"إنما قيل له: مزيقيا؛ لأنه كانت تنسج له ثلاثمائة وستون حلة في السنة، فإذا أراد الدخول إلى مجلسه رمى الحلة التي عليه في ذلك اليوم، فقطعت مزقًا كيلا يجد أحد فيها ميلبسه بعده". "ويقال لأبيه: عمر ماء السماء لأنه كان يقوم في القحط مقام القطر، وجده حارثة يعرف بالغطريف"، وكانوا بيتًا مخلوقين للملك. ثم تزوج عمرو طريفة الكاهنة، فرأت في كهانتها دلائل خراب سد العرم، وإتلاف الأرض التي كانت تحته.
قال المسعودي: "كانت أرض سبأ أخصب اليمن وأنزهها، وأكثرها جنانًا، وهي من بين قصر مرصوف وشجر
[ ١ / ١٤٠ ]
مصفوف. وكانت مسيرة ذلك أكثر من شهر لراكب من هذه الحال لا يرى فيها الشمس ولا يفارقه الظل. وكان وراء السد أنهار عظام، وكانت المياه تخرج من أنقاب في مجار لها حتى ترتوي الجنان بتدبير أهل الحكمة. وكانت السيول تنحدر من الجبال هابطة على رؤوسها حتى تهلك الزرع، فصنعت له مصارف إلى البحر بتقدير عمرت به البلاد. ثم طالت الإعصار، فعمل الماء في تلك الأنقاب فأضعفها، فغلب الماء عليها، وجاء السيل فدفعها، فخرجت البلاد حتى تقوض سكان تلك الأرض عنها. وقيل: خربت الفأرة السد ليكون ذلك أظهر في الأعجوبة. وقال: وذلك لا اختلاف فيه عند أهل تلك الديار لشهرته".
ومن نكت الماوردي: بعث الله لسبأ ثلاثة عشر نبيًا فكفروا بهم، فعاقبهم الله بسيل العرم. وكان لهم بستان عن يمين الوادي وشماله، وكانت المرأة تمشي ومكتلا على رأسها فيمتلئ من الثمر. قال: والعرم: المطر الشديد أو المسناة بلغة أهل الحبشة، أو اسم الوادي الذي كانت تجتمع فيه المياه، سدوه بين جبلين بالحجارة والقار، وجعلوا له أبوابًا، يأخذون منها بقدر ما يحتاجون. فلما تركوا أمر الله، وكفروا بأنبيائه، بعث الله عليهم جرذًا يقال له: الخلد، فخرقة وأفسد أرضهم. قال: والقرى التي في قوله تعالى: "والقرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة"، قيل في القرى
[ ١ / ١٤١ ]
الظاهرة: كانت بين مأرب والشام، وقيل: هي السروات، وأنهم لما قالوا: "باعد بين أسفارنا" مللا من النعيم والسفر في العمران المتصل، وكفروا بالراحة، عاقبهم الله فأهلك أرضهم ومزقهم، وجرى المثل فيهم فقيل: "تفرقوا أيدي سبا".
وقال المسعودي: "كان أهل مأرب يعبدون الشمس، فبعث الله لهم رسلا، فكذبوهم وقالوا لهم: إن كنتم رسلا فادعوا الله أن يمزقنا كل ممزق، ويباعد بين أسفارنا، فدعوا الله فأجابهم".
قال صاحب التيجان: "وكان لمزيقيا بتلك البلاد أملاك عظيمة لم يكن لأحد من تبابعة اليمن مثلها. فأعمل الحيلة في الخروج من اليمن وبيع أملاكه، وخاف إن نادى ببيع أملاكه أن ينكر قومه ذلك، فقال لولده ثعلبة العنقاء: إذا أنا قعدت في محفل قومي وأمرتك بكذا، فأظهر عصياني، فاني سأنكر ذلك وأضربك، فقم فالطمني في خدي. ففعل ما أمر به أبوه، فأراد قومه قتله إعظامًا لما فعل بالملك، فقال: لا تقتلوه فإن الرحمة غلبت له في قلبي على السخط، ولكن سأبلغ منه أعظم مبلغ: إنما استطال ثعلبة وأطغاه المال، وأنا أبيع جميع مالي بمأرب تحت السد؛ ونذر لله نذرًا ليفعلن. فاغتنم الأزد ذلك وحمير واشتروه".
[ ١ / ١٤٢ ]
"فلما باع جميع ماله أخذ في الرحيل مع خواصه ومن نهض معه. قال: وكانوا يعمرون أعمارًا طوالا، حتى إنه ليكون مع الرجل من صلبه عسكر جرار. وكان مع عمرو ثلاثة وعشرون رهطًا من أولاده وعقبهم. فسار عمرو مزيقيا حتى نزل على عك، وأرسل إليهم في الجوار، فجمعهم سيدهم وصاحب أمرهم للرأي، فقالوا له: ذلك إليك، غير أنه ما نزل قوم قط على قوم، فعرفوا وجوه أرضهم ووطئوها، إلا كانت لهم الغلبة عليهم. وقد قال يعرب: ويل للمنزول عليه من النازل! فمال الأمر بينهما إلى الحرب بعد العهد والمجاورة".
وبعث مزيقيا الرواد يرتادون له حيث ينزل من البلاد، فمات في عك قبل أن يرجع رواده، واستخلف على قومه ابنه ثعلبة العنقاء، وأمه ذات القرطين مارية بنت ظالم ابن معاوية الكندية. وآل الأمر إلى أن انهزمت الأزد أمام عك، ثم عطفوا عليهم لما اشتغلوا في الغنائم وكانت الدائرة لهم. ثم أحسن إليهم العنقاء بأن دفع إليهم أموالهم ورحل عن بلادهم، فقالوا: أيها الملك، أوحشنا قدومك وقد ساءتنا فرقتك، فما أحسن الفرقة قبل المعرفة، وأحسن الاجتماع بعد الفرقة!
ثم رحلوا عنهم، ثم مروا على نجران، وتحاربوا عليها مع مذحج فانهزمت مذحج، ثم تصالحوا. ومن هنا وقع الافتراق على ما نذكر من تاريخ الأزد: لحق بعمان والبحرين بنو نصر بن الأزد، فكان الملك فيهم في بيت عمرو بن الجلندي؛ ولحقت أزد شنوءة بالسراة المطلة على
[ ١ / ١٤٣ ]
تهامة الحجاز، فكانت الرياسة فيهم في بيت عامر ابن الجادر بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وسمي الجادر لأنه جدد جدار البيت، وملك المدينة منهم الأوس والخزرج، وانخزعت خزاعة ببطن مر على مكة، وسار إلى الشام فملكها بنو جفنة، وكل هؤلاء من الأزد.
قال البيهقي: ولما كان العرم لم ترم حمير من اليمن ولا تغرب منها قبيلة. وأقام باليمن مع حمير من بني كهلان طائفة من الأزد ومذحج وكندة والأشعريون وأنمار، وتشأمت حمير لخم وجذام وعاملة وغسان. قال: ثم سارت بعدهم طيء. قال: ولم يكن لأحد من اليمانية اسم التبعية حتى قام بأمر حمير أسعد أبو كرب، وهو تبع الأوسط.
[ ١ / ١٤٤ ]