وأمّا سيرة فرعون مع رعيّته فإنّه كان عادلا لا ينظر إلى ما في أيديهم (١).
وقد قيل: الملك يدوم مع الكفر والعدل، ولا يدوم مع الظلم والإيمان.
وأما فضيلة العدل، فقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله ﷿ الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يناديهم بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب: أنا الملك، أنا الديّان إن حازني ظلم ظالم» (٢).
وقال ﵇: «ما من أمير عشرة إلاّ يؤتى به يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه فلا يفكّها إلاّ عدله» (٣).
ومما ورد في العدل فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (٤) الآية.
وما من ملك تردّا (٥) برداء العدل إلاّ وكان وقاية له من جميع الآفات.
وقال أزدشير: الملك والعدل أخوان توأمان لا يصلح لهما أن يفترقا ولا غناء لأحدهما عن صاحبه، ولا يتمّ الملك إلاّ بالعدل.
وأمّا ما ذكر عن نزاهة فرعون عمّا في أيدي الناس من رعيّته، فقد ورد عن عمرو بن العاص: أنّ فرعون استعمل هامان على حفر خليج السردوس فلما شرع في حفره أتاه أهل كل قرية يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم ويعطونه مالا. قال: فكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق، ثم يردّه إلى قرية من نحو دبر القبلة. ثم يردّه إلى قرية في المغرب، ثم يردّه إلى قرية في القبلة، ويأخذ من أهل كل قرية مالا حتى اجتمع إليه في ذلك ماية ألف دينار، فأتى بذلك يحمله إلى فرعون، فسأله فرعون عن ذلك، فأخبره بما فعل في حفره، فقال له فرعون: ويحك، ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم، ردّ على أهل كل قرية ما أخذت منهم. فردّه كلّه على أهله (٦).
فلما طغى فرعون وادّعى الربوبية وجرى منه ما جرى، كما أخبر الله تعالى في
_________________
(١) مروج الذهب ١/ ٣٤٥.
(٢) أخرجه في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم ٣٢٧ من حديث طويل رواه أبو حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، وفيه: «. . . يجمع الله يوم القيامة الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر. . .». والترمذي في القيامة، باب ما جاء في الشفاعة (٢٥٥١).
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣١ و٥/ ٢٨٤ و٢٨٥ و٣٢٣، والطبراني في المعجم الكبير ٦ / رقم ٥٣٨٨ - ٥٣٨٩ و١١ / رقم ١٢١٦٢.
(٤) سورة النحل، الآية ٩٠.
(٥) الصواب: «تردّى».
(٦) مروج الذهب ١/ ٣٤٥، النجوم الزاهرة ١/ ٥٦، حسن المحاضرة ١/ ١٨، ١٩.
[ ٥٣ ]
القرآن، سلّط الله عليه وعلى من اتبّعه الغرق فغرق هو وأشراف مصر ووجوههم نيّف (١) عن ألفي ألف نفس، وتركوا مصر كما أخبر الله تعالى عنهم في الكتاب العزيز: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٨].
ونجّا (٢) الله تعالى موسى ﵇ والذين آمنوا معه، وكان عدّتهم ستماية ألف نفس (٣).
فلما عزم موسى ﵇ على المسير بهم نقل معه عظام يوسف ﵇، ودفنه في حبرون (٤).
والسبب في ذلك ما روى سماك بن حرب، أنّ رسول الله ﷺ أقبل وهو قافل ومعه زيد بن حارثة، فمرّ ببيت شعر فرد وقد أمسى، فدنا من البيت فقال: «السلام عليكم». فردّ ربّ البيت السلام. فقال له النبي ﷺ: «ضيف». فقال: انزل. فبات في قرّى. فلما أصبح وأراد الرحيل، فقال له الشيخ: أصيبوا من بقية قراكم، فأصابوا.
فلما أراد الرحيل قال له النبيّ ﷺ: «إذا سمعت بنبيّ قد ظهر من تهامة فأته، فإنّك تصب منه خيرا». وارتحل رسول الله ﷺ. فلما ظفر النبي صلّى (الله) (٥) عليه وسلم جاء الشيخ على راحلته حتى أناخ بباب المسجد ودخل يتصفّح وجوه الرجال. فقالوا له: ها ذاك رسول الله ﷺ. فقال له النبي ﷺ (٦). قال: والله ما أدري، إلاّ أنه نزل بي رجل فأكرمت قراه. فقال له رسول الله ﷺ: «وإنّك لفلان»؟ فقال: نعم. فقال له: «فكيف أمّ فلان»؟ قال: بخير. قال: «فكيف حالكم»؟ قال: بخير. فقال له رسول الله ﷺ: «تمنّ ما شئت فإنّك لن تتمنّ اليوم شيئا إلاّ أعطيتك». قال: فإنّي أسألك ضأنا ثمانين. قال: فضحك (٧) رسول الله ﷺ، ثم قال: يا عبد الرحمن بن عوف وفّها إيّاه. ثم أقبل رسول الله ﷺ على أصحابه وقال: «ما كان أحوج هذا الشيخ أن يكون مثل عجوز موسى». قال: قلنا: يا رسول الله صلّى الله عليك، وما عجوز موسى؟ قال: بنت يوسف الصّدّيق ﵇، عمّرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر، فلما أسرى موسى ﵇ ببني إسرائيل غشيهم ضبابة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروها. وقيل لموسى: لن تعبر إلاّ ومعك عظام يوسف.
قال: ومن يدري أين موضعها؟ قالوا: ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها في
_________________
(١) الصواب: «نيّفا».
(٢) سورة الدخان، الآية ٢٥ - ٢٨.
(٣) الصواب: «ونجّى». . .
(٤) في المنتظم ١/ ٣٤٧ ستمائة وعشرون ألفا.
(٥) المنتظم ١/ ٣٤٧.
(٦) هكذا في الأصل. والعبارة ناقصة.
(٧) كتبت فوق السطر.
[ ٥٤ ]
الديار. قال: فرجع موسى. فلما سمعت حسّه قالت: موسى. قال: موسى. قالت:
وما ردّك؟ قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف. قالت (١): وما كنتم لتعبروا إلاّ وأنا معكم. قال: فدلّيني على عظام يوسف. قالت: لا أفعل إلاّ أن تعطيني ما سألتك.
قال: فلك ما سألت. قالت: فخذ بيدي. فأخذ بيدها، فانتهت به إلى عمود على شاطئ النيل في أصله سكّة من حديد مؤتدة فيها سلسلة، وقالت: إنّا كنّا قد دفنّاه من ذلك الجانب فأخصب، وأجدب ذلك الجانب، فلما رأينا ذلك جمعنا عظامه فجعلناها في صندوق من حديد، وألقيناه في وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا. قال:
فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها وألحقها بالعسكر، وقال لها: سل (٢) ما شئت. قالت: فإني أسأل أن أكون أنا وأنت في درجة واحدة في الجنّة، ويردّ الله عليّ بصري وشبابي حتى أكون شابّة كما كنت. قال: فلك ذلك» (٣).