، والعراق، فهو أبو العرب، والروم، وفارس.
وأعطى حام: مصر، والغرب، وبلاد السودان، فهو أبو القبط، والبربر، والسودان.
وأعطى يافث: بلاد الترك وما وراء السدّ، ويأجوج ومأجوج، فهو أبو الترك. وولد
_________________
(١) في المواعظ والاعتبار: «هوجيت»، وفي نهاية الأرب: «هرجيب».
(٢) الصواب: «وثلاثين».
(٣) آثار الأول ١١٣.
(٤) في نهاية الأرب ١٥/ ٣٥ «اقروش بن منقاوش»، وفي المواعظ والاعتبار «أفراوس بن مناوس».
(٥) الصواب: «وخمس عشرة».
(٦) آثار الأول ١١٣.
(٧) في نهاية الأرب ١٥/ ٣٨ «أرمالينوس»، ومثله في: تاريخ مصر وفضائلها ٣١.
(٨) الصواب: «ألفا».
(٩) الصواب: «وخمسين».
(١٠) الصواب: «مايتين».
(١١) في حسن المحاضرة ١/ ١٤ «يحطون».
[ ٤٣ ]
لكل ولد من هؤلاء الأولاد الثلاثة أولاد. وولد لسام ثلاثة أيضا، ولد له لاوذ، ويقال له لود، وهو أبو العمالقة. وإرم وهو أبو شدّاد بن عاد بن عاد، ويقال له: ثمود وأولادهم، وأرفخشذ وهو أبو الأنبياء وسائر العرب.
وأمّا حام ولد له أربعة: كنعان، وهو أبو السودان، لأنه جبل في الرجز فخرج أسودا (١). وابنه الثاني كوش وهو أبو السند والهند. وابنه الثالث: قوط، فهو أبو البربر. وابنه الرابع: بيصر، فهو أبو القبط.
وكان بيصر هو الذي ساق أباه حام وإخوته وأولادهم إلى مصر فنزلوا بها وعمّروها وسكنوها. وكانوا ثلاثين نفسا. فأول ما نزلوا منها منف فعمّروها، فسمّيت مافه، ومافه بلسان القبط: ثلاثين (٢). فاستعربت الآن لمنف. وكان اسمها قبل الطوفان «مزنه»، وهي أول مدينة عمّرت بمصر بعد الطوفان (٣).
وقيل: إنّ أول مدينة عمّرت بالديار المصرية قبل الطوفان بدو من الشرقية، وفي الشام: أنطاكية. والله أعلم.
ثم ولد لبيصر بن حام بن نوح ﵇ أربعة: مصر، وفارق، وماح، وباح (٤). وكان مصر أكبر أولاده، وهو الذي دعا له نوح ﵇، فجاز بيصر لأولاده قطعة من الأرض، وهي من بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا (٥).
ذكر دعاء نوح ﵇