كان اختيار ولي العهد للولاية يتم قبل إعلان الاختيار الرسمي بوقت طويل، فقد كان الأمير أو الخليفة يتعهد من يرشحه للولاية منذ نعومة أظفاره، فيهتم بتأديبه، وتثقيفه، ويختار له أفضل المؤدبين من الفقهاء والمحدثين، لينشأ مثقفًا ملمًا بمعارف شتى، سواء منها ما كان يتصل بالثقافة العامة كعلوم الدين والأدب والتاريخ وسير الأولين، أو ما كان يتصل بالثقافة السياسية الخاصة بتدبير الأمور وسياسة الرعية.
فهذا الخليفة الحكم المستنصر رغم أنه اختار الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف المعافري (^٢) لتأديب ولي العهد هشام المؤيد (^٣)، إلا أن الخليفة كان يتدخل في عملية التأديب فرسم للمؤدب الخطة التي عليه أن يعمل بمقتضاها في تأديب ولي العهد، وحدد له مكانًا خاصًا يتمكن من خلاله متابعة ولده ومؤدبه، فلما ظهرت علامات الاستيعاب على الولد عبر
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٤١.
(٢) - هو أبو القاسم أحمد بن محمد بن يوسف المعافري، الملقب بالقسطلي، قرطبي، رحل إلى المشرق سنة ٣٤٢ هـ وعاد إلى الأندلس سنة ٣٤٥ هـ حيث تولى أحكام الشرطة وجلس في الجامع لنشر الحديث، وكانت وفاته ﵀ بسبب سقوطه في الحمام، وذلك في شهر صفر سنة ٣٦٨ هـ، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٦٦.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ٧٦.
[ ٢٢١ ]
الخليفة عن سروره بإخراج الأموال لتقسم على المحتاجين شكرًا لله تعالى (^١).
وكما كان الخليفة يهتم بتأديب ولي عهده، فإنه كان يهتم بتدريبه أيضا، وذلك من خلال إسناد بعض المسئوليات إليه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قام بتكليف ولي عهده ابنه الحكم المستنصر بتولي "أمر الجباية والخزانة والخُزَّان ودار الضرب وغلاتها، وقلده الإشراف على ذلك كله والوقوف على وجوهه ومعانيه وعلاته ودواعيه، فأحسن النظر وبان أمره فيما تقلد منه، واستراح إلى كفايته" (^٢).
وإضافة إلى ما سبق كان حكام بني أمية في الأندلس يجعلون ولي العهد يقيم معهم في القصر، دون بقية الأبناء وكان في ذلك فائدة عظيمة له، فهو فضلًا عن تعلمه الكثير من فنون الحكم بسبب معايشته للأمير أو الخليفة، فإن وجوده في القصر يفرض عليه واجبًا لا يمكنه الإخلال به، ألا وهو البقاء في القصر عند مغادرة والده قرطبة، وفي هذه الحالة فإن مكانه من القصر السطح، لأنه يقع فوق الباب الرئيسي للقصر وهو باب السدة، وهو أيضًا مجلس للأمراء والخلفاء، ومن خلال جلوسه في السطح يكون في مأمن، كما أنه يتمكن من مراقبة الباب الرئيسي للقصر، ومعرفة الداخل للقصر والخارج منه، إذ أن من يملك القصر يسيطر على الدولة، فهو مكان قعوده في النهار، ومبيته في الليل، ولايؤذن له في مغادرته البتة
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٧٦ - ٧٧.
(٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٩.
[ ٢٢٢ ]
لأي أمر كان، ويبيت معه في السطح أحد الوزراء، بالإضافة إلى فتى من أكابر الفتيان (^١).
وإن حاول ولي العهد مغادرة السطح، فإن للوزير الموكل بمرافقته الحق في منعه بأي وسيلة كانت، وإن لزم الأمر وضع القيد برجليه، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط عندما خرج في بعض مغازيه ترك أحد أولاده على سطح القصر، ووكل عليه الوزير أمية بن عيسى بن شهيد (^٢)، وكان لولد الأمير وكيل متدلل، فتظلم ذلك الوكيل إلى الولد من الوزير أمية بن عيسى، فحاول الولد الضغط على الوزير، إلا أنه لم يحفل به، فأرسل إليه الولد رسولًا يهدده بأنه سوف ينزل من السطح بصحبة غلمانه ويقتص لوكيله منه، يقول ابن القوطية صاحب الرواية:
_________________
(١) - انظر: ابن القوطية، ص ٨٦، طوق الحمامة، ص ١٤٤ - ١٤٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٣. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٣٤.
(٢) - هو أمية بن عيسى بن شهيد ينتمي لأحد البيوتات الشهيرة في الأندلس، وكان أمية أجل وزراء الأمير محمد وأجملهم عنده وأنهضهم بخدمته، وكانت ولاية المدينة مداولة بينه وبين وليد بن عبد الرحمن بن غانم، كما كان أمية يلي قيادة الجيوش للأمير محمد. انظر: ابن القوطية، ص ٨٥ - ٨٧، ٩٤ - ٩٥، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص ١٧١ - ١٧٢، ١٧٥ - ١٧٦.
[ ٢٢٣ ]
"فضحك (^١) - أي الوزير - وكان لم ير في المدينة ضاحكًا إلا لهذا الأمر، ولأمر نزل [بعد] لا يحسن ذكره، فقال للرسول: بالله الذي لا إله إلا هو لئن جاوز باب السطح حيث ولاه أبوه، لا طرحناه في الدويرة (^٢) في كلبين يكون بهما حتى يقفل أبوه أو يأتي عهد بإطلاقه" (^٣).
وإذا اضطر ولي العهد لمغادرة القصر بسبب استدعاء والده له، فإنه يستخلف أحد إخوته وذلك لإنفاذ الكتب باسمه إلى حين عودته (^٤).