لابد للقاضي من أعوان يستعين بهم على ضبط هيبة مجلس القضاء، فهم الذين يحفظون نظامه ويدخلون الخصوم إلى القاضي بالترتيب الأول فالأول، كما أنهم يخرجون من يطلب القاضي إخراجه عند إساءته الأدب ونحوه.
وهؤلاء الأعوان يشترط فيهم الصلاح والأمانة، فيؤمن جانبهم بعدم قبول الرشوة، فلا يُقَدَّم أحد في الدخول إلى القاضي، كما أن صلاح الأعوان ضروري لكي يعاملوا أولئك الخصوم المتزاحمين على باب القاضي بالرفق واللين، فضلًا عن دورهم في إحضار الخصوم وتنفيذ الأحكام. وفي هذا يقول ابن العطار "يجب أن يكون أعوان القاضي في زي الصالحين
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ١١٦.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
أحوال الناسكين مستمسكين بهديه وحاله، فإنه يستدل بأحوال المرء بصاحبه وغلامه (^١) ".
ويقول ابن عبدون: "لا يستعمل القاضي … من الأعوان من كان غائظًا ولاشريبًا ولا غضوبًا ولا مهذارًا كثير الكلام واللدد، فيهذب ذلك منهم (^٢) " كما يجب أن يكون للقاضي رقبة عليهم وهيبة، يخوفهم لئلا يقدموا على أمر فيفعلونه، أو قول فيقولونه، أو أمر فيفسدونه، ولا يمكّن من الدخول عليه أحد منهم حتى يدعى عند الحاجة إليه، فهو موضع رشوة وفساد (^٣) " لأجل هذا نجد أن قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد كان قد اتخذ أعوانًا شيوخًا توسم بهم الخير والسداد (^٤).
وعن عدد الأعوان لدى القاضي ذكر ابن عبد ون -معاصر المرابطين- أن عددهم لدى القاضي في اشبيلية كان لا يتجاوز العشرة، منهم أربعة سودان برابر لأجل المرابطين والبقية من أهل الأندلس (^٥). وعلل سبب بلوغ عددهم العشرة ما عرف عن أهل اشبيلية في ذلك الوقت من كثرة الخصومات بسبب اشتداد الخلاف بين أهلها (^٦)، وعليه فمن
_________________
(١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٣.
(٢) - رسالة ابن عبدون، ص ١٢.
(٣) - المصدر السابق، ص ١٠.
(٤) - النباهي، ص ٦٤.
(٥) - رسالة ابن عبدون، ص ٩.
(٦) - المصدر السابق، ص ١١.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
المتوقع ألا يكون عددهم في قرطبة إبان الدولة الأموية أقل من ذلك ويتم صرف أرزاق أولئك الأعوان من بيت مال المسلمين مثلهم في ذلك مثل القاضي الذي يأخذ رزقه من بيت المال (^١)، يدل على ذلك أن قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد عندما تولى القضاء سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦ م) طلب من الأمير عبد الرحمن بن محمد أن يكون رزق أعوانه من بيت المال (^٢)، ولكن ربما صرفت أرزاقهم من موارد أخرى، إما من رزق القاضي أو من المدعى أو المدعي عليه إذا عرف بالمماطلة (^٣).