وقد ذكر صاحب الكمائم أن السميدع كان يحارب بني هود باليمن. فلما رأى غلبتهم على تلك البلاد، كان سلطان قومه، قال لهم: الحزم عندي أن تبعدوا عن هؤلاء القوم، وتتركوا لهم هذه الأرض، ولا تجاورهم فيها؛ فقد عصفت لهم رياح النصر، وامتدت في تأييدهم يد القدرة، ومن يغالب الله مغلوب. فقالوا: الرأي ما رأيت ونحن طوعك.
[ ١ / ٥٥ ]
فساروا إلى أن حازوا بالحرم وبه جرهم الأولى المبلبلة، فطمعوا فيما بأيديهم، فقال لهم السميدع: إن هؤلاء سبقوكم إلى الحرم، وقد توطنوا واستقروا في بيوتهم، وإنكم إن أخرجتموهم الآن من ديارهم بوشك أن يسلط الله عليكم غدا من يخرجكم من دياركم. فهاجت حفائظهم، وقالوا: إنما أنت دليل لا تصلح للملك، وإن لم تنزل بنا عليهم ونخرجهم وإلا ولينا أمرنا غيرك. فقال العزل مع العدل خير من الولاية مع الجور، شأنكم وولايتكم! فداوروه وسايسوه، ووسوسوا إلى نسائه، وقالوا: نحن أخرجنا غيرنا من بلادنا، فكذلك نخرج هؤلاء من ديارهم. والأرض لله، وإنما هي لمن غلب عليها بسيفه، ولم يجعل الله لأحد قدرة على أرض إلا وقد أراد أن يسكنهم إياها. فخلبوه بهذا الكلام وأشباهه إلى أن أطاعهم.
واتصلت الحروب بينهم وبين جرهم إلى أن كانت الدائرة على جرهم، وأخرجوهم من الحرم وملكوه، وكادوا يفنون جرهم ولم يبق إلا من لاذ بالجبال والشعاب. فقال لهم قومه كيف رأيتهم؟ لو كان هؤلاء جيران الله لم يخذلهم. قال: ما تسمعون مني كلمة في هذا، ومن عاش أبصر واعتبر! ثم مات السميدع، وولى بعده أولاده، وصار السميدع لقبا لملوكهم.
قال البيهقي: ثم دخلت عليهم جرهم الثانية القحطانية، ولاة التبايعة، فأخرجتهم من أوطانهم كما قال السميدع الأكبر: فمضت منهم فرقة إلى أطرار الشام فملكوا
[ ١ / ٥٦ ]
أيلة ومشارق الفرات، ومضت منهم فرقة إلى مصر كان منهم فراعنتها، وبقيت منهم فرقة إلى جوار جرهم الثانية.
قال: ونزل بالمدينة النبوية من العمالقة بنو عبيل بن مهلائيل بن عوص بن عمليق، وملكهم يثرب بن عبيل. قال: وهو أول من نزلها وبناها من العمالقة، فعرفت به، توالت بها ملوكهم.
ونزل بخيبر خيبر بن قانية بن مهلائيل بن عوص بن عمليق، فعرفت به، وتوالى ملكها في ولده إلى أن أخذتها اليهود منهم.
قال صاحب الأغاني: "كان السبب في كون اليهود بالمدينة، وهي في وسط بلاد العرب، مع أن اليهود أرضهم بالشام، أن العمالقة كانت تغير عليهم من أرض الحجاز، وكانت منازلهم يثرب والجحفة إلى مكة. فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى ﵇، فوجه إليهم جيشًا وأمرهم أن يقتلوهم ولا يبقوا منهم أحدًا، ففعلوا، وتركوا منهم ابن ملكهم الهرم بن الأرقم، فرقوا له، ثم رجعوا إلى الشام وقد مات موسى ﵇. فقالت بنو إسرائيل المقيمون: قد عصيتم وخالفتم فلا نؤويكم، فقالوا: نرجع إلى البلاد التي غلبنا عليها، فرجعوا إلى يثرب وغيرها، فتناسلوا بها إلى أن نزل عليهم الأوس والخزرج بعد سيل العرم.
وذكر الطبري "أن نزولهم ببلاد الحجاز إنما كان حين وطئ بختنصر بلادهم بالشام وخرب بيت المقدس".
[ ١ / ٥٧ ]
ومن الكمائم أن أول من نزل مدينة أيلة من طرف الشام من العمالقة أيلة بن هوبر العمليقي، فبناها وتوالى ملكها في ولده، وصار السميدع سمة لكل ملك منهم.
ونزل أخوه فاران بن هوبر بالمدينة التي في جهتها المعروفة بفاران. ولما نزل بنو إسرائيل بالتيه الذي أقاموا فيه أربعين سنة، وهو على مرحلتين من أيلة، كان العمالقة يغيرون عليهم، فأذن لهم موسى ﵇ في غزوهم، ثم غزاهم يوشع بن نون فأفناهم، وامتد بنو إسرائيل بعد ذلك إلى أرض العرب، فسكنوا أيلة وغيرها.