للموقع الجغرافي دور كبير في إقامة العلاقات بين الدول. بل إن الموقع يحتم على أي دولة إقامة علاقات معينة ومن نوع خاص، مع دولة أو دول مجاورة لها (^١).
ونظرًا للمكانة التي كانت تحتلها دولة الأمويين في الأندلس جغرافيًا وسياسيًا، والتي مكنتها من تحقيق ما يمكن تسميته بالتوازن الدولي (^٢)، في ذلك الوقت، فإن هذا التوازن حتم عليها قيام علاقات بينها وبين الشمال الأفريقي وأوروبا، تمثلت في تبادل الوفود التي كانت تنطلق من قرطبة وإليها لأغراض شتى.
وكان النصارى المحيطين بالدولة الأموية من الشمال، قد جعلوا من أولى مهامهم ضرورة اقتلاع تلك الدولة الإسلامية إن أمكن أو زعزعة استقرارها على الأقل.
_________________
(١) - ليس بالضرورة أن ينطبق هذا القول على الدول الإسلامية بوجه عام، والعربية بوجه خاص في الوقت الحالي.
(٢) - المقصود بالتوازن الدولي، هو أن الدولة الأموية أصبحت إحدى دول العالم الكبرى آنذاك، وأصبحت موازية في قدارتها العسكرية لدولة الفرنجة وما جاورها أو لإمارات الشمال الإفريقي.
[ ٢٣٦ ]
ومن هنا كانت الصدامات العسكرية بين الطرفين لا تكاد تنقطع طيلة ثلاثة قرون تقريبًا، يتخللها أحيانًا وصول وفود دبلوماسية إلى قرطبة، قادمة من الشمال.
وأما عن علاقات قرطبة بالإمارات التي نشأت في الشمال الأفريقي، فقد كانت ودية إلى حد كبير، تبادلت فيها جميع الأطراف المصالح المشتركة (^١).
وقد كان الأمويون شديدي الحرص على مصلحة دولتهم من كافة النواحي، لذا فقد انتهجوا منذ البداية سياسة قائمة على دبلوماسية تعتمد على الاستجابة لأي نداء يعود بالخير على الجميع، لأجل هذا فقد شهدت قرطبة منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل توافد سفارات ذات أغراض متعددة.
فمنها ما هو للهدنة والصلح، وأخرى لتوثيق عرى المودة وثالثه من أجل المحالفات، ورابعة للتعزية والتهنئة، كما أن هناك ما كان الهدف منها دفع أذى قوى معارضه، إلى غير ذلك من الأغراض.
فبعد فشل الهجوم الذي شنه الإمبراطور الفرنجي شارلمان (٧٧١ - (٨١٣) م) على الأندلس سنة (١٦١) هـ (^٢) (٧٧٨ م) عندما أراد أن يحقق
_________________
(١) - انظر: سالم الخلف، المرجع السابق ص ١٩٩ - ٢٠٥، ٢١٣ - ٢١٦، ٢٢٦ - ٢٣٤، ٢٤١ - ٢٤٥.
(٢) - كارلس ديفر: شارلمان، ص ١٠١ - ١٠٢.
[ ٢٣٧ ]
أحلامه بطرد المسلمين منها (^١)، أرسل من عنده وفدًا إلى قرطبة يحمل رسالة للأمير عبد الرحمن الداخل يدعوه فيها إلى المصاهرة والسلم، فأجابه
_________________
(١) - هذه الأحلام كانت-كما تقول الرواية- تأتيه عن طريق رؤى يراها، فقد ورد في قصة "تيرين" التي ترجع إلى القرن السادس الهجري-الثاني عشر الميلادي- أن القديس "جيمس الرسول" الذي يقع مشهده في Comopostele بشمال غربي أسبانيا تراءى لشارلمان أثناء النوم وأخبره بأن جثمانه الذي لا يعرفه المسلمون والمسيحيون يرقد في تلك الأرض النائية، ثم أمر شارلمان بأن ينهض ويستخلص جليقية من أيدي المسلمين. وبعد أن تكررت الرؤيا ثلاث مرات لم يسع شارلمان إلا أن يلبي النداء في الرابعة. انظر: كارلس ديفز، شارلمان ص ٩٨. د. السيد الباز العريني، بعض معالم عهد شارلمان. (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية. المجلد الثامن ١٩٥٩ م) ص ١٤٤. ويشير ابدال مؤرخ شارلمان "إلى أن الأهداف التوسعية والأطماع السياسية هي المحرك الأساسي لحملات شارلمان العسكرية، إلا أنه غلفها بالستار الديني سواء كان في غزوه للأندلس أو حروبه في أوربا" انظر: عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١، ص ١٧٢. ويمكن أن نخرج من قصة رؤيا شارلمان بفائدة، وهي أن الدول التي تقوم على معتقد ديني لا يمكن توحيد الصفوف ضدها إلا بإثارة معتقد ديني مضاد. وهذا ما عمد إليه شارلمان، فلعله أحس تقاعسًا من أبناء النصارى عن ملاقاة المسلمين في الأندلس ولذا وجد أن السبيل الأوحد لجمع شملهم ضد المسلمين هو إشعال جذوة الدين في نفوس أولئك النصارى. وهذا ما يجب اليوم على الدول الإسلامية أن تأخذه مأخذ الجد، إذ أن إشعال جذوة الدين في نفوس أبناء المسلمين هو السبيل الأمثل لتخليص الأمة الإسلامية من تسلط الأعداء.
[ ٢٣٨ ]
الأمير الأموي إلى السلم ولم تتم المصاهرة (^١)، وفي هذه المناسبة جرى توقيع هدنة بين الطرفين سنة (١٦٤) هـ (٧٨٠ م) تقريبًا (^٢).
وفي عهد الأمير الحكم الربضي (١٨٠) - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) عقدت هدنة مع شارلمان ومن ثم مع ولده لويس التقي (٨١٣ - (٨٤٠) م) (^٣).
وشهد عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) توقيع هدنة بينه وبين إمبراطور الفرنجة شارل الأصلع (ت (٨٧٧) م)، فقد ذكر ابن حيان عند حديثه عن العلامات التي اُستدل بها على ترشيح الأمير عبد الرحمن الأوسط ابنه محمدًا لولاية العهد، مانصه: "وكان الذي استدلوا به على ترشيح الأمير والده إياه
_________________
(١) - نفح الطيب ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٢) - عن هذه الهدنة والآراء التي طرحت حولها. انظر: محمد مرسي الشيخ، دولة الفرنجة وعلاقاتها مع الأمويين في الأندلس حتى أواخر القرن العاشر الميلادي (الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، ١٩٩٠ م)، ص ٢١٨ - ٢٢٧ والمصادر المذكورة.
(٣) - انظر: ابن الأثير، الكامل، ٥/ ٣٦٩. ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٧٣. شكيب أرسلان، تاريخ غزوات العرب. (القاهرة، مطبعة عيسى الحلبي وشركاه. ١٣٥٢ هـ). ص ١٤١ - ١٤٤.
[ ٢٣٩ ]
(تصديره) لرسل قارله بن أذفونش (^١) ملك الفرنجة القادم عليه مكانه" (^٢).
ويتضح من عبارة ابن حيان أن ملك الفرنجة قارله بن أذفونش "شارل الأصلع" هو الذي طلب الهدنة، وأرسل وفدًا من عنده وصل قرطبة سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) (^٣).
ونتيجة للهجوم الذي شنه القراصنة النورمان (^٤) على الأندلس شهد عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط اتصالات دبلوماسية بينه وبين ملك النورمان "هوريك (^٥) " وقد انفرد ابن دحية من بين المؤرخين في ذكر تلك الاتصالات، ونقلها عنه المقري، يقول ابن دحية: "ولما وفد على السلطان عبد الرحمن رسل ملك المجوس يطلب الصلح بعد خروجهم من اشبيلية
_________________
(١) - أطلق عليه ابن حيان اسم "قرلش بن لذويق" المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٠. بينما أسماه ابن عذاري "فردلند" البيان المغرب: ٢/ ١٠٨. وتابعه في ذلك ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ٢/ ٢٣. واسمه الحقيقي: قارله " Charles" الملقب بالأصلع " Chauve" المعروف بلقب الورع " Le Pieux" انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٠٣ حاشية رقم ٧.
(٢) - المصدر السابق ص ١٠٣.
(٣) - Levi- Provencel: OP.Cit.I، P: ٢١٣
(٤) - عن أولئك القراصنة وإلى من ينتمون. انظر: د. حسين مؤنس: غارات النورمانديين على الأندلس بين سنتي ٢٢٩ - ٢٤٥ هـ (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية، المجلد الثاني، العدد الأول، مايو ١٩٤٩ م) ص ٢٤ - ٢٨.
(٥) - المرجع السابق ص ٢٩.
[ ٢٤٠ ]
وإيقاعهم بها وقتل قائد الأسطول فيها رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغزال (^١) أن يمشي في رسالته مع رسل ملكهم لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى بن حبيب، فنهض إلى مدينة شلب (^٢) وقد أنشأ لهم مركب حسن كامل الآلة وروجع ملك المجوس على رسالته، وكوفئ على هديته" (^٣).
ومن هذا النص يتضح أن الوفد الذي قدم من لدن ملك المجوس إنما جاء لطلب الصلح، وقد أخذ بهذا الرأي أحد الباحثين حيث قال:
_________________
(١) - يحيى بن الحكم البكري الجياني، المعروف بالغزال، ولد سنة ١٥٦ هـ تقريبًا وتوفي سنة ٢٥٠ هـ، لقب بالغزال لجماله وأناقته، كان شاعرًا مطبوعًا، وكان جليل القدر مقربًا من أمراء بني أمية، عرف بسعة الثقافة وحدة الخاطر. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٨٨٨. بغية الملتمس، ترجمة رقم ١٤٦٧. آنخل بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، (ترجمة: د. حسين مؤنس، القاهرة مكتبة النهضة المصرية ط الأولى ١٩٥٥ م)، ص ٥٥ - ٥٦. وانظر: محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال (بيروت، دار الأفاق الجديدة ١٩٧٩ م) ص ١٧ - ٣٢.
(٢) - شلب Silves قاعدة كورة أكشونبة، بقبلي مدينة باجه، وتشتهر بوفرة شجر التفاح انظر: الروض المعطار ص ٣٤٢ - ٣٤٣ وهي اليوم مدينة صغيرة في جنوب البرتغال تابعة لمديرية الغرب ALgarve.
(٣) - المطرب، ص ١٣٠ - ١٣٦، وانظر: نفح الطيب، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٩. وقد قوبلت رواية ابن دحية بانكار بعض المهتمين بالدراسات التاريخية الأندلسية. انظر: د. حسين مؤنس، غارات النورمانديين على الأندلس، ص ٤٢ - ٤٧، ٦٠ - ٦٣.
[ ٢٤١ ]
"وأدرك ملك الغزاة مدى قوة المسلمين، واعتقد أنهم سوف ينتقمون منه ومن شعبه فبادر فورًا إلى توجيه سفارة لأمير الأندلس عبد الرحمن يطلب الصلح وتوطيد العلاقات" (^١).
ولا أدري على أي أساس يقدم ذلك الباحث هذا الرأي، فإذا كان الملك "هوريك" يقطن في شمال أوربا فما الذي يزعجه من الأمير عبد الرحمن الأوسط وقواته، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة جدًا وعقبات لا يمكن تجاوزها.
ولعل الأولى بالقبول في سبب وصول وفد النورمانديين إلى قرطبة، هو ما ذهب إليه الأستاذ حسين مؤنس، فقد ذكر أن للملك "هوريك" علاقات واضحة مع بعض ملوك أوربا في ذلك الوقت، فليس من المستبعد أن يقوم بمراسلة الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي يحكم دولة من أقوى دول العالم المعروفة آنذاك، إن لم تكن أقواها على الإطلاق.
ويجب ألا ننسى أنه ربما كان يرغب في الحصول على بعض طُرف لطائف الأندلس من الثياب وغيرها، والتي كان غزاة النورمانيين يحرصون عليها بشدة ويرغبون بها عن الذهب والفضة (^٢)، وقد أتحف الأمير الأندلسي ملك النورمان بالكثير من تلك الطرف واللطائف حيث سر بها بشدة، بالإضافة إلى أن الملك هوريك اعتاد أن يكتب إلى جيرانه بعد كل حادثة يقوم بها قراصنته ضد أولئك الجيران، متنصلًا من تبعتهم له،
_________________
(١) - د. محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال، ص ١١٢.
(٢) - ابن القوطية، ص ٦٥.
[ ٢٤٢ ]
ومعتذرًا عما اقترفوه، فلماذا لا يكون الأمير عبد الرحمن الأوسط من بين أولئك الجيران (^١)؟.
وفي ربيع سنة (٨٤٥ م) الموافق شهر شوال أو ذي القعدة من سنة (٢٣٥) هـ وصل وفد ملك النورمان إلى قرطبة، وبعد أن أدى رسالته غادر في أوائل سنة (٢٣٦) هـ الموافق أواخر صيف سنة (٨٤٥ م) وبصحبته الوفد الأندلسي (^٢) المكون من يحيى الغزال وصاحبه يحيى بن حبيب (^٣)، وعندما وصل الغزال وصاحبه إلى عاصمة النورمان أمر الملك بإكرامهما وأنزلهما منزلًا حسنًا، ثم جلس لاستقبالهما بعد يومين فقط من وصولهما حيث استلم رسالة الأمير عبد الرحمن الأوسط، واستعرض هديته، ولم
_________________
(١) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٤٠، ٤٥ - ٤٦.
(٢) - المرجع السابق، ص ٥١ - ٥٢.
(٣) - المطرب، ص ١٣٠، وقد ذهب الدكتور البنداق إلى أن ابن حبيب هذا هو الشهير بـ"صاحب المنيقلة" حيث خرج من ذلك بنتيجة مؤداها أن وجوده في السفارة مهم جدًا إذ أن معرفته بالفلك تمكنه من دراسة "ظروف الحياة الطبيعية في بلدان الشمال وإطلاع الأمير عليها" انظر: البنداق، المرجع السابق ص ١٥٠. والذي ذهب إليه الدكتور البنداق غير صحيح إذ أن صاحب المنيقلة هو عباس بن فرناس الذي اشتهر بعدة علوم من بينها الكيمياء والفلك. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٨٢ - ٢٨٣. المغرب في حلى المغرب ١/ ٣٣٣. نفح الطيب ٣/ ٣٧٤.
[ ٢٤٣ ]
يخف سروره بها، وبعد أن مكث رسولا الأمير مدة انصرفا عائدين إلى قرطبة (^١).
هذه هي سفارة الغزال التي كانت ردًا على وصول الوفد النورماني القادم من الدنمارك، وبذلك نجح الأمير عبد الرحمن الأوسط بالأسلوب الدبلوماسي الذي اتبعه تجنيب بلاده هجمات أولئك القراصنة طيلة سني حكمه، وتمكن خلالها من تحصين بلاده (^٢)، الأمر الذي نتج عنه فشل الهجوم الذي شنه النورمانديون على الأندلس سنة (٢٤٥) هـ (٨٥٩ م) فشلًا ذريعًا (^٣).
وكما شهد عصر الإمارة اتصالات دبلوماسية تهدف إلى المهادنة والمصالحة، كانت هناك اتصالات أخرى ذات أغراض شتى.
_________________
(١) - المطرب، ص ١٣١ - ١٣٢، ١٣٦. وانظر: د. حسين مؤنس، المرجع السابق، ص ٦٣.
(٢) - عن التحصينات التي قام بها الأمير عبدالرحمن الأوسط. انظر: ابن القوطية، ص ٦٥ - ٦٧. المغرب في حُلى المغرب، ١/ ٤٩. الروض المعطار ص ٥٨ - ٦٠، ٤٦١ Levi- Provencal: Op cit.T.I.P: ٢٢٥.
(٣) - انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١١٨ - ١١٩. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٧ - ٣٠٩. البيان المغرب، ٢/ ٩٦ - ٩٧. غارات النورمانديين على الأندلس، ص ٦٤ - ٧٣. Levi- Provencal: Op Cit.T.I P: ٣١٠ - ٣١٢ ..
[ ٢٤٤ ]
فقد وصل إلى قرطبة سنة (٢٠٧) هـ (٨٢٢) وفد رسمي قادم من إمارة الرستميين (^١)، وكان الوفد مكون من عبد الغني ودحون وبهرام (^٢)، أبناء عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (^٣) وذلك
_________________
(١) - الإمارة الرستمية، هي الدولة الفارسية الأولى في الإسلام، تنسب إلى مؤسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، أحد موالي الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فقد تم انتخاب ابن رستم إمامًا لإباضية المغرب الأوسط، وبعد إتمام بناء مدينة تاهرت سنة ١٦١ هـ جُددت له البيعة وذلك سنة ١٦٢ هـ. وقد مكث الحكم في ذريته وراثيًا، إلى أن أزيلت على يد داعية العبيديين أبي عبد الله الشيعي وذلك في شهر شوال سنة ٢٩٦ هـ. انظر: البكري، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، ص ٦٧ - ٦٨. أبو زكريا يحيى بن أبي بكر، سير الأئمة وأخبارهم (تحقيق: وتعليق: إسماعيل العربي، الجزائر، المكتبة الوطنية، ط ١٣٩٩ هـ). ص ٥٣ وما بعدها. البيان المغرب ١/ ١٩٦ - ١٩٧. محمد بن تاويت، دولة الرستميين أصحاب تاهرت، (مدريد، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية. المجلد الخامس العدد ١ - ٢ سنة ١٩٧٥ م). ص ١٠٥ وما بعدها. د. محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي (بيروت، دار العودة، ١٩٧٦ م) ص ١٠٧ - ١٥٧. محمد ولد داداه، مفهوم الملك في المغرب، من انتصاف القرن الأول إلى انتصاف القرن السابع. (بيروت- القاهرة ١٩٧٧ م) ص ٢٥ - ٣١. د. محمد عيسى الحريري، مقدمات البناء السياسي للمغرب العربي (١٦٠ - ٢٩٦ هـ) (القاهرة، مكتبة الشباب ط الأولى ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م) ص ٦٧ ومابعدها.
(٢) - Levi- Provencal Op Cit.T.I.P: ٢٤٤.
(٣) - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ثاني الأئمة الرستميين، وإمام من أعظم أئمة الإباضية في تاهرت بالجزائر وعلى يديه افترقت الإباضية، كان فقيهًا عالمًا شجاعًا يباشر الحروب بنفسه. انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، (تحقيق: د. محمد ناصر وإبراهيم بعاص بيروت، دار الغرب الإسلامي، ١٤٠٦ هـ (١٩٨٦ م) ص ٤٣ - ٦٥.
[ ٢٤٥ ]
لتقديم التعزية للأمير عبد الرحمن الأوسط بوفاة والده، وتهنئته بمناسبة استلامه الحكم (^١).
وقد جرى للوفد استقبالٌ باهرٌ، حيث استقبلهم الأمير وبالغ في الحفاوة بهم، حتى غدت هذه الحفاوة مثار إعجاب الناس ومدار حديثهم (^٢).
_________________
(١) - ذكر ابن سعيد أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد أنفق في هذا الاحتفال ألف ألف دينار، انظر: المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٨. 'إلا أنني أرى أن المبلغ المذكور فيه مبالغة، فإذا كانت الجباية في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تبلغ ألف ألف دينار، فكيف ينفق كل الجباية في احتفال واحد، وعليه فالأصح أن يقال أنه أنفق على الاحتفال ألف دينار فقط، أو ألف ألف درهم.
(٢) - وعن العلاقة وأهميتها بين الرستميين وأمويي الأندلس، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٨٥، ١٣٠. الحلة السيراء ٢/ ٣٧٢، ٣٨٧، ٣٩٠. البيان المغرب: ٢/ ٨٢، ٨٧، ١١٨، ٢١٢، ٢١٤. د. محمود مكي، الخوارج في الأندلس، (مجلة تطوان للأبحاث المغربية والأندلسية، المغرب ١٩٥٦ م)، ص ١٧٣ - ١٧٤. محمد بن تاويت، دولة الرستميين أصحاب تاهرت (صحيفة معد الدراسات الإسلامية، مدريد، م ٥، ع ١ - ٢ سنة ١٩٥٧ م. أرشيبالد لويس، القوى البحرية والتجارية، (ترجمة: أحمد محمد عيسى، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية ١٩٦٠ م) ص ٢٦٠ - ٢٦١. L.Provencal: Op.Cit.vI، P: ٢٤٤.
[ ٢٤٦ ]
وفي سنة (٨٣٩ - (٨٤٠) م) (٢٢٥) هـ وصل إلى قرطبة رسول يدعى: قراطيوس Kratiyus على رأس وفد قادم من عند الإمبراطور البيزنطي: تيوفيلوس Theophilus (^١) .
وقد جرى للرسول البيزنطي استقبالٌ حافلٌ، وبعد أن قدم هدايا الإمبراطور للأمير، تليت الرسالة التي من أجلها حضر الوفد إلى قرطبة، فقد أبدى فيها الإمبراطور رغبته في إقامة علاقات ودية مع الأمير الأموي، وأن تكون بينهما معاهدة صداقة وتحالف، كما لم ينس تذكيره بموطنه الأصيل، وقسوة العباسيين ضد أسرته، وإن باستطاعته العودة إلى الشام، ويتعهد له بتقديم المساعدة اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ثم تطرق إلى مسألة الأندلسيين الذين استولوا على جزيرة إقريطش (^٢)، وفي نهاية رسالته لمز
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧، بروفنسال، الإسلام في المغرب والأندلس، (ترجمة د. محمود عبدالعزيز سالم، محمد صلاح الدين، القاهرة، مكتبة نهضة مصر ١٩٥٦) ص ٩٧.
(٢) - عن جزيرة إقريطش "كريت" انظر: د. اسمت غنيم، الإمبراطورية البيزنطية وكريت الإسلامية، (جدة، دار المجمع العلمي، ١٣٩٧ هـ) ص ٢١ - ٣٢، والمصادر المذكورة. وقد أحدث ضياع إقريطش من أيدي البزنطيين ارتباكًا واضحًا في النظام الدفاعي للإمبراطورية البيزنطية عموما، لأنه أفقدها ميزة الانسجام بين قواتها البرية والبحرية. انظر: د. أحمد العدوي، إقريطش بين المسلمين والبيزنطيين في القرن التاسع الميلادي، (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية م ٣ ع ٢ أكتوبر ١٩٥٠ م) ص ٦٠. وأما عن الأندلسيين الذين تمكنوا من الإستيلاء على جزيرة إقريطش. انظر: د. عبد العزيز سالم، تاريخ الإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي، (نشر: مؤسسة شباب الجامعة ١٩٨٢ م) ص ١٢٨ - ١٣٨. قارن: ابن حزم، جوامع السيرة، (تحقيق: إحسان عباس وناصر الدين الأسد. القاهرة. المكتبة التجارية الكبرى. د. ت) ص ٣٤٤. الحلة السيراء، ١/ ٤٤ - ٤٥ المغرب في حُلى المغرب ١/ ٤٤.
[ ٢٤٧ ]
الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم ونعتهما بابني مارده ومراجل (^١).
وردًا على رسالة الإمبراطور البيزنطي، وبناءً على طلبه، فقد بعث الأمير عبد الرحمن الأوسط بوفد من عنده مكون من عضوين برئاسة يحيى بن الحكم الغزال حَّمله فيها رسالته وهديته، وفي القسطنطنية جرى للوفد استقبال حافل برز فيه الغزال بطرفه وجماله ورجاحة عقله، فنال إعجاب الإمبراطور، فدعاه إلى مائدته، وبعد أن أدى الوفد مهمته عاد إلى قرطبة دون الارتباط بأي حلف مع البيزنطيين (^٢).
وهناك معاهدة تحالف وقعت بين قرطبة وإمارة "نافار (^٣) Navarre" فقد وصلت سفارة من النافار إلى بلاط الأمير عبد الرحمن الأوسط، أبرمت على أثرها معاهدة تحالف بين الطرفين، تقوم بموجبها
_________________
(١) - الإسلام في المغرب والأندلس، ص ٩٧ - ٩٨.
(٢) - نفح الطيب، ١/ ٢٤٦. الإسلام في المغرب والأندلس ص ٩٢ - ١١٨.
(٣) - مملكة "نبارِّة تقع في بلاد البشكنس Basques جنوب جبال البرتات، كانت في البداية واقعة تحت سلطة بعض النبلاء التابعين للفرنج أو لحكام من كانتبرية Cantabria أو أمراء من أسترياس Austurias استقلت في القرن الثاني الهجري، وأصبحت بنبلونه قاعدة لها. انظر: د. عبد الرحمن الحجي،، اندلسيات، ٢/ ٥٢.
[ ٢٤٨ ]
القوات الإسلامية بمساعدة النافار ضد أي اعتداء خارجي، في حين أن على النافار مساعدة القوات الإسلامية عند عبورها جبال البرتات (^١) متجهة إلى فرنسا (^٢).
وفي أواخر عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن وصل إلى قرطبة السفير: دولئديو " Dulcidio" أسقف سلمنقة (^٣) " Salamonca" مبعوثاُ من قبل ألفونسو الثالث ملك ليون، للتفاوض مع الأمير محمد من أجل توقيع معاهدة صلح بين الطرفين، وقد نجح السفير في مهمته وعاد إلى "أوفيدو (^٤)
_________________
(١) - البرتات أو البرت " Pirineos- Pyrenees" هي الجبال التي تفصل أسبانيا عن فرنسا، وهي محرفة عن الأسبانية " Puerta" والبعض يسميها خطأ جبال البرانس، وهذه تقع شمال قرطبة، وتسمى جبل المعدن Siera de Almaden ولجبال البرتات أربع ممرات كلها ضيقة يدخلها الفارس بعد الفارس، أشهرها باب الشيزري أو برت شيزرو " Portus Cisenus" يبلغ طوله ٣٥ ميلًا، وعلى طرف كل ممر تقع مدينة في الجهتين. انظر: أرسلان، الحلل السندسية ٢/ ١٠٨ - ١١٣. د. حسين مؤنس، تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، (مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ط الأولى. ١٣٨٦ هـ (١٩٦٧ م» ص ٢٦٤، ٢٧٤. أندلسيات، ٢/ ٧٢.
(٢) - انظر: أندلسيات، ٢/ ٧٢.
(٣) - سلمنقة: مدينة تقع غرب شقوبيه على بعد ٩٩ كيلو متر، وسلمنقة القائمة على ضفاف نهر تورمس تمتاز بالثقافة، فشوارعها وميادينها غاصة بطلاب العلم الذين يفدون إليها من شتى الأقطار في العالم. انظر: رحلة الأندلس، ص ٣٥١ - ٣٥٢.
(٤) - أوفيدو أو أوبيط، مدينة تقع في شمال أقليم اشتوريس قرب خليج البسكايه إلى الغرب من صخرة كوفادونجا على مسافة خمسة وثمانين كيلو مترًا، ومن أبرز معالمها جامعة من أقدم الجامعات الأسبانية، أنشأت سنة ١٠١٣ هـ، ولاتزال قائمة إلى اليوم. انظر: الأثار الأندلسية الباقية ص ٣٦١ - ٣٦٥.
[ ٢٤٩ ]
Oviedo" عاصمة ليون (^١)، ومعه رفاة اثنين من النصارى، هما القس أولوخيو Eulogio وصاحبته ليو كريسيا Leocrecia وذلك سنة (٢٧٠) هـ (٨٨٣ م) (^٢). وعلى الرغم من كثرة الوفود التي قدمت إلى قرطبة طوال عصر الإمارة (١٣٨) - (٣١٦) هـ (٧٥٥ - (٩٢٨) م) إلا ان المصادر خلت من ذكر أي مراسم تقام في تلك المناسبات، ولعل ذلك عائد إلى بساطة الاحتفالات التي كانت تقيمها الدولة آنذاك، إذ أن الدولة مرت بفترة تأسيس ثم استقرت نوعًا ما طوال عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) ونصف عهد ابنه محمد: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) ثم عاشت باضطراب حتى أعلن الأمير
_________________
(١) - نشأت مملكة "ليون" من اتحاد إمارتي كانتبريا " Cantabria" وجليقية في حكومة واحدة، عرفت عند المؤرخين المسلمين باسم "جليقية" وأراضيها تمتد من المحيط الاطلنطي غربًا حتى بلاد البشكنس شرقًا، ومن مضيق بسكاي " Bescay" شمالًا إلى نهر دويره " Duero" جنوبًا، وعندما استلم الأمير عبدالرحمن الداخل إمارة الأندلس كانت مملكة ليون تشغل ربع مساحة شبه جزيرة إيبيريا تقريبًا، وكانت عاصمتها في السابق مدينة أبيط " Oviedo" ولكن بعد أن قويت شوكة هذه المملكة واتسعت حدودها جنوبًا، أصبحت مدينة ليون " Leon" عاصمتها الجديدة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٦١٠. أعمال الأعلام ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤. أندلسيات، ٢/ ٤٢.
(٢) - انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١، ص ٣٠٣. أندلسيات ٢/ ٧٤.
[ ٢٥٠ ]
عبد الرحمن بن محمد قيام الخلافة الأموية في الأندلس سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م).
ومن هذا يتضح أن الأمراء الأوائل اهتموا بتثبيت أركان الدولة دون الالتفات إلى المظاهر التي تنم عن الاستقرار والرفاهية وهو أمر طبيعي، إذ أن الدولة لاتصل إلى الاهتمام بهذه الأمور إلا في مرحلة تالية، وذلك عندما يبدأ الجيل التالي بقطف ثمرة الجهد الذي بذله الجيل الأول، وهذا ما سيتضح لنا جليًا في عصر الخلافة.
ففي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت قرطبة تعيش أزهى أيامها، فقد بلغت من الثراء والازدهار درجة لم تبلغها من قبل، فغدت مهيبة الجانب، يخطب الجميع ودها، وأصبح السفراء يفدون إليها من أنحاء شتى، لأغراض متباينة، مابين طاعة وولاء، وتحالف، وسلم وموالفة وتجديد عهد المودة، وطلب النصرة لاسترداد العرش، بل إن منها ما كان للاستشفاء.
فقد استقبل بلاط الخلافة بقرطبة، وفودًا وصلت من المغرب والقيروان جاءت لتقديم الطاعة والولاء (^١)، وسفارات قدمت لأجل الصلح
_________________
(١) - وصلت إلى قرطبة سفارات عدة في سنوات: ٣٢٨ هـ، ٣٣٥ هـ، ٣٣٧ هـ، ٣٣٨ هـ، ٣٣٩ هـ، ٣٥٦ هـ، ٣٦٠ هـ، ٣٦٤ هـ، وكلها قدمت من المغرب والقيروان. انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٩. المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٣٩ - ٤٢، ١٩٤. البيان المغرب، / ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٢٣٩، ٢٤١. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الوفود قدمت من زعامات قبلية.
[ ٢٥١ ]
والسلم مثل السفارة التى وصلت من جزيرة سردينيا، وذلك يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة سنة (٣٣٠) هـ (^١) (أغسطس (٩٤٢) م)، والسفارة التي قدمت من أردون الثالث ملك ليون سنة (٣٤٤) هـ (^٢) (٩٥٥ م)، والسفارة التي رأستها الراهبة إلبيرة " Elvira" الوصية على ابن أخيها ردمير الثالث ملك ليون جاءت لعقد السلم مع الخليفة الحكم المستنصر بالله (^٣)، وكذلك السفارة التي قدمت من برشلونة في نهاية شهر شعبان سنة (٣٦٠) هـ (^٤) (يونيو (٩٧١) م) وتكررت مرة أخرى سنة (٣٩٣) هـ (^٥) (١٠٠٣ م).
وهناك سفارات وصلت إلى قرطبة من أجل "إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة (^٦) " فقد قدمت سفارة من الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع سنة (٣٣٤) هـ (^٧) (٩٤٦ م)، ومرة أخرى سنة (٣٣٨) هـ (^٨) (٩٤٩ م)، كما
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٥.
(٢) - تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٣. أندلسيات ٢/ ٧٦ - ٧٩.
(٣) - تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٤٦.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٠ - ٢٢.
(٥) - الذخيرة، ق ١ م ١، ص ٨٤ - ٨٥.
(٦) - البيان المغرب ٢/ ٢١٥.
(٧) - المصدر السابق، ٢/ ٢١٢.
(٨) - نفسه ٢/ ٢١٥.
[ ٢٥٢ ]
وصلت سفارة هوتو ملك الصقالبة سنة (٣٤٢) هـ (^١) (٩٥٢ م)، وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (٣٦١) هـ (مارس (٩٧٢) م) وصل إلى قرطبة رسل إمبراطور بيزنطه (^٢)، وفي سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م) قدمت سفارة أخرى من بلاد الصقالبة (^٣)، كلها لأجل ذلك الغرض.
وفي الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو (٩٧١) م) وصل قرطبة وفد قادم من عند أحد أمراء نصارى الشمال في غربي جليقية، وذلك بغرض التحالف (^٤).
ومن السفارات التي وصلت إلى بلاط الخلافة بقرطبة، من أجل المساعدة في استرداد العروش التي اضطر أصحابها إلى التنحي عنها، ما ورد لدى ابن خلدون من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر قدمت إليه طوطه ملكة نافار ومعها ولدها غرسيه " Garcia" وحفيدها شانجه " Sancho" ملك ليون المخلوع وذلك سنة (٣٤٧) هـ (^٥) (٩٦٠ م).
وفي سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) وصل إلى قرطبة ملك جليقية أردون بن أدفونش ملقيًا بنفسه إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله، طالبًا منه
_________________
(١) - نفسه ٢/ ٢١٨.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧١.
(٣) - المصدر السابق ص ١٨٢.
(٤) - نفسه ص ٢٧.
(٥) - تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٣.
[ ٢٥٣ ]
المساعدة في استرداد عرشه (^١)، وقد لبى الخليفة طلب الملك، بعد أن وافق على ترك ولده غرسية رهينة عند الخليفة، حسب ما تقتضيه أنظمة الدولة الأموية (^٢).
وهناك سفارة وصلت إلى قرطبة تعتبر فريدة في موضوعها، ففي سنة (٣٥٠) هـ (^٣) (٩٦١ م) قدمت من روما سفارة، تطلب من الخليفة عبد الرحمن الناصر الإذن في استرداد جثمان لأحد النصارى، كان مدفونًا في كنيسة بالقرب من مدينة لورقه (^٤).
وكانت السفارات التي تفد إلى حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس، تقابل بكل مظاهر الإكرام، ويقام بهذه المناسبة احتفال ضخم، يظهر مدى قوة الخلافة وعظمتها، وذلك وفق رسوم دقيقة.
فمنذ أن يصل السفير إلى حدود الدولة الأموية، يقوم الوالي في ذلك الحد، بإخطار الخليفة عن وصول السفير، فيبعث الخليفة من عنده وفدًا
_________________
(١) - المصدر السابق: ٤/ ١٤٥.
(٢) - نفح الطيب، ١/ ٣٨٤.
(٣) - نصوص عن الأندلس، ص ٧. ورد لدى الحميري أن السفارة جرت سنة ٣٠٥ هـ. الروض المعطار، ص ٥١٢. ويبدو أن خطأ في النسخ قد أحدث الإختلاف بين المصدرين.
(٤) - نصوص عن الأندلس، ص ٧ - ٨ تاريخ بن خلدون ٤/ ١٤٣. ومدينة لورقه Lorca تقع في كورة مرسية، شرقي الأندلس شمال المريه، وصفت بأنها غنية بالمحاصيل الزراعية وتمتاز بالموقع الحصين ومن منعتها اكتسبت اسمها لورقه الذي يعني باللطيني الدرع الحصين. انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١ - ٢. الروض المعطار، ص ٥١٢ - ٥١٣.
[ ٢٥٤ ]
لاستقباله، وهذا الوفد هو أشبه ما يكون بالبعثة الشرفية المعروفة بالوقت الحالي، وتقوم هذه البعثة بمرافقة السفير إلى العاصمة، وتحرص هذه البعثة أشد الحرص على عدم تمكين السفير من معرفة الطريق، فيختارون له الطرق الوعرة المتعبة بالذات إن كان من دولة معادية، وعندما يقترب السفير من العاصمة، تكون هناك مجموعات من الجند مرتبة ترتيبًا عسكريًا، تستقبله الواحدة تلو الأخرى، ثم يخرج أحد كبار رجالات الدولة المقربين من الخليفة فيستقبل السفير، ويرحب به، ويدخل معه إلى قرطبة، وما يزال مسايرًا له، حتى ينزله في دار سبق إعدادها لنزوله، ويتم ترتيب مجموعة من ذوي الخبرة بالضيافة لخدمته، ومجموعة أخرى لتمنع العامة والخاصة من الاختلاط به، خشية أن يتوصل إلى معرفة ما يضر بالدولة الأموية، وذلك من خلال استمالته لأحدهم.
والخليفة لا يستقبل السفير مباشرة، بل إن الوزير المرافق للسفير، يطلع على المهمة التي قدم من أجلها، وهو بدوره يبلغها للخليفة، فإن رضي عن المهمة أذن للسفير بمقابلته وإلا منعه.
ولم يحدث أن رفض الخليفة استقبال أي سفير، إلا ما جرى من الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما رفض استقبال الراهب جان "يوحنا" الذي كان مبعوثًا من عند الملك هوتو، بعد أن علم الخليفة أن الغرض من السفارة كان لأجل مناقشة بعض الأمور الدينية (^١).
_________________
(١) - أرسلان، غزوات العرب، ص ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٢٥٥ ]
وليس هناك وقتًا محددًا لإتمام المقابلة بين الخليفة والسفير، إذ أن وقت الفجر ممكن أن يكون موعدًا للمقابلة، وذلك كما فعل الحاجب المنصور بن أبي عامر عند استقباله لأحد السفراء (^١)، إلا أن هذا نادر الحصول، إذ من المتوقع أن يكون الموعد في النهار لكي تظهر المراسم بكامل زينتها.
وإذا حدث أن وفد إلى بلاط الخليفة عدة سفراء في آن واحد، صدر الإذن للسفراء المسلمين قبل غيرهم لمقابلة الخليفة، وهذا ما فعله الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد جلس في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (٣٦٢) هـ (٢٤ سبتمبر (٩٧٣) م) لاستقبال الرسل والوفود التي قدمت لمقابلته، فأمر بتقديم السفراء المسلمين في الإذن للدخول عليه (^٢).
وقبل أن يدخل السفير أو الوفد على الخليفة، لابد من إفهامهم بما يجب عليهم اتباعه، عند مخاطبتهم له (^٣)، ويتولى قاضي النصارى بقرطبة الترجمة بين الوفد والخليفة، ويفترض في المترجم أن يكون حصيفًا فلا ينقل للخليفة ما يشعره بأدنى مقدار من الاستهانة به أو بمركزه، وإلا لقي الإهانة والطرد من منصبه (^٤).
_________________
(١) - نفح الطيب، ٣/ ٨٥.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٣٨.
(٣) - المصدر السابق، ص ١٤٧.
(٤) - انظر: المصدر السابق ص ١٤٦.
[ ٢٥٦ ]
وما يمكن تسميته بالحصانة الدبلوماسية، مكفولة للسفير، فمهما بدا منه من جفاء فلا يعاقب، بل يكتفى بطرده من البلاط، وحرمانه من إكمال أداء مهمته (^١).
ولم تعرف عادة تقبيل البساط بين يدي الخليفة، إلا في عهد الحكم المستنصر بالله (^٢)، فقد كان والده يرفض ذلك ويأباه (^٣).
ويتم التمييز بين السفراء حسب مكانة مرسلهم، فإذا كان المرسل صاحب دولة قوية، أو كان مواليًا للدولة الأموية، فإن الخليفة يعطي السفير باطن يده ليقبلها (^٤)، وأما ما سوى ذلك فإنهم يقبلون ظاهر يده (^٥)، وفي هذا دلالة على أن الدولة الأموية، كانت تفرق في مراسم الاحتفالات بين سفراء الدول الكبرى والصغرى.
_________________
(١) - نفسه ص ١٤٦ - ١٤٧. وعن أمان الرسل في الإسلام، انظر: د. كامل الدقس، العلاقات الدولية في الإسلام، ص ١٣٩ - ١٤٣.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٢. نفح الطيب ١/ ٣٩٠ - ٣٩١. لعل الخليفة الحكم قد تأثر كثيرًا بملوك النصارى في تقبيل البساط، الذي هو بمثابة السجود والعياذ بالله.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٣.
(٤) - غزوات العرب ص ١٨١. قارن: هشام سليم أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة، (رسالة ماجستير مقدمة لكلية الآداب، جامعة القاهرة ١٩٧٥ م (لم تطبع» ص ١٠٨.
(٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٢.
[ ٢٥٧ ]
وفيما يتعلق بتقبيل اليد بلغ هذا الأمر ذروته في عهد الحاجب المنصور ابن أبي عامر، وذلك عندما سمح للملك شانجه والد زوجته أم عبد الرحمن بتقبيل يديه ورجليه (^١).
وبعد أن يأذن الخليفة للسفير بالجلوس، يقدم الأخير هدية مرسله، ويعرضها في المجلس، وإذا كان مع الهدية بعض الجواري، فإنه يتم إرسالهن فورًا إلى دار الحرم، دون عرضهن في المجلس.
وكانت أعظم هدية يقدمها الوفد للخليفة، هي إطلاق سراح مجموعة من الأسرى المسلمين إكرامًا له (^٢).
وبعد أن يتقبل الخليفة الهدية ويقرأ الكتاب المصاحب لها، يقوم الشعراء والخطباء بإلقاء خطب وقصائد تحوي عبارات الثناء على الخليفة، وبعد انتهاء الحفل، يؤخذ السفير إلى مقر إقامته، ويمكث هناك حتى يطلبه لإجراء المباحثات وبعد أن يعقد معه عدة جلسات على انفراد تام، يسمح للسفير ومن معه بالقيام ببعض الجولات الترفيهية في أنحاء العاصمة، وذلك بصحبة الوزير المرافق، وبعد عدة أيام يؤذن للوفد بمقابلة الخليفة لوداعه وتقبل هديته (^٣) التي يتم استلامها في بيت الوزراء، إذ أن الخليفة يأمرهم
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١ - ٢٢.
(٣) - المصدر السابق، ص ٣٢. نفح الطيب، ١/ ٣٨٥.
[ ٢٥٨ ]
بالاجتماع في بيتهم، واستقبال أعضاء الوفد للترحيب بهم، وتسليمهم هدية الخليفة (^١). وعادة ما تكون أقل من الهدية التي قدمها له الوفد.
وقد حفظت لنا المصادر الأندلسية، صورًا للاحتفالات التي كانت تقام بمناسبة وصول أحد السفراء إلى قرطبة لمقابلة الخليفة.
فقد بعث الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع Costantine VII المعروف بـ "بورفيرجينيت Porphyrogenitus" أي لابس الأرجوان (^٢)، سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد وصلت السفارة الأندلس في شهر صفر سنة (٣٣٨) هـ (^٣) (أغسطس (٩٤٩) م)، فتأهب الخليفة لاستقبال أعضاء السفارة، "وأمر أن يتلقوا أعظم تلق وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبئة، فتلقوهم قائدًا بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك، بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسرًا وتمامًا، إبلاغًا في الاحتفال بهم، فلقياهم بعد القواد، فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه، لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة، لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه، وبيدهم القصر السلطاني،
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٠.
(٢) - تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٤٦٢.
(٣) - قارن: تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٢. طبقات الأطباء، ص ٤٩٤. تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٤٦٢.
[ ٢٥٩ ]
وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصر بعدوة قرطبة في الربض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة، ومن ملابسة الناس طُرَّا، ورُتّب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصُيّروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلًا لأربع دول، لكل دولة أربع منهم، ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه، فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعودًا حسنًا نبيلًا، وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم، ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان، وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان، وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلًا لم يطق الحضور، وحضر الوزراء على مراتبهم يمينًا وشمالًا، ووقف الحجّاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم، وقد بُسط صحن الدار أجمع بعتاق البُسُط وكرائم الدرانك (^١).
وظُلّلت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان، ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون، وهو في رق مصبوغ لونًا سماويًا مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضًا مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضًا فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها، وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه
_________________
(١) - الدرانك: البسط.
[ ٢٦٠ ]
أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح، وعلى الأخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده، وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين الملك معمولة من الزجاج الملون البديع، وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج، وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: قسطنطين ورومانس المؤمنان بالمسيح، الملكان العظيمان ملكا الروم، وفي سطر أخر: العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه (^١)، ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه، وتصف ماتهيأ من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكستياني بالتأهب لذلك، وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة، وكان يدَّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني، فلما قام يحاول
_________________
(١) - كان من بين الهدية التي قدمها الوفد البيزنطي للخليفة نسخة من كتاب الطبيب اليوناني "ديسكوريدس Dioscorides" في الحشائش والنباتات الطبية باللغة اليونانية، ونظرًا لعدم وجود من يعرف اليونانية عند الخليفة، لذا فقد بعث إلى الإمبراطور البيزنطي رسالة يطلب فيها منه أن يبعث من عنده من يقوم بترجمة الكتاب، فاستجاب له، وبعث إليه بالراهب نيقولا سنة ٣٤٠ هـ. انظر: طبقات الأطباء ص ٤٩٤. تاريخ الفكر الأندلسي ص ٤٦٢ - ٤٦٣.
[ ٢٦١ ]
التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظه، بل غُشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي (^١) صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة: "قم فارقع هذا الوهي"، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ … ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتًا مفكرًا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أراد منه، … فلما رأى ذلك منذر بن سعيد (^٢) - وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب، ونادى في الإحسان من ذلك المقام كل
_________________
(١) - أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيدون، جده من موالي بني أمية تعلم ببغداد، ثم ارتحل إلى الأندلس سنة ٣٢٨ هـ، ودخل قرطبة في أواخر شعبان سنة ٣٣٠ هـ واستطوطنها إلى أن وافته المنية بها سنة ٣٥٦ هـ فدفن في مقبرة متعة ظاهر قرطبة. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٢٣. عبد العلي الودغيري، أبو علي القالي وأثره في الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس، (طبعة اللجنة المشتركة، المغرب- الأمارات ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣) ص ٣٦ - ١٤٠.
(٢) - أبو الحكم منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن البلوطي، من أهل قرطبة، كان عالمًا فقيهًا، أدبيًا خطيبًا، ولي قضاء مدينة لارده، والثغور الشرقية، ثم قُدِّم إلى قضاء الجماعة، فلم يزل في منصبه إلى أن توفي يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ذي القعدة سنة ٣٥٥ هـ بعد أن ترك عدة مؤلفات. انظر: الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط الثانية ١٩٨٤ م) ص ٢٩٥ - ٢٩٦. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٤٥٤. مطمح الأنفس، ص ٢٣٧ - ٢٥٩.
[ ٢٦٢ ]
مجيب، يسحه سحًا كأنه كان يحفظه من قبل ذلك بمدة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي (^١) … فصلب العلج وغلب على قلبه، وقال: هذا كبير القوم، أو كبش القوم، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، وثبات جنانه وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدهم تعجبًا منه (^٢) … وفي خمس بقين منه نُقل هؤلاء الرسل من منزلهم بمنية نصير بالربض، إلى دار إبراهيم الفتى بداخل قرطبة، وفي آخر هذا الشهر أعاد الناصر لدين الله القعود الثاني لرسل ملك الروم، بقصر الزهراء، فاحتفل لذلك أيضًا، واستكمل له الأهبة، وبالغ في الزينة، وقعد على باب السدة صاحب المدينة، مع من ضُمَّ إليه من العرفاء والشرط والحرس، وهم صفوف قيام، وقام مع سور القصر سماط من الموالي، في الملابس الحسان والسلاح الشاك، وألزم الفصلان كلها جملًا من العبيد والحشم والبوابين وغيرهم، في أشكل زيهم، ثم أعاد القعود، لهم بالزهراء، وهذا القعود الثالث، كان يوم الخميس لثلاث بقين منه، على ما تقدم في الأهبة والاحتفال في الزينة، وفي النصف من جمادى الأولى منها أدخل الناصر لدين الله هؤلاء الرسل على نفسه في مجلس خاص، قعد لهم فيه في قصر الزهراء، في المجلس المشرف على الرياض، فلما خرجوا من عنده، أدخلوا في ديار الصناعات والعدة بأكناف الزهراء ودار السكة، وطيف بهم بأرجائها، ثم صرفوا إلى
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩.
(٢) - المصدر السابق ١/ ٣٧٢.
[ ٢٦٣ ]
دار نزولهم، فاتصل مقامهم بقرطبة في كرامة موصلة وعطايا متوالية، إلى أن كملت الهدية التي كوفئ بها الطاغية مرسلهم، وأُسلمت إليهم، مع أجوبتهم، وأمروا بالرحيل، وجلس لهم الناصر لدين الله في النصف من شوال من السنة بعدها، فدخلوا للوداع، وجُددت لهم الخلع، وانطلقوا لسبيلهم، متعجبين مما رأوا من عز الإسلام" (^١).
وفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وفد إلى قرطبة جعفر (^٢) ويحيى أبنا علي بن حمدون، خالعين لدعوة العبيديين، متقلدين للدعوة الأموية، فاحتفل الخليفة لقدومهما، ومن معهما من الفرسان، فأمر أن يخاطب جميع القادة والعمال في كور الأندلس للقدوم إلى قرطبة لحضور
_________________
(١) - المقري، أزهار الرياض، (المغرب- الإمارات لجنة نشر التراث الإسلامي ١٣٩٨ هـ) ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٢) - جعفر بن علي بن حمدون بن سملك الجذامي، الشهير بابن الأندلسي، نشأ في بيت القائم بأمر الله بن المهدي في افريقية، تحت رعاية الأستاذ جوذر وبسبب خلاف نشب بين بلكين بن زيري وبين جعفر التحق الأخير ببلاط الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله ثم عاد إلى المغرب، ثم استقدمه المنصور بن أبي عامر ليخلصه من غالب الناصري، فلما تم له ذلك دس عليه معنًا التجيبي في طائفة من أصحابه، فقتلوه غيلة وذلك ليلة الأحد الثالث من شهر شعبان سنة ٣٧٢ هـ. انظر: أبو علي الجوذري، سيرة الأستاذ جوذر، (تقديم وتعليق: د. محمد كامل حسين، د. محمد عبد الهادي شعيرة، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٣٧٤ هـ /١٩٥٤ م) ص ١٧٥. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي،، ص ٣٢ - ٥٧، ٥٩ - ٦١، ٧٠، ٨٢، ٩٤، ١١٩ … البيان المغرب ٢/ ٢٧٩ - ٢٨١. مفاخر البربر ٦ - ٨، ١٨.
[ ٢٦٤ ]
الاحتفال، وأصدر بذلك كتابًا في يوم الاثنين الرابع من شهر ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (^١) (٣٠ أغسطس ٩٧١) ثم أرسل في يوم الثلاثاء الثاني عشر من ذي القعدة، صاحب السكة والمواريث وقاضي اشبيلية محمد بن أبي عامر بأربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب مزينة بسروج الخلافة ولجمها هبة لجعفر، بالإضافة إلى خمسين فرسًا ومائتا زاملة لأصحابه وأثقاله، وكذلك المظال الجليلة والأبنية الفسيحة والقباب المتوسطة والأخبية وعدة أحمال من الوطاء النفيس والغطاء السري والعماريات والهوادج الفاخرة لأجل عيال جعفر، فالتقى به ابن أبي عامر يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة على أربعة أميال من مالقة، فرحب به وسلم إليه جميع ما أرسله إليه الخليفة، ووجد عنده بسيل وعبد الحميد أبنا أحمد بن عبد الحميد بن بسيل (^٢) عاملي كورة ريه، فقد لزماه لتلبية ما يحتاجه، ثم سار الجميع حتى إذا بلغوا قرية "أقوه ماره" يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة، التقى بهم غلام مرسل من الخليفة معه ستة أفراس من عراب الخيل بسرج الخلافة، ولجمها هدية لجعفر بن علي،
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٤١.
(٢) - بيت بني بسيل من أكبر بيوتات الموالي الأمويين من أهل الشام في الأندلس، وقد كان أول من دخلها منهم عبد السلام بن بسيل الرومي المعروف بالشيخ، وذلك أيام الأمير عبد الرحمن الداخل، مع ابنيه عبد الواحد ويحيى، فاستعمله الأمير الداخل في عدة كور ثم ولاه الوزارة، ومنذ ذلك الوقت تأصلت الخطط في بني بسيل. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق: رقم ١٩.
[ ٢٦٥ ]
الذي واصل سيره حتى نزل مع أخيه يحيى ومن معهما من بني خزر في فحص السرادق (^١) شرقي قرطبة، وذلك يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة، فعدل بعيال جعفر ويحيى إلى المدينة حيث دخلوا قرطبة في الليل بصحبة ثقات الرجال، وفق أوامر الخليفة، وتم اختيار الدار المنسوبة ليوسف بن سليمان المعروف بابن البياني سكنًا لعيال جعفر، كما أمر الخليفة بابتياع الدار المنسوبة إلى قاسم بن يعيش من ورثته لتكون منزلًا لعيال يحيى بن علي، فتم ذلك في نفس الليلة، وفي غداة يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة ذهب صاحب الشرطة العليا ومعه طبقات الجند والوفود والحرس في تعبئة كاملة إلى فحص السرادق، حيث اصطحب الزعيمين جعفر ويحيى إلى منية ابن عبد العزيز لتكون منزلًا لهما، فسار الجميع في موكب امتد من محلة فحص السرادق إلى باب المنية، فنزلها الزعيمان، ومكثا فيها بأرغد عيش (^٢)، ولما حان موعد استقبال الخليفة لهما، أقيم احتفال بهي، حرص الخليفة فيه على إظهار كل ما لديه من قوة مادية وعسكرية، فأمر بجمع شباب قرطبة وتوزيع التراس والحراب عليهم من خزانة السلاح ليكونوا في موكب إلى الزهراء، كما تم ترتيب الكتائب
_________________
(١) - فحص السرادق: يقع بالطرف الشرقي من قرطبة، وكان في أول الأمر قصرًا ريفيًا لتنزه الأمراء الأمويين، ومن المرجح أن يكون هذا الفحص قد تحول في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى مكان لوضع سرادق الخليفة عند استعراض الجيوش قبل خروجها للغزو. انظر: قرطبة حاضرة الخلافة، ١/ ٢١٠، ومصادره.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤١ - ٤٦.
[ ٢٦٦ ]
وتنظيم العساكر، ثم انطلق صاحب الشرطة العليا في الجيوش من قصر الزهراء إلى منية ابن عبد العزيز لاصطحاب جعفر ويحيى، فلما وصل إلى المنية، وجدهما على أهبة الاستعداد، فركبوا ومعهم أكابر رجالات الدولة الأموية "فساروا من باب المنية بين صفين مصطفين من رجالة الأرباض بقرطبة المسلحين من عند السلطان، انتهت عدتهم في التحصيل ستة عشر ألف راجل عم جميعهم بالتراس والرماح، ثم انتقلوا بين مراتب الفرسان المدرعين الذين كُلف أهل الخدمة صقالبة القصر إركابهم من عندهم في الأسلحة الشاكة، وكانوا عدة وافرة (^١) ثم تقدموا بين صفوف فرسان الطنجيين المدرعين، ثم نهضوا بين ترتيب فرسان الخمسيين، وعبيد الدرق، والعبيد الرماة، وعلى جميعهم الدروع السابغة، والبيض اللامعة، ثم اشتقوا بين صفي فرسان العبيد الرماة الخاصة لابسي الأقبية البيض متقلنسي المقاريف (^٢) الوبر متنكبي قسيهم وكنانهم الزغرية (^٣)، ثم نفذوا بين الفرسان المدرعين حاملي القنوات الناصلة وكانت عدتها مائة قناة، ثم صاروا بين سماطي أصحاب الجواشن ثم أفضوا إلى صفي الفرسان أصحاب التجافيف، وكانت عدتهم مائتي تجفاف، ثم انتقلوا إلى تعبئة أصحاب العدة الرائقة من البنود الغريبة الأنواع والصفات والتماثيل الرائعات: من الأسود الفاغرة والنمور الجائشة والعقبان الكاسرة والثعابين المضطربة،
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٤٧ - ٤٨.
(٢) - المشهور "اقاريف" جمع أقارف وهو لباس للرأس مخروطي الشكل.
(٣) - الزغرية منسوبة إلى زغر بالشام وكنائنها تعمل من أدم حمر وتطلى بالذهب.
[ ٢٦٧ ]
وكانت عدتها مائة صورة، ثم ولجوا بين صفي الجنائب خيول أمير المؤمنين المقربة مكسوة بسروج الخلافة ولجمها: المحرقة (^١) والمعرقة، وكانت عدتها مائة فرس انتهى موقفها في هذا الترتيب إلى باب الصورة القبلي من أبواب مدينة الزهراء، ثم ولجوا باب المدينة بين صفين مرتبين من فرسان العبيد والعرفاء المدرعين، ثم نهضوا بين صفين من رجالة المسددين والرماة المختلطين الرامين بنوعي القياس (^٢) من الأحرار والعبيد ومن ضُمَّ إليهم من أصحاب الصناعات، وقد لبسوا الثياب الملونة من الإفرند وغيره، على عواتقهم القسي العربية؛ وكان صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح قد استوى على كرسيها قاعدًا يرتب ما يلزمه ترتيبه، إلى أن دخل القائد صاحب الشرطة إلى القصر، ودخل بدخوله الرسل النافذون إلى جعفر ومن معه لأول عبورهم: محمد بن أبي عامر وابن ناجيت وابن عبد الملك وأبنا بسيل ومعهم جعفر ويحيى بنو خزر وكان في فصلان (^٣) باب السدة جرًا إلى دويرات البرطلات (^٤): الدولتان (^٥) من البوابين والعبيديين والغلمان والوكلاء بدار الخيل وغيرهم من طبقاتهم قعودًا في المصاطب على اتصالهم في أحسن زيهم، متقلدي السيوف الحالية، متقلنسين بالقلانس الموشيَّة،
_________________
(١) - المحرقة: التي بردت بردًا جيدًا.
(٢) - القياس: جمع قوس.
(٣) - فصلان: جمع فصيل وهو الرحبة عند مدخل البيت.
(٤) - البرطلات: جمع برطل أي المدخل.
(٥) - الدولتان: الجماعتان أو الفئتان.
[ ٢٦٨ ]
وأفضوا إلى دار الجند وقد ترتب فيها رجالة الرماة، لابسي أنواع الثياب الملونة، وعلى رؤوسهم المقاريف الدرية وقد تنكبوا القسي الكبار أشباه الحنايا، بأيديهم الطبرزينات والأجوزة والدماغات والأعمدة؛ فعندها تقدم صاحب الشرطة إلى موضع نزوله في المجلس القبلي بدار الوزراء مع أصحابه، وتأخر محمد بن أبي عامر وصحبه المتكنفون لجعفر وأخيه يحيى وبني خزر بجماعتهم عن مداه، فنزلوا عند باب السدة، وصاروا إلى مجالس الجند مع أصحابهم، وقد استوى جلوس الخليفة المستنصر بالله على السرير بالمجلس القبلي الموفي على الرياض المنيفة على السطح العلي؛ (وكان) قد تقدم بإنذار الإخوة فمن دونهم من طبقات أهل المملكة، بالحضور أحفل ماجرت به عادتهم، فأهطعوا لدعوته وتوصلوا على مراتبهم إلى محلة، فكان أول مأذون له منهم الإخوة الثلاثة، قعد منهم أبو الأصبغ عبد العزيز شقيقه عن يمينه، وتحته أبو المطرف المغيرة أصغرهم، وقعد عن يساره أبو القاسم الأصبغ، ثم توصل الوزراء فقعدوا على مراتبهم بأثر الأخوة بعد فجوة، وقام الحاجب منهم عن ذات اليمين: جعفر بن عثمان وصاحب الحشم محمد بن قاسم بن طملس وَوَلِيَ محمد بن قاسم صاحب الخيل زياد بن أفلح؛ ثم توصل أصحاب الشرطة العليا والوسطى فقاموا حجابًا على منازلهم عن ذات اليمين أو اليسار، ثم أذن لأصحاب المخزول والخُزَّان والعُرَّاض وغيرهم من طبقات أهل الخدمة، ولمن أنذر من قريش والموالي والقضاة والفقهاء والعدول، فتوصل جميعهم ومثلوا قيامًا على أقدامهم، وقام صفان من الكتَّاب والمقدمين والوصفاء الأكابر ومن دونهم من
[ ٢٦٩ ]
طبقات الخدم الخصيان من بين يدي آخر المجلس والمعُتَرض، في زيهم الجميل عليهم اللامات السابغة، والسيوف الحالية، والمرصعة بالجواهر الفاخرة، فكانوا من أبهى حلى المملكة، انتظم بصفَّي أكابرهم في طول السطح العلي من دونهم من الوصفاء وطبقات أهل الخدمة بالدار على سماطين، دارعين متقلدين بالسيوف الحالية وعلى رؤوسهم الطشنيات المفضضة المرقَّشة، متهيئين إلى المعُتَرض بين يدي مجلس الأمراء الغربي إلى باب الفصلان، واتصلوا صفين على انتظام الفصلان إلى فصيل الكتاب الذي يشرع بابه إلى دار الوزراء، وانتظمت التعبئة بعدهم إلى دار الوزراء من رجالة فرسان الرياض ومن متخيَّري عبيد الحاجب جعفر الهالك، عصبة رائقة المرأى، كاملة الشكة، على رؤوسهم البيضات المذهبة، بأيمانهم الحراب الواسعة العريضة على صنعة السيوف الإفرنجة الملونة العصيّ، المزينة بأنابيب الفضة، انتهت تعبئتهم إلى الفصيل المعروف بفصيل أبي العرَّاض، وانتظم في مصاطب تلك الفصلان الطوال بياضُ الكور المستدعون اليوم متزينين بأحسن الزينة اللائقة بهم.
ولما استقر جعفر ويحيى أبنا علي وبنو خزر في البهو الأوسط من مجالس دار الجند وتهذبت التعبئة، خرج الفتيان الكتَّاب إليهم بالإذن في دخولهم، فتقدموا وتقدم بهم محمد بن أبي عامر وأصحابه المخُرَجون أولًا للمجيء بهم فنهضوا داخلين إلى أن صاروا في السطح العلي، ثم استنهضوا إلى المجلس الذي قعد فيه الخليفة، فلما أنهضوا إلى بابه قبلوا البساط مرة بعد أخرى، ثم تقدم بهم إلى السرير وناولهم الخليفة يده، فتقدمهم جعفر
[ ٢٧٠ ]
بالتقديم والتسليم، ثم تلاه يحيى أخوه ثم قدم بنو خزر الأسن فالأسن، فقضوا ما عليهم من ذلك وأمرهم الخليفة بالقعود إكرامًا لهم، وقُدِّم أصحابهم إثرهم الأسن فالأسن فقبلوا وسلموا، وشافه الخليفة جعفرًا قبلهم فأوسع يسأله عما لديه وبسطه وفعل ذلك بأخيه يحيى وبني خزر أصحابهما، ونطق بتقبل نزعهم وتحقيق رجائهم واعتقاد مكافأتهم على محبتهم وصياغتهم ووعدهم بالإحسان إليهم والتشريف لهم، فأعلنوا الشكر واستهلوا بالدعاء وأكثروا من الثناء وحمدوا الله تعالى على مامنحهم له من تجديد إسلامهم وتأكيد إيمانهم، في قصدهم حرم أمير المؤمنين وإسنادهم إلى عز سلطانهم ونبذهم لدعوة الضلال وشيعة الكفار، واعتياضهم من ذلك بالسنة والجماعة والعز والطاعة، وغرب جعفر بن علي في غرابة الأدب مقامه ذلك عند مشافهة أمير المؤمنين له، إذ كان لا يرد الجواب إليه إلا بعد أن يستوي قائمًا ويكلمه فيرد جوابه إلى أن انقضى المجلس، فاستُبدع ذلك من أدبه، وانطلقت الجماعة من المجلس عند انتهائه، فصاروا إلى مقعدهم الأول في مجلس الجند، ومحمد بن أبي عامر وصحبه الموكلون بهم لا يفارقونهم إلى أن ركب بهم صاحب الشرطة العليا القائد هشام بن محمد بحضرتهم لمنصرفهم، فركبوا معه وسار بهم مشيعًا لهم ومبلغًا إلى الوزراء الذين تقدم الأمر بإنزالهم فيها بقرطبة، وكان ركوبهم من الموضع الذي نزلوا فيه عند الأبهاء بدار الجند، وابن أبي عامر وصحبه لا يزايلونهم، فخرجوا من قصر الزهراء مع هشام بن محمد، والترتيب الذي جاؤوا فيه على هيئته، فبلغوا زعيمهم جعفر بن علي إلى
[ ٢٧١ ]
دار يوسف بن علي بن سليمان التي أنزل فيها أهله وثقله، ونهضوا بأخيه يحيى إلى دار قاسم بن يعيش وانتهوا ببني خزر إلى دار إبراهيم الفتى الخليفة الموسومة بـ"النزل" فاغتدى يوم دخولهم إلى دار إبراهيم هذا، يوم الأحد، أحد الأيام العُقم التي طار خبرها بالأندلس في الحسن والزينة.
ولما أن استقر جعفر ويحيى بداريهما اطمأنا فيهما، عهد أمير المؤمنين بإجراء ألف دينار دراهم على كل واحد منهما للشهر، ومن القمح لنفقتهما لكل شهر لكل واحد منهما سبعون مديًا توسعةً عليهما وإغداقًا في الأفضال عليهما وأجرى أيضًا على بني خزر من الدنانير والقمح والعلوفة مايفيض ولايغيض، ثم تضاعفت على الجماعة الجرايات وترددت الصلات، فأضحوا مغتبطين بما سنَّى لهم المقدار متغمسين في الحبرة" (^١).
والاحتفالات التي كانت تجري عند استقبال الوفود، لا يقتصر إقامتها على حاضرة الخلافة، وإنما قد يكون معسكر الجيش مكانًا لإجراء مراسم الاستقبال، فقد أقام الخليفة عبد الرحمن الناصر حفل استقبال وهو في معسكر الجيش، للملكة طوطه عندما أرغمها على أن تفد إليه وتطأ بساطه وهو في المعسكر وذلك سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) عند خروجه لتأديب المتحالفين ضده في الشمال من مسلمين ونصارى، فقد أذعنت الملكة لأوامر الخليفة، وجاءت إلى معسكره في محلة قلهرَّه ومعها وجوه رجالها وقوامسها وأساقفتها، فأمر الخليفة بتعبئة الجيوش وإقامة الترتيب
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٨ - ٥٣.
[ ٢٧٢ ]
وإظهار العدة والزينة، فرأت الملكة ما أدهشها، فخضعت للخليفة في كلامها، وتذللت له في سؤالها، فأكرمها، وأحسن استقبالها، وأجابها إلى طلبها ووفق شروط اشترطها وتعهدت الملكة بالتزامها (^١).
وقد ذكر ابن حيان أن آخر احتفال أقيم في الأندلس أيام الدولة الأموية، كان الحفل الذي أقامه الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٣) هـ (١٠٠٣ م) بعد حملته على برشلونة وما حولها من ديار النصارى، إذ أنه بعد عودته إلى قرطبة مظفرًا غانمًا، وصل إليه رسول من صاحب برشلونة، فأعد "عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخول ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعًا ووقعت الفتنة" (^٢).