حكى صاحب التيجان عن وهب بن منبه أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثوا عن حمير فإن في أحاديثها عجائب، ومن أعجبها حديث ذي القرنين.
وقد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا: فقيل: كان نبيًا، وقيل كان ملكًا إلا أنه كان صالحًا مصدعا له بلطف الله، وقيل: كان من العرب، وقيل: كان من العجم. ثم اختلف في أي العجم كان، فتجاذبته الأمم لعلو ذكره كل أمة تدعي أنه منها.
والاعتماد في شأنه على ما ذكره صاحب التيجان، قال: "سئل ابن عباس ﵁ عن ذي القرنين من هو؟ فقال: من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد الذي مكنه الله في الأرض، وأتاه من كل شيء سببا، فبلغ قرني الشمس، وداس الأرض، وبني السد على يأجوج ومأجوج. قيل له: فالإسكندر؟ قال: كان رجلًا روميًا صالحًا حكيمًا بنى على البحر منارًا، ودوخ المغرب، وبنى فيه المدن والمصانع". وقد فخرت التبابعة بأن جدهما ذو القرنين، وذكرت ذلك في أشعارها.
قال: وكان ذو القرنين قد رأى في منامه ما أوجب موعظته ورجوعه عما كان عليه من التجبر الذي لم يسبقه إليه أحد من الملوك، فتواضع لله، وعدل ورجع عما كان عليه.
[ ١ / ١١٢ ]
ثم رأى في منامه أنه أخذ الشمس بيمينه، والقمر بشماله، والدراري تتبعه. ثم رأى أنه يأكل الأرضين وقد اشتد عطشه، فشرب البحار بحرًا بحرًا حتى أتى على السبعة الأبحر، ثم أقبل على البحر المحيط فشربه، فلما أمعن فيه بلغ إلى طين وحمأة سوداء، فلم يسغ له فتركه.
ثم أفاق، ثم رأى أن جميع الحيوان قد حشرت له، فذكر ذلك لأصحابه، فقال له شيخ منهم: لا يفسر لك ما رأيت إلا نبي من ولد إسحق بن إبراهيم بالبيت المقدس. فسار ذو القرنين بجنوده إليه بعدما أمر بعمود من رخام عند مدينة مأرب، فنقش فيه.
إذا كان الإمام يحيف جورًا وقاضي الأرض يدهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
ثم دخل بجنوده إلى الحرم، فمشى فيه حافيًا".
ثم ذكر الجوزي وغيره من المؤرخين أنه اجتمع بالحرم مع إبراهيم الخليل ﵇.
واجتمع بالخضر ببيت المقدس، فقال للخضر: أيوحى إليك؟ قال: نعم يا ذا القرنين! قال: ما هذا الاسم الذي دعوتني به؟ فقال له: أنت صاحب قرني الشمس. ثم ذكر له الرؤيا. ففسرها عليه بما تقضي له بملك الدنيا، والبلوغ إلى العين الحمئة، والانتهاء إلى الظلمة. وكان الخضر
[ ١ / ١١٣ ]
يوحي إليه في أمر ذي القرنين فيبلغه، فقال له الخضر: أمرت أن تسير إلى المغرب، وتبلغ وداي الياقوت.
فسارا وداسا الأمم وذو القرنين يقتل ويسبي. ومر على سودان زرق العيون، وعلى أخر آذانهم كآذان الجمال، ثم على أخر آذن الرجل منهم من أعلى رأسه إلى [ذقنه]، وغلب على أرض السودان، وجلب منهم مما بين يدي عسكره.
ثم جاز إلى الأندلس، فغلب على أقطارها. ثم رام ركوب البحر المحيط، فرأى الرياح تعلو بموجه كالجبال، فبنى هنالك منارة نحاس عقد بها عاصفات الرياح. ثم سكن البحر، ولان ركوبه حتى انتهى إلى عين الشمس "فوجدها تغرب في عين حمئة"، ووجد دونها جزائر فيها أمم لا يفقهون ما يقال لهم، فأراد قتلهم، فقال له الخضر: "إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنًا.. (الآية) ثم أتبع سببًا"، وهو المنام يراه فيفسره له الخضر. فسار حتى بلغ أرض الرمل، فأقبلت الشمس حتى وقعت في العين الحمئة، فكاد يهلك هو ومن معه من وجبة الشمس. ووجد وادي الرمل يسيل بالرمال كالجبال، فرام أن يعبره فلم يطق، فأقام عليه أربعة أيام حتى دخل عليه السبت
[ ١ / ١١٤ ]
فسبت، وقدم بين يديه آلافا ليعبروه، فهلكوا ولم يرجع منهم أحد.
ثم أتبع سببا، وسار مع وادي الرمل حتى بلغ الظلمة، فسار ليله ونهاره سواء، وعين الشمس تسقط خلفه حتى شق واديا تزلق فيه الخيل وجميع ما معهم من الدواب، فقال له أصحابه: يا ذا القرنين، ما هذا؟ قال: هذا شيء من أخذ منه ندم، ومن تركه ندم! فساروا فيه أيامًا إلى أن أشرق عليهم مكانهم، وفاض نور الصخرة، ونظروا لما حملوا معهم من ذلك الوادي فإذا هو ياقوت، فندم من حمل منه على كونه لم يستكثر منه، ومن لم يحمل ندم على كونه ضيع ما تركه خلفه.
ثم دنا ليرقى على الصخرة فاضطربت، فرجع عنها فسكنت. ثم رقي عليها الخضر فسكنت، ولم يزل يرقى وذو القرنين ينظر إليه إلى أن غاب. وناداه مناد: امض أمامك، واشرب وتطهر فإنها عين الحياة! وإنك تعمر إلى يوم النفخ في الصور، ويموت أهل السموات والأرض، وتذوق أنت الموت حقًا! فشرب وتطهر ورجع فأعلم بذلك ذا القرنين، وقال له: ليس بعد هذا مزيد لا لإنس ولا جان.
ثم أتبع سببا، ونودي بالمسير إلى مطلع الشمس، فسار ونزل على قصر المجدل وهو قصر عابر بن شالخ، فرأى من عجائبه أن يرى من داخل القصر من هو خارجه، فقال فيه. ثم أمر أن يكتب عليه شعرًا فيه:
[ ١ / ١١٥ ]
نزلنا من قرى الصخر على القصر فقلناه
فمن سال عن القصر فمبني وجدناه
ثم سار حتى بلغ نهاوند، فاعترضته جبال شاهقة وشعاب عظيمة، فقيل له: إن هذه الشعاب تنقل إلى جابلقا وجابرصا، وشعب إلى بلخا وحابلجا وأرض يأجوج ومأجوج، وشعب إلى خرسان، فأخذ على شعب جابرصا وغلب على من كان بها، وعطف على باب الأبواب، وهو سماه بذلك وقال:
جزعنا الشرق والغرب وجزنا باب أبواب
وأيدنا من الغيب بآيات وأسباب
وفي الأمر تصاريف وآيات لألباب
وعلم فوق علام وغلاب لغلاب
[ ١ / ١١٦ ]
وكان قد أعطاه الله كل لسان يكلم به جميع من يمر عليه، فبلغ يأجوج ومأجوج فقاتلهم فغلبهم، وأتى منه بأمة يقال لهم: بنو علجان بن يافث، فتركهم في ناحية منقطعة، ومضى إلى الشمال فسموا الترك، وبلغ في الشمال الأرض الهامدة فافتتحها - وهي أرض مبسوطة لا تلعة فيها ولا رابية - ثم بلغ جزائر البحر الزوراء التي تزاور عنها الشمس عند طلوعها، فوجد عندها قومًا صغار الوجوه مشعرين كأنهم قرود، لا يظهرون إلا بالليل، ثم وجد قومًا من يأجوج سودًا وجوههم كوجوه الخنازير، وهم في مطلع الشمس لا يظهرون إلا بالليل من شدة الحر، كما قال تعال: " [ثم أتبع) سببا. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا".
ثم ركب البحر المحيط فسار فيه حولا كاملا حتى ترك الشمس عن يمينه. ولجج الظلمات، فوصل إلى أرض بيضاء كالثلج لا ينبت فيها شيء، وعليها ضوء كضوء الشمس يخطف الأبصار، وهي أرض الفضة البيضاء. فلم تستطع الدواب [أن] تمشي عليها، فسار وحده أيامًا حتى بلغ إلى دار بيضاء وعليها رجل أبيض واقف، فقال له: أين تريد يا ذا القرنين؟ لم تكفك أرض الجن والأنس حتى انتهيت إلى أرض الملائكة؟ وكان على سطح الدار رجل قد أخذ في فمه شيئًا كقرن، أراد الله بذلك أن يري ذا القرنين كيف ينفخ إسرافيل في الصور، وأعلمه بذلك الملك، وقال له: ارجع فليس لك من مدخل. وأعطاه عنقودًا من عنب أكل منه جميع عسكره ولم ينقص منه
[ ١ / ١١٧ ]
شيء، فكان ذلك مما زاد أصحابه فيه يقينا. ثم وزن الحجر بجميع جواهر الأرض من حديد وغيره والحجر يرجح. وكان الخضر في ذلك كله معه، فقال له الخضر: هذا الحجر مثل لعينك لا يملأها شيء من جميع ما في الأرض، ولكن يملأها هذا - وغرف قبضة من تراب فحملها في كفة والحجر في كفة، فرجح التراب.
وبنى ذو القرنين السد على ما هو مذكور. ويقال: إنه مسيرة سبعة أشهر، قال: ثم دوخ الأرض، وداس الهند والسند وانثنى راجعًا إلى بابل، فتغلب على من بها. ورأى بها في الأسباب أنه يموت، وأعلمه الخضر بذلك، فقال في ذلك شعرًا طويلًا، يصف فيه ما لقي من الأمم، وما جال من الأقطار، ثم مات بالعراق.
وغاب الخضر، فلم يظهر لأحد بعده إلا لموسى بن عمران ﵉. وقد تقدمت ترجمة الخضر.
ودفن ذو القرنين عند قراقر في طريق الحجاز. وذكر صاحب التيجان أنه ينسب إلى ذي القرنين الشعر المشهور:
[ ١ / ١١٨ ]
منع البقاء تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي
ومنه في وصف عسكره:
وبألف ألف كالنجوم لهم [زجل] كأسراب القطا الهمس
والصعب ذو القرنين يقدمها لصلاح أرض الترك والفرس
وأنشد لها شعرًا منه:
جررت كماة الشرق والغرب ظاهرًا على موج يم مزبد متلاطم
عقدت بعنق الريح عقدًا يكنها فأمسك عن مجرى المدى المتلاطم