إنّ أهمّ ما يلفت في الكتاب الذي بين أيدينا خلوّه من مقدّمة للمؤلّف، فهو يكتفي بوضع ما يقرب من العنوان، فيقول بعد البسملة والاستعانة بالله تعالى: «وهذا كتاب تاريخ يذكر مصر وفضلها، ولم سمّيت مصر، وما كان اسمها من قبل».
هذا ما ورد في نسخة المتحف البريطاني ذات الرقم (٢٣٦٦٢).
أمّا العنوان الكامل: «نزهة المالك والمملوك في مختصر سيرة من ولي مصر من الملوك» فورد في مخطوطة باريس ذات الرقم (١٧٠٦)، وفي باريس مخطوطة ثانية برقم (١٩٣١/ ٢٢) وهي تحمل عنوان: «فضائل مصر».
وقد اخترنا عنوان مخطوطة باريس الأولى ليكون عنوانا للكتاب، فهو أقرب دلالة على مادّته ومضمونه، إذ يعرّف المؤلّف أولا باسم مصر قبل الطوفان وبعده، وبفضلها كونها ذكرت في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وورود عدّة أحاديث شريفة بشأن القبط والوصيّة بهم، ثم يذكر خصائص مصر وما فيها من خيرات، وواحات، وآبار، وبعد ذلك يستعرض أسماء ملوك مصر قبل الطوفان، ثم يأتي على ذكر ملوكها في عهد الأنبياء نوح، ويوسف، وموسى، ﵈، وما كان في أيامهم من أحداث مشهورة، وينتقل بعد ذلك إلى ذكر خراج مصر، ومصالحة الروم والفرس على مصر، والإشارة إلى كنوزها، ليصل إلى مولد النبيّ محمد ﷺ، وكتابه إلى المقوقس، وبداية دخول عمرو بن العاص مصر في الجاهلية، إلى أن فتحها وفتح بلادها الداخلية والساحلية. وبعد ذلك يستعرض أسماء العمّال على مصر وولاتها دون توسّع، فيكتفي بذكر تاريخ الولاية ومدّتها لكلّ منهم، وذلك في العهدين: الأمويّ، والعبّاسيّ، ولم يسلم هذا العرض من نقص لأسماء بعض الولاة سقطت منه سهوا، ويتوقّف قليلا عند الخليفة «المأمون» ودخوله الهرم، ثم يواصل بعده سرد أسماء الولاة حتى ولاية «أحمد بن طولون»، فيروي عنه حكاية تدلّ على حزمه وتيقّظه، ثم
_________________
(١) التاريخ العربي والمؤرّخون - ج ٣/ ٢١٠،
(٢) نزهة المالك، ورقة ٥٩ أ.
[ ١٠ ]
يذكر أولاده الذين تعاقبوا على حكم مصر، والولاة العبّاسيّين من بعدهم مجدّدا، ثم دولة الإخشيد، وصولا إلى الدولة الفاطمية، بدءا من دخول «جوهر الصقلّي» وتخطيط القاهرة. وفي هذا الفصل لا يقتصر المؤلّف على ذكر أسماء الخلفاء الفاطميّين ومدد خلافة كلّ منهم، بل يذكر أسماء الخلفاء العبّاسيّين أيضا، وتواريخ خلافة كلّ منهم، ومدّتها، وتاريخ وفاته. وهو يدمج الخلفاء من الطرفين معا في سياق واحد حسب التتابع التاريخي. ومثل ذلك في عهد سلاطين بني أيوب، ولكنه في هذا الفصل يتوسّع في ذكر ما جرى بين الملكين الصالحين، نجم الدين أيوب، وإسماعيل، إلى أن يصل إلى سلاطين دولة المماليك الترك، ومن هنا ينزع المؤلّف إلى التوسّع حتى نهاية الكتاب، فيقدّم لنا مادّة غزيرة ليس عن مصر وسلاطينها فحسب، بل يتناول حوادث ووقائع كثيرة في أنحاء بلاد الشام، وبلاد الأرمن في آسية الصغرى، وبلاد الحجاز، واليمن، ويعرض لعلاقات المماليك والتتار، وعلاقات المماليك بعرب الصعيد، والسودان، وعلاقات المماليك بملوك الفرنج، إلى أن ينتهي الكتاب فجأة بعد حادثة السيل الذي خرّب مدينة بعلبك في سنة ٧١٧ هـ. / ١٣١٧ م.