﵁ إلى وادي مصر
وذلك أنّ عمروا (٨) قال لعمر بن الخطّاب ﵁ لما قدم الجابية في سنة
_________________
(١) فتوح مصر ١/ ١١٩، ١٢٠، المواعظ والاعتبار ١/ ٣٠، حسن المحاضرة ١/ ٤٣، ٤٤.
(٢) في الأصل: «لدحيا».
(٣) فتوح مصر ١/ ١٢٠، ١٢١.
(٤) فتوح مصر ١/ ١٢٦، المواعظ والاعتبار ١/ ٣٠، تاريخ مصر وفضائلها ٤٣.
(٥) الصواب: «شهرين».
(٦) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حجّة الوداع (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب عدد غزوات النبيّ ﷺ (٥/ ١٩٩)، وتاريخ الإسلام (المغازي) - تحقيق عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٧ هـ. / ١٩٨٧ م. - ص ٧١.
(٧) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢١٢ - ٢١٦، تاريخ خليفة ١٣٥، تسمية أزواج النبيّ وأولاده لأبي عبيدة ٧٥، المعرفة والتاريخ للفسوي ٣/ ٣٠٥، الاستيعاب لابن عبد البرّ ٤/ ٤١٠ - ٤١٣، أسد الغابة ٥/ ٥٤٣، ٥٤٤، الإصابة ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥، رقم ٩٨٤، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) - تحقيق عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م. - ص ١٦٣.
(٨) الصواب: «عمرا».
[ ٧٠ ]
ثمان عشرة، خلا به واستأذنه في المسير إلى مصر، وكان عمرو دخل مصر في الجاهلية وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها.
وكان سبب دخول عمرو إليها أنه قدم إلى بيت المقدس في تجارة له في نفر من قريش، وإذا هم بشمّاس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يسبّح (١). وكان عمرو يرعى إبل أصحابه وإبله، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم. فبينا عمرو يرعى الإبل، إذ مرّ به ذلك الشماس وقد أصابه العطش في يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو فاستسقاه، فسقاه عمرو من قربته، فشرب حتى روي، ونام الشمّاس مكانه.
وكان إلى جنب الشمّاس حيث نام حفرة، فخرج منها حيّة عظيمة، فأبصرها عمرو، فنزغ (٢) لها بسهم فقتلها. فلما استيقظ الشمّاس نظر إلى حيّة عظيمة نجّاه الله تعالى منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره أنه رماها فقتلها، فأقبل إلى عمرو فقبّل رأسه وقال: (يا عربيّ) (٣) قد أحياني الله بك مرّتين، مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه الحيّة، فما أقدمك إلى هذه البلاد؟
قال: قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا.
فقال له الشمّاس: وكم ترى (٤) ترجوا (٥) أن تصيب في تجارتك؟
قال: رجائي أن أصيب في تجارتي ما أشتري به بعيرا، فإنّي لا أملك إلاّ بعيرين، أملي أن أصيب بعيرا آخر ليبقى لي ثلاثة أبعرة.
فقال له الشمّاس: أترى دية أحدكم كم هي؟
فقال عمرو: ماية من الإبل.
فقال الشمّاس: لسنا أصحاب إبل، إنّما نحن أصحاب دنانير.
قال: تكون الدّية ألف دينار.
فقال له الشمّاس: إنّي رجل غريب في هذه البلاد، وإنّما قد قدمت أصلّي في كنيسة بيت المقدس، وأسبّح (٦) في هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسي،
_________________
(١) هكذا في الأصل وفتوح مصر ١/ ١٢٧، وفي حسن المحاضرة ١/ ٤١ «يسيح».
(٢) في الأصل: «فبزغ»، والتصحيح من: فتوح مصر ١/ ١٢٨، وحسن المحاضرة ١/ ٤١.
(٣) ما بين القوسين ليس في فتوح مصر.
(٤) في فتوح مصر: «وكم تراك».
(٥) الصواب: «ترجو».
(٦) في حسن المحاضرة: «أسيح».
[ ٧١ ]
وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادي، فهل لك أن تتبعني إلى بلادي، ولك عليّ عهد الله وميثاقه أن أدفع لك ديتين، لأنّ الله ﷿ أحياني بك مرّتين.
فقال له عمرو (١): وأين بلادك؟
قال: مصر، في مدينة يقال لها الإسكندرية.
فقال عمرو: لم أعرفها ولم أدخلها قطّ.
فقال له الشمّاس: لو دخلتها لعلمت أنّك لم تدخل قطّ مثلها.
فقال عمرو (٢): وتفي لي بما تقول وعليك بذلك العهد والميثاق.
فقال له الشمّاس: نعم عليّ عهد الله وميثاقه أن أفي لك بما أقول، وأن أردّك إلى أصحابك.
فقال عمرو: وكم يكون مكثي في ذلك؟
قال: شهر (٣). تنطلق معي ذاهبا عشرا (٤)، وتقيم عندنا عشرا، وترجع في عشر، وأن أحفظك (٥) ذاهبا، وأبعث معك من يحفظك راجعا.
فقال له عمرو: أنظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك.
فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عهد (٦) عليه الشمّاس، وقال: تقيموا حتى أرجع (٧) إليكم، ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبني رجل منكم آنس به (مع الشمّاس إلى مصر) (٨)
فقالوا: نعم.
وبعثوا معه رجلا منهم.
فانطلق عمرو وصاحبه مع الشمّاس إلى مصر حتى أتوا إلى ثغر الإسكندرية، فرأى عمرو عمارتها وكثرة خيراتها وأهلها وما بها من الأموال والخيرات ما أعجبه.
فقال: [ما رأيت] (٩) مثل مصر أبدا وكثرة ما فيها من الأموال.
_________________
(١) في الأصل: «عمروا».
(٢) في الأصل: «عمروا».
(٣) الصواب: «شهرا».
(٤) في فتوح مصر ١/ ١٢٩ «عشر أيام».
(٥) في فتوح مصر ١/ ١٢٩ «ولك عليّ أن أحفظك».
(٦) في الأصل «بما عهدا»، وفي فتوح مصر ١/ ١٢٩ «بما عهده» وهو الصواب.
(٧) في فتوح مصر ١/ ١٢٩ «تقيموا عليّ حتى أرجع».
(٨) ما بين القوسين ليس في فتوح مصر.
(٩) إضافة للضرورة من فتوح مصر ١/ ١٢٩.
[ ٧٢ ]
ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وأموالها فازداد بها عجبا. ووافق دخول عمرو إلى الإسكندرية عيد فيها عظيم، يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة من ذهب مكلّلة يتراموا (١) بها وهم يتلقّونها بأكمامهم، وفيها (٢) اختبروا من تلك الأكرة على ما وضعته الحكماء لهم، على أنّها من وقعت الأكرة في كمّه واستقرّت [فيه] (٣) لم يمت حتى يملكهم.
وكان الشمّاس كسا عمرا (٤) ثوب ديباج، وأكرمه إكراما تامّا، وأجلسه إلى جانبه بين الناس يتفرّج في ذلك المجلس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقّونها بأكمامهم، فرما (٥) بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كمّ عمرو، فتعجّبوا من ذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة إلاّ هذه الدفعة (٦)، أنّى (٧) هذا الأعرابيّ يملكها، هذا ما يكون أبدا (٨).
وإنّ ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية، وأعلمهم أن عمرو (٩) أحياه من الموت مرّتين، وأنه ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا له ذلك فيما بينهم، ففعلوا له ذلك، ودفعوها له، فأعطاها لعمرو (١٠)، فانطلق عمرو وصاحبه راجعين.
وبعث معهم الشمّاس دليلا رسولا، وزوّدهما وأكرمهما (١١) حتى رجعا إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومدخلها، ورأى منها ما علم به أنها أفضل البلاد وأكثرها مالا.
فلما رجع إلى أصحابه دفع لهم فيما بينهم ألف دينار، وأمسك لنفسه ألف دينار، ثم انصرفوا (١٢).
_________________
(١) الصواب: «يترامون».
(٢) في فتوح مصر ١/ ١٢٩ «وفيما».
(٣) إضافة للضرورة من فتوح مصر.
(٤) في الأصل «عمروا».
(٥) الصواب: «فرمى».
(٦) صبح الأعشى ٣/ ٣١٨.
(٧) في الأصل: «أثر»، وفي فتوح مصر ١/ ١٣٠ «أترى»، ومثله في حسن المحاضرة.
(٨) حسن المحاضرة ١/ ٧.
(٩) في الأصل «عمروا». والصواب: «عمرا».
(١٠) في الأصل: «لعمروا».
(١١) في الأصل: «وأكرمها».
(١٢) فتوح مصر ١/ ١٢٧ - ١٣٠، ولاة مصر للكندي ٢٩ - ٣٣، صبح الأعشى ٣/ ٣١٨، حسن المحاضرة ١/ ٤١، ٤٢.
[ ٧٣ ]