ذكر صاحب التيجان أنه ولي بعد أبيه ملك اليمن بغمدان، وطال سيره في الأرض، وامتد عمره إلى أن صار يرعش من الهرم.
وتلخيص خبره أنهم سموه تبعا الأكبر وإن كان قد تقدمه غيره من التبابعة، ولكن كان ذلك لعظمه في النفوس. وهو الذي ذكره الله في كتابه "أهم خير أم قوم تبع"؛ لأنه لم يقم قط للعرب قائم أحفظ لهم منه: يتجاوز عن مسيئهم، ويحسن إلى محسنهم. وكان بنو قحطان شاكرين له، داعين لله في بقائه. وكان أعقل من رأوه من الملوك، وأبعدهم مكرًا لمن حاربه، فضربت به الأمثال.
وكان أبوه ناشر النعم قد مات بأرض العجم ودفن في جهة الدينور، فبلغ شمرًا أن الصغد والكرد وأهل نهاوند والدينور نبشوه وهدموا قبره، وعبثوا برخامه وزجاجه فنذر شمر ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلا منيفا. وغضبت العرب لغضبه، ونهض بالجموع العظيمة التي قال فيها:
يا لك من جمع إذا ما يرى ليس بذي نزر ولا خاذل
[ ١ / ١٣٢ ]
ومنه:
إن أغفلوا العهد وآياته فان شمرًا ليس بالغافل
وصار سلطان الفرس بلاس تحت يده، وذلك أن جموع بني يافث اجتمعت لقباذ بن شههريار، فلم تكن له طاقة بشمر. وبلغ شمر إلى الغاية القصوى من النصر، وتحصن منه قباذ ملك الفرس بجبل، وقال لابنه بلاس: اقتلني فاني ميت على يد تبع، فقال له ابنه: لا تطاوعني يدي على ذلك. قال: إن أنت لم تفعل قتلت أنا وإخوتك وقومك، وطلب من بقي من فارس فلا يبقى منهم أحد. ولكن الرأي أن تقتلني فتتقرب بذلك إليه، وأحمل له رأسي، وخذ أمانًا لك ولاخوتك، ودار عن فارس ما أمكنه.
فاتفقا على أن فصده في الأكحل حتى مات، وحمل رأسه إلى شمر، وقال له: أيها الملك، هذا سبيل من عصاك، فكيف سبيل من أطاعك وسعى في رضاك؟ فقال له شمر: قتلت يا بلاس أباك في رضاي فلك رضاي، فقال بلاس: أيها الملك، لم يرد أبي هلاكي ولكن أراد بقائي. ثم مت إليه بجهة القرابة في سام، فملكه على فارس، وصار في طاعته، وجعله مقدمة على أعدائه، فقال: أيها الملك، إن لم أقاتلهم بالسهام الفارسية والسيوف الكرمانية والنصال الهندية لم أوف لك. فسار بين يديه، فقتل الصغد والزط والخزر، فهم أقل بني يافث اليوم وكانوا أكثرهم. وكان
[ ١ / ١٣٣ ]
الصغد بنهاوند والدينور في جوار الكرد، فساروا خلف النهر.
ولما أراد أن يوفي نذره قال له أشراف حمير: أيها الملك أي شرف في أن تبني قبر أبيك برؤوس الأعاجم وقد بلغت إربك؟ فأعاده إلى بنائه الأول، ولم يوف بذلك النذر بعد القدرة عليه.
وسار إلى الهند، وكان ملكهم حينئذ تحته السند والحبشة والنوبة والقبط وجميع بني حام، واسمه تقمير، فلاقاه تبع، فهزمه تبع. فاحتال ملك الهند بأن ضرب نفسه، وأظهر أنه هارب من قومه لما أشار عليهم بمهادنة تبع، وخدع شمرًا حتى وجه معه عسكرًا تغلغل به في المهالك والعطش. وكان عند شمر علم من الزجر عن بلقيس، فرأى أن عساكره عطاش، فوجه إليهم عبيده بالمياه، فلحقوهم ولم يمت إلا اليسير، ورجعوا إليه بملك الهند. فقال له شمر: لم غدرت؟ قال: بل وفيت لقومي وغدرت بعدوهم، فإن قتلت قتلت جانحًا، وإن تركت تركت ناصحًا. فأحسن له وولاه على قومه، فقال: إن عندي نصيحة في مقابلة ما فعلت؛ فقال: قل تسمع؛ فال: إن أرض الهند وبيئة فلا تقابلها بالمهج، فمن تاجر بروحه لم يربح. وأوصاه تبع بأهل الهند وقال: بلغهم مراتبهم؛ فإن كل أمة إن لم تبلغ مراتبها نغلت صدورها، وهانت عليها أعمارها. ثم أحضر أولاده لتبع ودله على مكان ابنه جلهم، فملكه على الصين والهند، وهو
[ ١ / ١٣٤ ]
أول متوج بالصين. وقال له تبع: أنت كنت أولى بهذا الملك، فقال: أيها الملك، إنه وهن عظمي، وأحسست من روحي العجز، وأخشى ألا أقدر على مكافأة إحسانك. وثانية أني جدعت أنفي حيلة للدفع عن قومي. فكرهت أن ينظر إلي بعين النقص من كان ينظرني بعين التمام. وإني بصير بكيد الملوك وإدارات الحروب، وإن الملك ينبغي له أن يكون في عسكره الصناع ورجال التجارات ورجال الخدمة وأصحاب المشورة وإدارات الحروب، ولا يقوم ملك إلا بهذه الأوصاف. وإنها أيها الملك عندي، وأريد أن أكون في خدمتك. ثم سار معه، وأوصى ولده.
قال صاحب التيجان: وكان معه في هذه الغزوة جيوش إياد وربيعة ومضر، ومدحهم في شعر يقول فيه مبشرًا بالنبي ﷺ:
إلى أن يلي الأمر من هاشم نبي أمين كريم النسب
فلو مد عمري إلى عمره لفرجت عنه جميع الكرب
"ولما سبى نساء بني يافث قال لقومه: لا تحبسوا من نساء الكرد سبيا؛ فانهن يفسدن النسل، ويغيرن العقول".
"ثم حرضه قومه على قتال السودان، وقالوا له: وأنت تعلم، أيها الملك، أن نصف حمق الدنيا مصبوب في رؤوس
[ ١ / ١٣٥ ]
السودان! فعبر النيل، وقاتلهم بالبهسناء ثم هزمهم وأخرجهم إلى الرمال، فتلف جمهورهم. وحارب الحبشة، ودوخ الأرض شرقا وغربا".
"وهو أول ملك صنع الدروع السابغة التي منها سواعدها وأكفها".
"وكان عامله على الفرس بلاس بن قباذ، وعلى الروم ماهان، وكانوا يرسلون الإتاوة. وفي ذلك يقول صريع الغواني:
ملكوا على الدنيا فما أحد بها إلا وهو في ملكهم مقهور
أعطاهم ذل الإتاوة قيصر وجبى إليهم خرجه سابور"
قال: "وأمر أن يكتب على قبر أبيه في أرض الهجم: هذا أثر ملك العرب والعجم شمر يرعش الأشم، نزل
[ ١ / ١٣٦ ]
هنا في الشهم الأصم، فروى السيف من مهج ودم، فمن فعل بعدي فعلي فهو مثلي، ومن جاوزه فهو أفضل مني. بررت قسمي، ووفيت لذمتي".
"ثم رجع تبع إلى غمدان وقد ملك الأرض". "ومات وكان عمره ألف عام وستين عامًا".
ورأيت في تواريخ الأمم للأصفهاني ترجمته: وهو "أبو كرب شمر بن أفريقس بن أبرهة، ولي بعد ناشر النعم. وتزعم أهل اليمن أنه ذو القرنين، سمى بذلك لذؤابتين كانتا تنوسان على ظهره".
"وبلغ من بعد مغاره أنه غزا الشرق، فدوخ خراسان، وهدم أسوار مدنها، ومما هدمه مدينة الصغد، فقيل بعد ذلك: شمر كند، أي شمر خربها، ثم عربت فقيل: سمرقند. وقيل: كان في زمان يستاشف ملك الفرس. وكان ملكه مائة وسبعًا وثلاثين سنة، والاختلاف كثير".
[ ١ / ١٣٧ ]
وترك في بلاد الترك طائفة من العرب يكونون رابطة هنالك، فقيل: الثبت لأنهم ثبتوا.
وله حكاية مشهورة في حيلته على فتح سمرقند، وكيف جعل الرجال في الجواليق حتى ثاروا في وسط المدينة وغلبوا عليها، وكانت لامرأة من الترك، فأخذوها وسلبوها ملكها.
وقيل: إن أباه أفريقس بن أبرهة كان السلطان، وأنه أنفذه إلى المشرق، وسار هو إلى المغرب، وبنى أفريقية، وأنزل بها بقية الكنعانين وهم البربر.