سار نظام ولاية العهد - كما عرفنا - وفق منهج واضح ومحدد، وسياسة استمرت مدة قرنين من عمر الدولة الأموية في الأندلس تقريبا، إلا أنه ابتداءًا من نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ومطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، شهد هذا النظام أول تغيير انحرف به عن مساره، عندما وصل إلى ولاية العهد مَنْ هو مِنْ خارج الأسرة الأموية.
ففي سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٨) وبعد أن أمضى عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الشهير بشنجول شهر ونصف الشهر (^١) على توليه الحجابة، نجح في إجبار الخليفة هشام المؤيد، على توليته العهد من بعده، واستصدر منه كتابًا لإعلام الناس بهذا الأمر، قرئ على المنابر (^٢).
ويصف ابن الخطيب نقلًا عن ابن حيان موقف وجوه أهل قرطبة من هذه الفعلة فقال: "وغدا وجوه الناس من أهل قرطبة لتهنئة المغرور عبد الرحمن بهذه المنحة، التي كانت عندهم أشد محنة، كلهم يعزي نفسه، ويكفكف عليها عبرته، ثم تجملوا بالملق … فدخلوا على منازلهم …
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٣٨.
(٢) - المصدر السابق، ٣/ ٤٣ - ٤٦.
[ ٢٢٧ ]
تبدوا عليهم في ظاهرهم الاستكانة والكبوة … وخرجوا من عنده وقلوبهم ذؤوبة عليه موقدة ببغضه" (^١).
كما تسمى بولاية العهد علي بن حمود، فقد ادعى أن كتابًا قد وصله من الخليفة هشام المؤيد بالله، يسند إليه ولاية العهد من بعده (^٢).
ومن مظاهر الاضطراب الذي طرأ على نظام ولاية العهد في أواخر عصر الدولة الأموية، أن منصب ولاية العهد أصبح لا هيبة له، فقد ذكر ابن حزم أن هناك من سمى نفسه وليًا للعهد دون أن يسميه به خليفة.
فهذا سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر تسمى بولاية العهد في خلافة محمد المهدي (^٣) فسجنه المهدي في شهر رمضان سنة (٣٩٩) هـ (^٤) (مايو ١٠٠٩) ثم أطلق سراحه بعد أن ثار هشام بن سليمان ضد المهدي وطالبه بإطلاق سراح ابنه (^٥)، وأخيرًا تمكن المهدي من قتل هشام بن سليمان وولده سليمان بعد أن فشل كل من القاضي ابن ذكوان وابن عمر بن حزم في إقناع هشام بن سليمان بالعدول عن المطالبة بالخلافة (^٦).
_________________
(١) - أعمال الأعلام: ٢/ ٩٣ - ٩٤.
(٢) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٣٧ - ٣٨.
(٣) - نقط العروس، ص ٥٤. قارن: البيان المغرب، ٣/ ٧٨. أعمال الأعلام، ٢/ ١١٠.
(٤) - البيان المغرب ٣/ ٧٨.
(٥) - المصدر السابق ٣/ ٧٩.
(٦) - نقط العروس ص ٥٤. البيان المغرب ٣/ ٧٩ - ٨١.
[ ٢٢٨ ]
وادعى سليمان بن هشام بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر ولاية العهد في أيام ابن عمه الخليفة المستكفي، سنة (٤١٥) هـ (^١) (١٠٢٤) وكذلك محمد بن الحكم بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر تسمى بالعهد دون أن يسميه عمه الخليفة هشام المعتد بالله (^٢).
ويضاف إلى مظاهر الاضطراب تلك، أن المراسم التي كانت تتبع عند تعيين ولي العهد، والاحتفالات التي كانت تقام عند مبايعته، لم يعد لها وجود، فمنذ أن عقد الخليفة سليمان المستعين البيعة بولاية العهد من بعده لابنه محمد في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة أربعمائة للهجرة (فبراير ١٠١٠) أصبح الاحتفال بتعيين ولي العهد ومبايعته يقوم فقط على قراءة كتاب بولاية العهد، بالإضافة إلى نقش اسم ولي العهد في السكة والأعلام والطرز والدعاء له فوق المنابر (^٣).