عرفت الدولة الأموية في الأندلس هذا النوع من الخزائن، في عهد الأمير المنذر بن محمد ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨) م) فهو الذي أمر بإنشائه لاستلام أموال الأوقاف، وأطلق عليه لقب "بيت المال (^١) " ورغم أنه أقيم في داخل جامع قرطبة، إلا أن ذلك لم يجعله في منأى عن اللصوص، فقد تعرض للسرقة وذلك في شهر شوال سنة (٣٥٣) هـ (^٢) (أكتوبر (٩٦٤) م).
وقد أُسندت مهمة الإشراف على بيت مال المسلمين، لقاضي الجماعة، وهو بدوره لا يمكِّن أحدًا من العمل فيه، إلا من كان غنيًا، عدلًا، ثقة، ومع ذلك يكون القاضي دائم التفقد لهم، والسؤال عن أحوالهم في كل شهر إن أمكن، كما أن على القاضي أن يجتهد في إنماء تلك الأموال، مستعينًا على ذلك بآراء الفقهاء، ليكون بعضهم على بعض
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٠.
(٢) - المصدر السابق، ٢/ ٢٣٦.
[ ٣٦٢ ]
شهيدا، ويكونوا جميعًا على علم بما يُدخل إلى بيت المال وما يُخرج منه، وفي أي شيء صُرف، وبذلك لا تكون هناك فرصة للتلاعب بالأموال (^١).
وقد تنوعت موارد بيت مال المسلمين، مابين أحباس، ومال غيبة، وزكاة. فأما الأحباس، فقد كان أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، يتنافسون مع الأثرياء من رعاياهم في التحبيس لوجه الله تعالى، طلبًا لمرضاته، وطمعًا في ثوابه، ومواساة لضعفاء المسلمين (^٢).
كما أن من غاب عن أملاكه ولم يكن له ورثة، أُدخلت أمواله إلى بيت مال المسلمين، ومن مات وليس له وارث إلا أحد الزوجين، فإن الفاضل من ميراثه يذهب لبيت مال المسلمين (^٣). كما أن أي ذمي مات وترك مالًا منقولًا أو غير منقول، ولم يكن له وارث، ذهبت أمواله إلى بيت مال المسلمين (^٤). وكذلك المرتد إذا لم يتب، فإن أمواله تدخل إلى بيت مال المسلمين (^٥).
_________________
(١) - ابن عبدون، رسالة في القضاء والحسبة (ضمن مجموعة ثلاث رسائل في الحسبة تحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة ١٩٥٥ م). ص ١٠.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٧. الإحاطة ٣/ ٥٤٩. الونشريسي، المعيار المعرب ٧/ ٤١٦ - ٤١٧.
(٣) - عبد القديم زلّوم، الأموال في دولة الخلافة، (بيروت، دار العلم للملايين، ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م) ص ١٢٩.
(٤) - المرجع السابق، ص ١٢٩ - ١٣٠.
(٥) - نفسه، ص ١٣١ - ١٣٢.
[ ٣٦٣ ]
وأما الزكاة فهي حق مقدَّر يجب في أموال معينة، وهي عبادة من العبادات وركنا من أركان الإسلام الخمسة، وبذلك فهي فرض عين على كل مسلم يملك النصاب فاضلًا عن ديونه، ويمضي عليه الحول، ومتى وجبت في مال المسلم لا تسقط عنه، وقد حرص الأمويون في الأندلس على إرشاد ولاتهم في الكور والثغور وبر العدوة المغربية، على أخذ الزكاة من مستحقيها بشروطها الشرعية، ويتضح هذا جليًا في الكتاب الذي أرسله الخليفة الحكم المستنصر بالله لأبي العيش بن أيوب عندما ولاه النظر على جماعته من قبيلة كتامة، وذلك في يوم الثلاثاء لست خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٢) هـ (يونيو (٩٧٣) م) (^١).
وكان هناك أُناس قد تخصصوا بجمع الزكاة من الذين وجبت عليهم، ويطلق على من يقوم بجمعها اسم "مصدق" (^٢).
وقد تعددت وجوه إنفاق أموال بيت مال المسلمين، فهناك الصدقات التي يتم توزيعها على مستحقيها، ومن أجل تنظيم هذه الناحية بصورة أكثر مما كانت عليه، أنشأ الخليفة الحكم المستنصر بالله دارًا للصدقة غربي المسجد الجامع بقرطبة وذلك سنة (٣٦٠) هـ (٩٧١ م) (^٣).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١١ - ١١٤.
(٢) - المصدر السابق، ص ١١٣.
(٣) - نفسه، ص ١٩. البيان المغرب، ٢/ ٢٤٠.
[ ٣٦٤ ]
كما يتم بناء المساجد من بيت مال المسلمين، فالأمير عبد الرحمن الداخل قام ببناء جامع قرطبة من مال الأحباس (^١)، وبيت مال المسلمين هو ساعد قوي للدولة عند تعرضها لأزمة اقتصادية (^٢)، وإذا أراد الأمير أو الخليفة الأموي القيام بوجه من أوجه الخير، مثل غزاة، أو إصلاح موضع من الثغور، أو مدافعة عدو عن المسلمين، دفع إليه القاضي من بيت مال المسلمين ما يراه على طريق المعونة، وصلاح أمور المسلمين (^٣). وفي الفتنة البربرية، أثناء محاصرة البربر لقرطبة سنة (٤٠١) هـ (١٠١٠ م) وافق قاضي الجماعة أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان (^٤) على إعطاء المدافعين
_________________
(١) - محمد بن عبد الوهاب الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، (بعناية: الفريد البستاني، نشر مؤسسة الجنرال فرانكو ١٩٣٩ م) ص ١٩.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٩٣ - ٩٤.
(٣) - ابن عبدون، ص ١١.
(٤) - أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان بن عبد الله بن عبدوس بن ذكوان، أصله من جيان، كان من شيوخ أهل العلم، مذكورًا بالفضل، من أهل بيت فهم وعلم ورياسة، كان ملازمًا للمنصور بن أبي عامر، لايفارقه في حضر ولاسفر، والمنصور دائم الاستشارة له، ولاه خطة الرد، ثم قضاء الجماعة، ثم جمع له الصلاة والخطبة، وفي عهد المظفر استمرت مكانة ابن ذكوان بازدياد لديه، رغم تعرضه للعزل عن مناصبه مدة تسعة أشهر، وقد كان المظفر ما يجري شيئا من أمور الدولة إلا عن مشورة ابن ذكوان، وفي عهد عبد الرحمن بن المنصور أصبح ابن ذكوان قاضي القضاة، فهو أول من تسمى بهذا الاسم في الأندلس، كما ولاه عبد الرحمن الوزارة، وبذلك فهو أول من جمع بين المنصبين في الأندلس، فلما تولى المهدي الخلافة، وكان حاقدًا على ابن ذكوان، نزع عنه مسمى قاضي القضاة، وأبقاه على قضاء الجماعة، ولم يجرؤ على مساسه بالأذى لجلالة مكانته في قلوب الخاصة والعامة، وفي سنة ٤٠١ هـ تم طرد بني ذكوان من الأندلس إلى العدوة المغربية، بسبب مكائد واضح الصقلبي، لأن ابن ذكوان كان يدعو للسلم والصلح مع البربر، وبعد أن قُتل واضح، عاد ابن ذكوان وأسرته إلى الأندلس، إلا أنه رفض المناصب رغم الإلحاح عليه، ومازال ابن ذكوان عظيم أهل الأندلس قاطبة، وأعلاهم محلًا، وأوفرهم جاهًا، هيبته في مرتبة هيبة الخليفة، إلى أن توفي ﵀، حيث دفن بعد صلاة العصر من يوم الأحد لتسع بقين من رجب سنة ٤١٣ هـ، بمقبرة بني العباس، عن إحدى وسبعين سنة، ولم يتخلف عن شهود جنازته كبير أحد من الخاصة أو العامة، وشهد الصلاة عليه الخليفة يحيى بن علي بن حمود، فقدم للصلاة عليه أخاه أبا حاتم محمد بن عبد الله بن ذكوان صاحب المظالم. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٢٣. ترتيب المدارك ٧/ ١٦٦ - ١٧٥. الصلة، ترجمة رقم ٦٥. المرقبة العليا، ص ٨٤ - ٨٧.
[ ٣٦٥ ]
خمسمائة فرس من مال الأحباس يحمل عليها مرتجلة العبيد (^١)، ويبدو أن موقفه هذا كان نتيجة تأثره بموقف أهل قرطبة منه عندما طلبوا منه أن يمكنهم من الأموال المخزونة بالجامع ليدفعوها للنصارى حلفاء الخليفة المهدي وذلك سنة (٤٠٠) هـ (١٠١٠ م) فقد رفض القاضي طلبهم، إلا أن عامة أهل قرطبة هجموا على المسجد الجامع وكسروا باب المقصورة وأخذوا الأموال ودفعوها، مع ما قد جمعوه من قبل للنصارى (^٢).
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ١٠٤.
(٢) - المصدر السابق، ٣/ ٩٨.
[ ٣٦٦ ]