وفي زمان الروم ولد سيّدنا رسول الله ﷺ محمد أشرف خلق الله، عام الفيل بعد قدومه (١) إلى مكة بخمسين يوما.
فلما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة ويوما أرسله الله ﷿ إلى الناس كافّة بشيرا ونذيرا.
وذلك ما رواه الشيخ عبد الرحمن بن نصر البصريّ الشهرزوريّ، عرف بابن الصلاح، رحمة الله عليه. وما رواه أبيّ [بن] (٢) كعب ﵁، أنّ النبيّ ﷺ بعث يوم السابع والعشرين من رجب. والله أعلم.
[كتاب الرسول ﷺ إلى المقوقس]
ثم إنّ النبيّ ﷺ كتب إلى المقوقس كتابا وسيّره مع حاطب بن أبي بلتعة في سنة ستّ من الهجرة، وكان قد رجع ﷺ [من] (٣) الحديبية، فمضى حاطب بكتاب رسول الله ﷺ، فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس في مجلس مشرف مطلّ على البحر، فركب حاطب في مركب، فلما حاذا (٤) مجلسه أشار بكتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس، وهو بين إصبعيه، فلما رآه أمر بإحضار الكتاب، وقبض حاطب وأوصل إليه، فلما قرأه قال: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعوا (٥) عليّ؟
فقال له حاطب: ما منع عيسى بن مريم ﵇ أن يدعو على من أبا (٦) عليه؟
فوجم ساعة، ثم أعادها، فأعاد عليه حاطب، فسكت. فقال له حاطب:
إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الربّ الأعلى فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك، وإنّ لك دينا لن تدعه إلاّ لما هو (خير) (٧) منه، وهو الإسلام الكافي الله به فقد ما سواه. وما بشارة موسى بعيسى إلاّ كبشارة عيسى بمحمد ﷺ
_________________
(١) المراد بعد قدوم «أبرهة» بجيشه ومعه الفيل.
(٢) إضافة على الأصل للضرورة.
(٣) إضافة على الأصل للضرورة.
(٤) الصواب: «حاذى».
(٥) الصواب: «يدعو».
(٦) الصواب: «أبى».
(٧) تكرّرت في الأصل.
[ ٦٦ ]
وعليهما، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلاّ كدعاية أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دينك، ولكنّا (١) نأمرك به.
ثم قرأ الكتاب، فإذا فيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من محمد رسول الله - ﷺ - إلى المقوقس عظيم القبط.
سلام على من اتّبع الهدى.
أمّا بعد. فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
فلما قرأه أخذه وحطّه في حقّ من عاج وختم عليه (٣).
ثم في وقت آخر عند فراغه أرسل المقوقس إلى حاطب فأحضره وهو [في] خلوة (٤) وليس عنده إلاّ ترجمان له، فقال:
ألا تخبرنّي عن أمور أسألك عنها، فإنّي أعلم أنّ صاحبك قد تخيّرك (٥) حين بعثك؟
قال: لا تسألنّ (٦) عن شيء إلاّ صدقتك.
وقال: قال: إلى ما يدعو محمد ﵇؟
قال: إلى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونخلع ما سواه؛ ويأمر بالصلاة.
قال: فكم تصلّون؟
قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحجّ البيت، والوفاء بالعهد. وينهى (عن المنكر) (٧) وأكل الميتة والدم.
قال: ما (٨) أتباعه؟
قال: الفتيان من قومه وغيرهم.
_________________
(١) الصواب: «ولكنّنا».
(٢) سورة آل عمران، الآية ٦٤.
(٣) فتوح مصر ١/ ١١٦، ١١٧.
(٤) في فتوح مصر ١/ ١١٧ «أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة، وليس عنده. .».
(٥) في الأصل: «يخبرك»، والتصحيح من فتوح مصر ١/ ١١٧.
(٦) في فتوح مصر: «لا تسألني».
(٧) ما بين القوسين ليس في فتوح مصر.
(٨) في فتوح مصر: «من».
[ ٦٧ ]
قال: فهل يقتل قومه؟
قال: نعم.
قال: صفه لي.
قال: فوصفه بصفة من صفاته (١).
قال: بقيت أشياء لم أرك ذكرتها. أفي عينيه حمرة قلّ ما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النّبوّة، [و] يركب الحمار، ويلبس الشملة (٢)، ويتحرّى (٣) بالثمرات والكسر من الخبز، لا يبالي بمن لاقا (٤) من عمّ ولا ابن عمّ.
قال حاطب: هذه صفته.
قال: قد كنت أعلم أنّ نبيّا قد بقي، وقد كنت أظنّ أنّ مخرجه من الشام، وهناك مخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج من الحجاز، وفي العرب، وهي أرض جهد وبؤس. والقبط لا تطاوعني في اتّباعه، ولا أحبّ [أن] (٥) يعلم أحد بمحاورتي (٦) إياك إليّ، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا، فارجع إلى صاحبك.
وكتب له جوابا:
«لمحمد بن عبد الله - ﷺ - من المقوقس عظيم القبط. سلام.
أمّا بعد. قد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرته وما تدعوا (٧) إليه، وقد علمت [أنّ] (٨) نبيّا قد بقي، وقد كنت أظنّه أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، وكسوة (٩)، وأهديت لك بغلة أن تركبها، وحمارا. والسلام» (١٠).
ثم سرّحه إلى رسول الله ﷺ.
فكانت الجاريتين (١١) إحداهما: مارية أمّ إبراهيم، والأخرى: ريحانة، وهبها
_________________
(١) في فتوح مصر زيادة: «لم آت عليها».
(٢) انظر عن «الشملة» في قاموس الألبسة عند العرب، لدوزي ٥٩ و٢٣٢.
(٣) في فتوح مصر: «ويجتزئ».
(٤) الصواب: «لاقى».
(٥) إضافة على الأصل.
(٦) في الأصل: «بمحاوتي».
(٧) الصواب: «تدعو».
(٨) إضافة على الأصل.
(٩) في فتوح مصر: «وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة».
(١٠) فتوح مصر ١/ ١١٧، ١١٨.
(١١) الصواب: «فكانت الجاريتان».
[ ٦٨ ]
النبيّ (ﷺ) (١) لجهم (٢) بن قيس العذريّ (٣)، فهي أمّ زكريّا أمّ ابن جهم (٤).
ويقال: بل وهبها لحسّان بن ثابت (٥).
ويقال: بل وهبها لدحية (٦) الكلبيّ (٧).
وقال آخرون، عن أبي حبيب: إنّ المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله ﷺ ضمّه إلى صدره وقال: هذا زمان يخرج فيه النبيّ الذي نجد نعته وصفته في كتاب الله ﷿. وإنّا نجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك عين ولا نكاح، وإنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وإنّ جلساؤه (٨) المساكين، وإنّ بين كتفيه خاتم النّبوّة.
ثم دعا رجلا يحسن [الكتابة] (٩) بالعربية، فكتب له الجواب، ثم لم يدع بمصر أحسن، ولا أجمل من مارية وأختها، وهما من أهل حفن من كورة أنصنا، فبعث بهما إلى رسول الله ﷺ، وأهدى له بغلة شهباء، وحمارا أشهبا (١٠)، وثيابا من قباطيّ مصر، وعسلا من عسل نحل بنها، وبعث إليه بمال صدقة، وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه (١١)، وينظر إلى ظهره هل يرى فيه شامة كبيرة ذات شعرات.
ففعل ذلك الرسول.
فلما قدم على رسول الله ﷺ قدّم إليه الأختين والدّابّتين والعسل والثياب، وأعلمهم أنّ ذلك كلّه هديّة.
فقبلها رسول الله ﷺ، وكان لا يردّ الهدية على أحد من الناس، فلما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه، فكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى، فقال:
«اللهم اختر لنبيّك»، فاختار الله تعالى له مارية، وذلك أنه قال لهما: «قولا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله». فبدرت مارية
_________________
(١) في الأصل: «وهبها النبيّ عليه»، وقد أضفنا ما بين القوسين.
(٢) في حسن المحاضرة ١/ ٤٣ «لجهيم».
(٣) في فتوح مصر ١/ ١١٨ «العبدي»، وفي حسن المحاضرة ١/ ٤٣ «العبدري».
(٤) في فتوح مصر ١/ ١١٨: «أمّ زكريا بن أبي جهم»، وفي حسن المحاضرة ١/ ٤٣ «جهيم».
(٥) فتوح مصر ١/ ١١٨، المحبّر لابن حبيب ٧٦/ ٩٨، حسن المحاضرة ١/ ٤٣، تاريخ مصر وفضائلها ٤٢.
(٦) في الأصل: «لدحيا».
(٧) فتوح مصر ١/ ١١٨، حسن المحاضرة ١/ ٤٢، ٤٣.
(٨) الصواب: «وإنّ جلساءه».
(٩) إضافة على الأصل للضرورة.
(١٠) الصواب: «أشهب».
(١١) هكذا في الأصل، والمراد أن ينظر من هم جلساء النبي.
[ ٦٩ ]
فتشهّدت وآمنت قبل أختها. ومكثت أختها ساعة ثم تشهّدت. فوهب رسول الله ﷺ أختها لمحمد بن مسلمة (١).
وقال بعضهم: بل وهبها لدحية (٢) الكلبيّ (٣).
فأقامت مارية تحت النبيّ ﷺ، فولدت منه إبراهيم.
وتوفّي إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: «لو بقي إبراهيم ما تركت قبطيّا إلاّ وضعت عنه الجزية» (٤).