لا تنحصر أهميّة كتاب «نزهة المالك» بأنه اعتمد مصدرا لدى المؤرّخين فحسب، بل إنّ أهمّيته تتضاعف حيث نجده ينفرد بذكر عدّة أخبار لا نجدها عند غيره من المؤرّخين، وبذلك يضيف إلى معارفنا معلومات تاريخية نادرة نضيفها إلى ما لدينا من مخزون متداول ومنشور، فلقد هيّأ موقع المؤلّف في ديوان المملكة بمصر فرصة الاطّلاع بنفسه على نصوص المعاهدات بين ملوك مصر والفرنج، وبيانات الإحصاء التي كانت ترد إلى ديوان الإنشاء، وغير ذلك من نصوص نقلها من مصادر نادرة لم نقف عليها، ومن أخبار عن وقائع شاهدها بنفسه، وشارك فيها وعايشها.
فمن المعلومات والأخبار النادرة التي ينفرد بها كتابنا هذا، ما ذكره المؤلّف من محاسن مصر (٢)، وخيرات مصر (٣)، ونصّ الهدنة بين الملك الصالح نجم الدين أيوب والفرنج، في سنة ٦٢٦ هـ. / ١٢٢٨ م. وتشمل جبل بيروت وصيدا وأعمالهما وأراضيهما وحدودهما، وقلعة الشقيف وأعمالها، وقلعة تبنين وأعمالها، وقلعة هونين
_________________
(١) آثار الأول - ص ١١٤.
(٢) نزهة المالك ٤ ب، ٥ أب.
(٣) نزهة المالك ٧ أ - ٨ ب.
[ ١٢ ]
وأعمالها، والحيط وبلاده - ويقصد به جبل الشوف أو بلاد الدروز - واسكندرونة وإقليمها - وهي حصن اسكانداليون الواقع على ساحل البحر بين مدينة صور ورأس الناقورة - وتشمل أسماء مدن وقرى وضياع كثيرة في فلسطين، لم تذكر في الهدن الأخرى بين المسلمين والفرنج (١)، وخبر حيلة الملك الصالح إسماعيل مع البعلبكيّين ودخولهم دمشق في سنة ٦٤٠ هـ. / ١٢٤٢ م (٢). وخبر الغلاء العظيم والفناء الذي شهدته مصر، ومعايشة المؤلّف للمجاعة الهائلة والفظاعات التي جرت في سنة ٦٩٤ هـ. / ١٢٩٥ م. ومشاهدته عيانا لإحدى النساء وهي تأكل من لحم زوجها بعد أن صرعته وقامت بشيّه (٣). وقد ذكر «ابن أيبك الدواداري» (٤) ما يشبه هذا الخبر من مشاهداته الشخصيّة أيضا، وهو يعزّز ويؤيّد صدق رواية المؤلّف «العبّاسي الصفدي»، الذي يضيف إلى معلوماتنا جديدا عن عرب الصعيد وما غنمه عسكر السلطان الناصر محمد بن قلاوون من خيولهم وجمالهم في أواخر سنة ٧٠١ هـ (٥). / ١٣٠١ م. وينفرد بوصف مدينة ملطية بعد فتح عساكر المماليك لها في سنة ٧١٥ هـ (٦). / ١٣١٥ م.
وأضاف بعض المعلومات عن حادثة السيل الذي طغى على بعلبكّ في سنة ٧١٧ هـ. / ١٣١٧ م (٧). علما بأنّ هذا الحادث لم يرد في المخطوطتين الباريسيّتين، وانفردت به نسخة المتحف البريطاني التي بين أيدينا.