عندما بويع الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بالإمارة سنة (٣٠٠) هـ (٩١٢ م) كانت الأندلس تعج بالفتن والاضطرابات في كافة أرجائها، ومما جعل الأمر يزداد سوءًا بالنسبة له، هو قيام الدولة العبيدية في إفريقية على انقاض الدولة الأغلبية سنة (٢٩٦) هـ (^١) (٩٠٩ م)، ومكمن الخطورة هنا يتمثل في أن العبيديين ورثوا الأسطول البحري للأغالبة، وهو أسطول كان له مجده وحضوره المميز في البحر الأبيض المتوسط وجزائره إبان عهد الأغالبة (^٢).
وقد جرى اتصال بين ابن حفصون المتمرد في الجنوب الأندلسي، وبين عبيد الله المهدي الخليفة العبيدي، تأصلت على إثر ذلك العلاقات بين الطرفين (^٣)، وأصبحت مراكب ابن حفصون تصل إليه قادمة بالميرة من العدوة المغربية، حتى أن الأمير عبد الرحمن بن محمد عندما دخل الجزيرة الخضراء يوم الخميس لأربع خلون من ذي القعدة سنة (٣٠١) هـ (يونيو (٩١٤) م) وافق دخوله الجزيرة وصول عدة مراكب لعمر بن حفصون قادمة من العدوة المغربية وهي تحمل الميرة إليه، فلما عرفوا بخبر الناصر هربوا
_________________
(١) - المقريزي، إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، (تحقيق: د. جمال الدين الشيال، منشورات لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ١٣٨٧ هـ ١٩٦٧ م) ١/ ٦٣.
(٢) - د. محمد الطالبي، الدولة الأغلبية، (ترجمة د. المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي بيروت ١٩٨٥ م). ص ٤٢٥ - ٥٨٠. والمصادر المذكورة لديه.
(٣) - أعمال الأعلام ٢/ ٣٢.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
بمراكبهم إلى عرض البحر، فأدركهم رجال الناصر وأعادوهم إلى الجزيرة الخضراء، حيث تم إحراق تلك المراكب جميعًا أمامه (^١).
هذه الحادثة جعلت الأمير الأموي يدرك أهمية البحر، فاستعد للأمر، وأخذ يعمل بجد على ضبط سواحل دولته وفرض كلمته على المياه المحيطة بها، لأجل ذلك قام باستقدام الكثير من قطع الأسطول الأموي المرابطة بمالقة واشبيلية وغيرهما، فحضرت إليه فجعل بعضها ترابط قبالة ساحل الجزيرة الخضراء وهي مستعدة بالرجال وقوارير النفط والآلات الحربية الخاصة بالبحر، كما أمر القسم الباقي من رجال الأسطول الأموي من عرفاء بحريين ونواتيه بالدخول إلى مراكبهم، والقيام برحلات دورية على طول الساحل الجنوبي الشرقي للأندلس، وذلك من ساحل الجزيرة الخضراء وحتى ساحل تدمير (^٢)، وبهذا الإجراء أصبحت المراكب لا تستطيع أن تسخدم المرافئ البحرية الأندلسية إلا إن كانت تدين بالطاعة لحكومة قرطبة (^٣).
وقد ذكر الحميري أنه كان في الجزيرة الخضراء "دار صناعة بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل، وأتقن بناءها وعالي
_________________
(١) - المقتبس تحقيق: شالميتا ص ٨٧.
(٢) - المصدر السابق، ص ٨٧ - ٨٨. قارن تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٣٩. د. السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ٢/ ٦١٠.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٨٨.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
أسوارها" (^١)، ويبدو أن السبب في إقامة هذه الدار في الجزيرة راجع إلى أن مرساها أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العدوة (^٢)، ولتقف بقوة أمام دار الصناعة الضخمة التي أقامها عبيد الله المهدي في المهدية (^٣).
واجتهد الأمير الأموي بتقوية أساطيله، وبلغ به الأمر أنه كان لا يترك لعمال دور الصناعة فرصة للراحة (^٤) كما اهتم ببجانة وأسطولها البحري (^٥)، وبواسطة القوة البحرية التي طورها سواء في الجزيرة الخضراء أو غيرها، تمكن من الاستيلاء على بعض ثغور ساحل العدوة المغربية المقابل للسواحل الأندلسية، فبسط نفوذه على مليله سنة (٣١٤) هـ (^٦) (٩٢٦ م) وعلى سبته في يوم الجمعة صدر ربيع الأول سنة (٣١٩) هـ (مارس (٩٣١) م).
وعندا استنجد موسى بن أبي الغفافية بالخليفة عبد الرحمن الناصر، ليمده بقوة عسكرية تمكنه من القبض على الحسن بن عيسى بن أبي العيش، بعث إليه الخليفة بقوة عسكرية غادرت إلى مياه العدوة المغربية بواسطة الأسطول الأندلسي، وذلك في يوم السبت لليلتين خلتا من
_________________
(١) - الروض المعطار ص ٢٢٣.
(٢) - المصدر السابق والصفحة.
(٣) - اتعاظ الحنفا، ١/ ٧٠.
(٤) - في تاريخ المغرب والأندلس ص ١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) - الروض المعطار ص ٨٠.
(٦) - المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص ٨٩.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
جمادى الأولى سنة (٣١٩) هـ (^١) (مايو (٩٣١) م) وقد وصف ذلك الأسطول بأنه أفخم أسطول أجراه ملك من قبل، فقطعه متكاملة وعدده متواترة، انتهى عدد قطعه إلى مائة وعشرين قطعة، مع الحمالة والفتاشة وقوارب الخدمة، وكان عدة من ركبه نحو سبعة آلاف رجل، خمسة آلاف من البحريين، وألف من الحشم، وغزا فيه من وجوه أهل بجانة والمرية تطوعًا في مراكبهم تسعة رجال (^٢) وتولى قيادة الأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، وسعيد بن يونس بن سعديل (^٣).
وبعد ذلك أخذت مرافئ العدوة المغربية تخضع تباعًا لكلمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، وذلك بفضل وجود أساطيل قوية تحت سيطرته وقادة أكفاء ورجال بحر مدربين، ففي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) اتجه عبد الملك بن سعيد بن حمامة على رأس الأسطول الأموي فأخضع أصيلة (^٤)، وفي العاشر من شهر رمضان من العام التالي صدر أمر الخليفة الناصر للقائد ابن أبي حمامة بالتوجه إلى سبتة وطنجه، فسارع بتنفيذ الأوامر رغم أنه كان عند صدور الأمر إليه في سواحل برشلونة يؤدي مهمة عسكرية كان قد
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٩. المغرب في ذكر بلاد إفريقة والمغرب ص ١٠٤.
(٢) - منهم، محمد بن رماحس، وإبراهيم بن يزيد الرداد، وقاسم بن عبد الرحمن، ومحمد بن سهل أخو هارون وغيرهم، انظر المقتبس تحقيق شالميتا ص ٣١٣.
(٣) - المصدر السابق ص ٣١٢ - ٣١٣.
(٤) - نفسه ص ٣٤٧.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
بدأ بها منذ شهر رجب من تلك السنة (^١)، فتمكن القائد ابن أبي حمامة من إخضاع طنجه، وظل مترددًا بين المرافئ الساحلية للمغربين الأقصر والأوسط إلى أن ضمن خضوعها لحكومة قرطبة ثم عاد إلى الأندلس في شهر صفر سنة (٣٢٤) هـ (يناير (٩٣٦) م) (^٢).
هذه المهام الحربية التي كان الأسطول الأموي يقوم بها في الثغور الساحلية للمغربين الأوسط والأقصى، هي في حقيقتها مجابهة حربية مع الأسطول العبيدي، وسيتواصل الاصطدام بين الأسطولين مرات عديدة أفضل إيرادها وفق التسلسل التاريخي لها.
والأحداث التي شهدتها السنوات الأول من عصر الخليفة الناصر لم تجعله يغفل عن حقيقة البحريين في بجانة، وأنهم يعيشون أشبه ما يكون في ظل حكم ذاتي، ولذا قرر الخليفة إزالة هذه الصفة عنهم، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) أصدر أوامره بتعيين محمد بن رماحس واليًا على بجانة (^٣)، وفي العام التالي ضمت إلبيرة والمرية إلى نظر محمد بن رماحس بجانب إشرافه على بجانة (^٤)، وأصبحت منطلقًا للهجمات البحرية التي كان يشنها محمد بن رماحس، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) كانت له
_________________
(١) - نفسه ص ٣٦٦ - ٣٦٨.
(٢) - نفسه ص ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٣) - نفسه ص ٤٦٢.
(٤) - نصوص عن الأندلس ص ٨١.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
حملة بحرية وصل بها إلى أتيورياس (^١)، وفي يوم الاثنين (١٢) شوال من سنة (٣٣١) هـ (٢٠ يوليو من سنة (٩٤٣) م) غادر المرية في ثلاثين مركبًا وستة شواني غزا بها بلاد الفرنجة (^٢)، ثم في سنة (٣٣٢) هـ (٩٤٥ م) قاد حملة بحرية مكونة من خمس عشرة قطعة حربية وشينين وفتاش ضد بني محمد بالمغرب (^٣) وفي يوم السبت للنصف من ربيع الأول سنة (٣٣٤) هـ (١٦ أكتوبر سنة (٩٤٥) م) توجه - أيضًا - ابن رماحس على رأس أسطوله فهاجم أسطول العبيديين المتواجد على السواحل الإفريقية (^٤).
وبالنظر إلى هذا الحضور المميز للأسطول الأموي، يمكن القول بأنه قد أصبح لدى الخليفة عبد الرحمن الناصر قوة بحرية مرهوبة الجانب، فقد وصل عدد قطع الأسطول الأموي في عهده نحو مائتي قطعة، يتولى قيادتها محمد بن رماحس (^٥) ومن هنا ذهب بعض الباحثين إلى اعتباره المؤسس الحقيقي للبحرية في الأندلس (^٦).
وما كان للبحرية الأندلسية أن تصل إلى ما وصلت إليه في عهد الخليفة الناصر لولا توفر عامل معم في هذا المجال، وأعني به إنشاء دور
_________________
(١) - المصدر السابق والصفحة.
(٢) - نفسه والصفحة.
(٣) - نفسه ص ٨٢.
(٤) - نفسه والصفحة.
(٥) - ابن خلدون المقدمة ٦٩١.
(٦) - انظر، تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٧٥.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
"للصناعة (^١) " ومن الطبيعي ألا تقام دور الصناعة إلا على شواطئ البحار وضفاف الأنهار، إذ أن هذا يكفل للقطع البحرية ميزة استراتيجية تتمثل بسرعة الحركة، مما يعني وفرة في الوقت والجهد، وقد رأينا أهمية موقع دار الصناعة عند حديثنا عن المرية وكيف أنها قد تغلبت على بجانة بسبب نزوح الأخيرة عن الساحل. وقد نشأت بالأندلس عدة دور للصناعة اعتنى أمراء وخلفاء بني أمية بتنظيمها وإقامتها وفق أسس تكفل لهم الغرض من وجودها. من هذه الدور:
دار صناعة "الجزيرة الخضراء" و"مالقة (^٢) " و"لقنت (^٣) "
_________________
(١) - دور: جمع دار، ودار الصناعة يطلق على المكان الذي أعد لصناعة السفن، وقد أخذ الأوربيون اللفظ عن العرب وذلك عن طريق اتصالهم بالأندلس، فعرفت بالاسبانية " Darcinah" فطرأ على هذا اللفظ عدة تغيرات حتى أصبحت تعرف بالأسبانية " Arsenal" "Arsenale" ثم عاد العرب وأخذوها عن الإسبان بلفظ " Tarsanah" معتقدين أنها تركية فعربوها إلى ترس خانة أو ترسانه، وتجدر الإشارة إلى أن لفظ أدميرال " Admiral" مأخوذ عن أمير البحار، انظر جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي: ١/ ١٦١.
(٢) - ابن الخطيب: معيار الإختيار. (تحقيق د. محمد كمال شبانه،) بدون تاريخ، الإمارات- المغرب ص ٨٩ ..
(٣) - يذكر الإدريسي أن لقنت مع صغرها فإنها كانت تصنع بها المراكب السفرية والحراريق، انظر: نزهة المشتاق، ص ٥٥٨.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
و"شلب (^١) " و"قصر أبي دانس (^٢) "و"دانية (^٣) " و"شنتمريه بالبرتغال (^٤) " و"شلطيش (^٥) " و"المنكب (^٦) ".
وأما "طرطوشة" فقد أنشأ فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر دارًا للصناعة، ومن الملاحظ أنه رغم صمت المصادر الإسلامية عن تدوين
_________________
(١) - انظر، نزهة المشتاق، ص ٥٤٢. الروض المعطار، ص ٣٤٢.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٥ قصر أبي دانس، حصن في ناحية الجوف في الأندلس، ينسب لبانيه دانس بن عوسجة المصمودي، ويسمى الموضع حاليًا " Alcacer de sal" أي قصر الملح، وهو اليوم مركز إداري في مديرية يابرة في البرتغال، وفي منتصف المسافة بين باجه والاشبونة، ولازالت بقية الحصن العربي قائمة فيه. انظر، جمهرة أنساب العرب، ص ٥٠١، المقتبس، نشرة أنطونيه، ص ٢٥٤، تعليق منتقى، ص ٢٩٠، الحلة السيراء، ٢/ ٢٧٢ حاشية رقم ١. الروض المعطار ص ٤٧٥.
(٣) - دانيه دار إنشاء والسفن واردة عليها وصادرة منها، كما أنها مركز من المراكز الرئيسية التي ينطلق منها الأسطول في حملاته. انظر: نزهة المشتاق ص ٥٥٧. الروض المعطار، ص ٢٣٢.
(٤) - وهذه أحد المواقع المهمة التي تنشأ بها السفن، ومما ساعد على ذلك أن بالقرب منها توجد عدة جزر تنبت شجر الصنوبر. انظر الروض المعطار، ص ٣٤٧.
(٥) - شلطيش " Saltes" هي أكبر الجزر الواقعة على مصب النهر الأحمر Rio Tinto ونهر آخر يسمى الأوديل " Odiel" وشلطيش تقع إلى الغرب من إشبيلية، وتبعد عن جزيرة فارس بمائة ميل اشتهرت بصناعة مراسي السفن، ومما ساعد على ذلك وفرة الحديد بها، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٤٦ هـ. انظر، نزهة المشتاق. ص ٥٤٢ الحلة السيراء، ٢/ ١٨٠ حاشية رقم ٤. الروض المعطار، ص ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٦) - انظر: معيار الاختيار، ص ٩٤ - ٩٦. الروض المعطار، ص ٥٤٨.
[ ٢ / ٥٨١ ]
تاريخ إنشائها، إلا أن لوحة تذكارية وجدت مثبتة في الجادر الخلفي للكنيسة العظمى في طرطوشة احتوت على معلومات عن دار الصناعة تلك، فاللوحة المذكورة جاءت مربعة الشكل تقريبًا، طول ضلعها خمسين سنتيمتر تقريبًا، كتب فيها عشرة أسطر جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بإنشاء هذه الدار عدة الصناعة والمراكب عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين أيده الله، فتم بناؤها على يد قائده وعبد هـ عبد الرحمن بن محمد بعون الله ونصره في سنة ثلث وثلثين وثلاثمائة وكتب عبد الله بن كليب (^١) ".
ومما ساعد على قيام دار الصناعة بطرطوشة وفرة أخشاب الصنوبر بغاباتها وهي أخشاب وصفت بأنها من أنسب الأخشاب لصناعة السفن وذلك لطولها وغلظها وعدم تأثير السوس فيها (^٢) وبالإضافة إلى هذه الإنشاءات الوفيرة أنشأ الناصر أيضًا دار صناعة ضخمة في المرية إذ ثبت أهمية المرية كمنطلق رسمي لحركة الأساطيل منها ومع توالي الأيام أخذت
_________________
(١) - الحلل السندسية، ٣/ ١٠ حاشية رقم ١. الآثار الأندلسية الباقية ص ١٢١ - ١٢٢.
(٢) - نزهة المشتاق ص ٥٥٥، الروض المعطار ص ٣٩١. وقد اتبع الأندلسيون في نقل هذه الأخشاب المهمة في صناعة السفن طريقة فريدة، فقد ذكر الإدريسي أن هناك حصن "قلصة" تتصل به جبال كثيرة ينبت فيها شجر الصنوبر على نطاق واسع، فيتم قطع هذه الأشجار، ويتم إلقاء الأغصان الصالحة للصناعة في النهر حيث يحملها بدوره إلى جزيرة شقر ومنها إلى حصن قلبيره، ثم تحملها المراكب إلى دانية فتصنع منها السفن الكبار والمراكب الصغار، انظر: نزهة المشتاق ص ٥٦٠.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
تسحب البساط رويدًا رويدًا من بجانة التي لا تقع على الساحل مباشرة (^١) وهذا مما يحرم الأساطيل سرعة الحركة فتنبه لهذا الأمر الخليفة عبد الرحمن الناصر، فأمر بإنشاء مدينة المرية سنة (٣٤٣) هـ (٩٥٤ م) (^٢)، وأنشأ بها دارًا لصناعة السفن جاءت على قسمين قسم خاص بالمراكب الحربية وآخر بالمراكب التجارية وأحاطها بسور ضخم منيع (^٣) وبذلك أخذت المرية تزدهر تدريجيًا فاتسعت رقعتها ونما عمرانها وأصبحت هي وبجانة كفرسي رهان حيث وصفتا بأنهما "بابي المشرق، منها يركب التجار وفيها تحل مراكب التجار وفيها مرفأ ومرسى للسفن والمراكب (^٤) ".
وبعد أن أصبحت المرية قاعدة رئيسة للأساطيل الأموية أصدر الخليفة عبد الرحمن الناصر أوامره سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) للهيئة المشرفة على دار الصناعة بالمرية بأن ينشأ مركب بحري لم يُصنع مثله من قبل ثم شحنه بالأمتعة ووجهه للمشرق وفي أثناء رحلته تلك صادف المركب بطريقه مركب بحري فيه رسول موفد من قبل الحسين بن علي حاكم صقلية متجه إلى زعيم العبيديين المعز لدين الله فأوقفه أصحاب المركب الأندلسي وصادروا ما فيه من أمتعة وكتب كانت مرسلة للمعز لدين الله
_________________
(١) - تاريخ مدينة المرية ص ٢٠.
(٢) - نصوص عن الأندلس ص ٨٦، وورد في الروض المعطار ص ٥٣٧ أنها بنيت سنة ٣٤٤ هـ.
(٣) - نصوص عن الأندلس ٨٦.
(٤) - معجم البلدان: ٥/ ١١٩.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الذي ما أن علم بهذه الحادثة حتى جهَّز أسطولًا كاملًا وولى عليه الحسين بن علي ووجهه إلى الأندلس فهاجم المرية وتمكن رجاله من التوغل في مرسى المرية فوجدوا عددًا من السفن راسية فيه فأحرقوها ووافق هجومهم قدوم المركب الكبير من المشرق محملًا بمختلف أنواع الأمتعة للخليفة عبد الرحمن الناصر بالإضافة إلى الجواري والمغنيات وغيرهن فاستولى عليه المهاجمون ولم يكتفوا بذلك بل دخلوا المرية وقتلوا ونهبوا ثم غادروا إلى المهدية بسلام (^١)، فجاء رد فعل الخليفة الأموي سريعًا فقد هاجم الأسطول الأندلسي بقيادة أمير البحر غالب بن عبد الرحمن سواحل إفريقية سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) في ستين قطعة حربية ركزت هجومها على مرسى الخرز وساحل سوسه (^٢).
وهكذا أصبح للأسطول الأندلسي الكلمة النهائية في المياه المحيطة بالأندلس من الناحيتين الشرقية والغربية، فالقطع الحربية البحرية المرابطة في قاعدة المرية تقف في مواجهة أي اعتداء قد يأتي من قبل العبيديين في حين أن قاعدة إشبيلة البحرية تذود عن الساحل الغربي ضد أي هجوم يقوم به النورمانديون (^٣).
_________________
(١) - انظر الكامل ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢١. تاريخ مدينة المرية ص ٣٩.
(٣) - تجدر الإشارة هنا إلى أن خطر الاعتداءات النورماندية على الأندلس بدأ يأخذ نمطًا آخر غير نمط الهجمات السريعة التي اعتادوا شنها كما في عهد الإمارة والشيء الذي طرأ على وضع النورمانيين يعود سنة ٣٠٠ هـ/٩١٢ م وذلك عندما استقروا في ولاية نورمانديا " Normandia" في غرب فرنسا نتيجة إقطاع ملك فرنسا شارل الثالث الملقب بالساذج Le-Simple زعيم النورماندية رولون Rollon هذه المقاطعة التي عرفت باسم نورمانديا وقد مكنهم في هذه المقاطعة من شن هجمات برية على الثغر الأعلى للأندلس من ذلك أنهم أسروا يحيى بن محمد بن عبد الملك عامل الخليفة عبد الرحمن الناصر على بربشتر والقصر Alquezar، وذلك يوم السبت لثمان مضين من شوال سنة ٣٣٠ هـ/٦٤٢ م ففداه رجل من التجار بألف مثقال وقدم يحيى إلى بلاط الخليفة الناصر فأمر للذي فداه بتضعيف ما أداه وصرفه إلى بربشتر فدخلها سنة ٣٣١ هـ. انظر، دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٧٤ - ٢٧٦.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وعندما تولى الخلافة الحكم المستنصر ازداد اهتمامه بالأساطيل البحرية وأخذت دور الصناعة تنتج المزيد من القطع البحرية فوصل عددها في عهده إلى ستمائة جفن بين غزوي وغيره (^١)، والسبب في ذلك هو حرصه على استمرارية السيطرة على مضيق جبل طارق (^٢) لخشيته من أي هجوم مفاجئ قد يشنه الأسطول العبيدي ولذا نراه يقوم بزيارة تفقدية لقاعدة المرية، وذلك في شهر رجب من سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) فوقف على ما تم إنجازه من أعمال التحصينات وشاهد حصن القبطة ونظر في الأسطول المرابط هناك وجدده وكانت عدد قطعه في ذلك الوقت ثلاثمائة قطعة (^٣).
_________________
(١) - أعمال الأعلام: ٢/ ٤٢.
(٢) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٧٨.
(٣) - البيان المغرب ٢/ ٢٣٦، الإحاطة ١/ ٤٧٨ - ٤٧٩.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وقبل ذلك بعدة أشهر كتب الخليفة الأموي لأهل سبتة سجلًا أسقط فيه عنهم الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية، وذلك في شهر صفر من سنة (٣٥٣) هـ (^١) (٩٦٤ م)، كما أنه اتبع سياسة أبيه في التعامل مع أمراء المغرب ورؤساء قبائله، إذ استخدم معهم أسلوبي الترغيب والترهيب، فاستجاب له أولئك الزعماء وبعثوا إليه بوفودهم (^٢).
وكان الخليفة الأموي يخشى من تكرار هجوم النورمانديين على سواحل بلاده، ولعل أول هجوم نورماندي على السواحل الأندلسية في عهد المستنصر بالله تم في أول رجب سنة (٣٥٥) هـ (يونيو (٩٦٦) م) فقد هاجموا الساحل الغربي وركزوا هجومهم على قصر أبي دانس، في ثمانية وعشرين مركبًا (^٣)، في كل مركب ثمانون محاربًا (^٤)، ثم واصلوا تقدمهم في سهول لشبونة، حيث تصدى لهم المسلمون فسقط عدد من الشهداء والقتلى، وهنا تحرك الأسطول المرابط بإشبيلية المتخصص في الذود عن الساحل الغربي، فأدرك الغزاة النورمانديين بوادي شلب، فتمكن المسلمون من تحطيم معظم مراكب النورمانديين وقتلوا معظم مقاتلتهم واستنقذوا
_________________
(١) - البيان المغرب ١/ ٢٢٧.
(٢) - انظر، المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٧، ٣٩ - ٥٧، مفاخر البربر، ص ٥ - ٦ البيان المغرب، ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٤.
(٣) - المصدر السابق ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٤) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٨٦.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
مَنْ بأيديهم من أسرى المسلمين وهرب من بقي من النورمانديين وعادوا إلى ديارهم (^١).
ويبدو أن الخليفة المستنصر لفت انتباهه من جراء التقارير التي ترفع إليه بشكل مفصل عن الهجوم النورماندي الأخير أن مراكبهم البحرية تمتاز بالسرعة الأمر الذي يكفل للمهاجمين سرعة الحركة والمناورة ولذا فقد اتخذ خطوة تدل على متابعة دقيقة لمجريات الأحداث واستيعاب جيد لنتائجها فقد أصدر أوامره لوزير عيسى بن فطيس بإنشاء أسطول بنهر الوادي الكبير تكون المراكب فيه على هيئة مراكب النورمانديين (^٢) ليقاتلهم بنفس سلاحهم إذ أنه كان يتوقع عودتهم لمهاجمة السواحل الأندلسية، ولقد صدق ظنه إذ لم تمض خمس سنوات على هجومهم السابق حتى عاودوا الهجوم مرة أخرى فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر شهر رمضان المبارك سنة (٣٦٠) هـ (يوليو من سنة (٩٧٠) م) وصلت الأخبار بظهور النورمانديين في مياه خليج الباسك في طريقهم إلى السواحل الغربية للأندلس فاستدعى الخليفة المستنصر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس وأمره بالتوجه إلى المرية ليقود أسطولها ويتجه إلى الغرب ثم استدعى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن الذي يبدو أنه القائد العام للقوات المسلحة الأندلسية البرية والبحرية وناقش الوضع معه ثم اتفقا
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) - المصدر السابق، ص ٢٣٩.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
على خطة معينة يذهب بموجبها الوزير القائد غالب إلى الغرب ليتولى قيادة الجيش برًا وبحرًا (^١) ورغم هذا الاستنفار الهائل للأساطيل الأندلسية إلا أنه لم يقع اصطدام بينها وبين المراكب النورماندية وذلك لأن النورماندين نزلوا بساحل جليقية في يوم الأحد الثاني عشر من رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو (٩٧١) م) ثم إنهم دخلوا نهر دويره وتقدموا في غارتهم إلى مدينة شنت بريه " Santaver" لكنهم لم يفلحوا فانصرفوا خائبين (^٢). وقد وصل إلى قرطبة في يوم السبت (٢٥) رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو سنة (٩٧١) م) رسول من القومس غند شلب (^٣) يحمل للخليفة الأموي المستنصر أخبار الغزاة النورماندين ويخبره بعودتهم (^٤) وتجد الإشارة هنا إلى أن الخليفة المستنصر لم يعتمد في تحركاته على الأخبار التي تفد إليه من
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٣ - ٢٤.
(٢) - المصدر السابق، ص ٢٧.
(٣) - قد يكون أصل هذا الاسم Gundislavus ثم أصبح بالأسبانية جونثالو Gonzalo انظر: المقتبس، د. عبدالرحمن الحجي ص ٢٥٤.
(٤) - المصدر السابق، ص ٢٧. ولعل السبب في إرسال هذا الرسول إلى قرطبة لتنبية حكومتها على تحركات النورمانديين، ويعود إلى رغبة "غند شلب" في كسب يد لدى الخليفة المستنصر ليضمن فيما بعد مساعدته إما ضد النورمانديين إذا كرروا غزواتهم أو ضد خصومه من رؤساء وممالك النصرانية. ويرى الدكتور أحمد العبادي أن إرسال الرسول يدل على أن تحالفًا وقع بين الخليفة المستنصر وغندب شلب ليمده الأخير بأخبار النورمانديين الذين تفاقم خطرهم خاصة بعد إقامتهم لقاعدتهم في نورمانديا في فرنسا. انظر: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٧٥.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
غند شلب، فقد كان يعتمد على شبكة منظمة من العيون لها تحركات دقيقة تكفل وصول الأخبار إليه أولًا بأول ولذا فإن عيونه أوصلت إليه خبر النورمانديين قبل وصول رسول غند شلب.
ورغم كل ذلك نجد أن الخليفة المستنصر لم يركن للدعة بل واصل تحركاته فأصدر أوامره بتكليف الفَتَيين الجعفريين مباركًا ومبشرًا بالذهاب إلى كورة رية وشذونه لشحن الأطعمة منها (^١) وإرسالها للأسطول في إشبيلية المتأهب للذهاب إلى الغرب وعقب شهر رمضان تحرك قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بأسطول من بجانه إلى اشبيلية حيث تجتمع الأساطيل ويذهب بها جميعًا لمواجهة النورمانديين (^٢) ويبدو أن ابن رماحس قد مكث في اشبيلية عدة أيام ووصلت خلالها أخبار بعودة النورمانديين إلى ديارهم، ولذا فقد عاد بأسطوله إلى المرية وذلك يوم الاثنين (٢٦) ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (٢٢ سبتمبر (٩٧١) م) (^٣). وأما الوزير غالب بن عبد الرحمن الذي خرج للغرب لملاقاة النورمانديين فإنه عاد إلى قرطبة حيث وصل فحص السرادق في يوم الخميس ليلة الجمعة الأول من شهر صفر سنة (٣٦١) هـ (٢٢ نوفمبر (٩٧١) م) (^٤).
_________________
(١) - هذا يدل على وجود مستودعات غذائية ضخمة في هذه الكورة.
(٢) - انظر، المقتبس: تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٧ - ٢٨. البيان المغرب ٢/ ٢٤١.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٨.
(٤) - المصدر السابق، ص ٦٦.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وواصل الخليفة المستنصر جهوده في التصدي للنورمانديين، ففي يوم الخميس من شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (٢١ يونيه (٩٧٢) م) عقد الخليفة في مجلسه اجتماعًا خاصًا مع وزرائه تبودلت فيه الأراء بشأن النورمانديين واتفق الجميع على استدعاء صاحب الخيل الناظر في الحشم زياد بن أفلح وصاحب الشرطة هشام بن محمد بن عثمان فأمرهما الخليفة بالتأهب للخروج على رأس الصائفة المتجهة للغرب، وبعد أن أتما استعدادتهما قابلا الخليفة في يوم الأربعاء (١١) رمضان (٢٧ يونيه) فأوصاهما بما شاء وخلع عليهما ثم ودعهما (^١)، فانطلقا مباشرة إلى غايتهما حيث وصلا إلى شنترين فتأكدا من عودة النورمانديين إلى ديارهم وزاد تأكدهما من ذلك بعد وصول العيون التي سبق وأن بعثها لها الغرض إلى أن شنت ياقب وبذلك لم يعد أمامهما سوى العودة إلى حاضرة الخلافة فوصلا مدينة الزهراء في الخامس من ذي القعدة سنة (٣٦١) هـ (أغسطس (٩٧٢) م) (^٢) وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحرشات النورمانديين بالأندلس كانت على عهد الخليفة المستنصر كلها تتم على الساحل الغربي باستثناء غارة واحدة أشار إليها ابن الخطيب فذكر أن حصن القبطة بالمرية على الساحل الشرقي للأندلس تعرض للهجوم من قبل المراكب النورماندية (^٣).
_________________
(١) - نفسه، ص ٧٨ - ٧٩.
(٢) - نفسه ص ٩٢ - ٩٣.
(٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٤٠ - ٤١.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وبعد وفاة الخليفة المستنصر وتولي ولده هشام المؤيد الخلافة وتسلط المنصور بن أبي عامر عليه واستبداده بجميع أمور الدولة، واصل المنصور الاهتمام بالأساطيل وتطويرها ويبدو أنه حقق في هذا المجال الشيء الكثير وأنشأ من السفن أنواعًا عديدة فأصبح الأسطول بمراكبه حديث المجالس (^١)، ونظرًا لاتباع المنصور سياسة سلفه الناصر والمستنصر تجاه المغرب فقد اتخذ من سبتة قاعدة بحرية حربية تنطلق منها عمليات رجاله في المغرب ولقد اهتم بتحصينها اهتمامًا كبيرًا وتجلى كل هذا الاهتمام بصورة واضحة عندما زحف الأمير بلقين بن زيري صاحب أفريقية فهزم قبيلة زناتة وأجلاها عن أماكنها فاجتاز أمراؤها البحر إلى المنصور بن أبي عامر مستغيثين به، فشمر للأمر وانتقل بعساكره وأجناده إلى الجزيرة الخضراء، ثم أرسل جيشًا إلى سبتة بقيادة جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي، ثم أصبح المدد يأتي بانتظام من الجزيرة الخضراء إلى سبتة حتى أن البحر أصبح أبيضًا من كثرة المراكب الأندلسية التي تعبر المضيق جيئة وذهابًا (^٢) فلما أشرف الأمير بلقين بن زيري بقواته من أعلى جبل النور المطل على سبتة وشاهد عظم تحصينها وكثرة العساكر وتوالي المدد القادم من الجزيرة إلى سبته أدرك ألا طاقة له بها، فقال لمن معه قبل أن ينصرف "إنما سبته حية ولت ذنبها حذاءنا وفغرت فاها نحونا (^٣) " وتكررت
_________________
(١) - نفح الطيب ٤/ ٨٧.
(٢) - مفاخر البربر ص ١٧.
(٣) - نفس المصدر والصفحة.
[ ٢ / ٥٩١ ]
استعانة المنصور بالأسطول مرة أخرى وذلك عندما ثار الحسن بن جنون ضد الدولة الأموية بالمغرب فعسكر بالجزيرة الخضراء واتخذها قاعدة عسكرية له يدير منها المعارك ويشرف على سيرها ثم أرسل الأساطيل إلى العدوة المغربية تحمل الرجال والأموال والسلاح فتم القضاء على ثورة الحسن وجيء برأسه إليه في جمادى الأولى سنة (٣٧٥) هـ (سبتمبر (٩٨٥) م) (^١).
وبالإضافة إلى ماسبق نجد المنصور بن أبي عامر يستخدم الأساطيل لنقل قواته إلى العدوة المغربية وذلك للقضاء على حركة الزعيم المغراوي زيري بن عطية عندما أعلن تمرده ضد المنصور سنة (٣٨٦) هـ (٩٩٦ م) (^٢) وبعد معارك طاحنة جرت بين الطرفين تمكنت القوات الأندلسية من إخضاع المتمرد وذلك سنة (٣٨٩) هـ (٩٩٩ م) (^٣).
وكما استخدم المنصور الأسطول في نقل قواته ومستلزماتهم إلى العدوة المغربية فكذلك استخدم الأسطول في نقل الأطعمة والأسلحة والعدد في غزوته الثامنة والأربعين التي شنها ضد جليقية في صائفة سنة (٣٨٧) هـ (٩٨٨ م) إذ أمر قائد الأسطول بأن يسبقه فيدخل من المحيط
_________________
(١) - انظر، مفاخر البربر ص ١٩ - ٢٠، أعمال الأعلام: ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٤. البيان المغرب ٢/ ٢٨١. الاستقصاء: ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) - مفاخر البربر، ص ٢٨. أعمال الأعلام، ٣/ ١٥٨، الاستقصاء، ١/ ٢١٣.
(٣) - انظر، مفاخر البربر، ص ٢٨ - ٣٤. أعمال الأعلام ٣/ ١٥٩، الاستقصاء ١/ ٢١٤ - ٢١٥.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الأطلسي ويستمر في مسيره إلى موضع حدده له على نهر دويره بحيث يتم الالتقاء عند هذه النقطة وقد قام الأسطول بنقل أفراد الجيش إلى الجانب الآخر من النهر حيث انطلق المنصور بقواته حتى بلغ شنت ياقب (^١).
أنواع السفن في الأساطيل الأندلسية:
"الشواني"، والشيني سفينة حربية كبيرة، تعتبر من أهم وأقدم قطع الأسطول الإسلامي بصفة عامة (^٢) وهي تمتاز بضخامة الحجم، ولذا فهي تحمل مائة وخمسون مقاتلًا (^٣) وتجدف بمائة وأربعين مجذافًا (^٤) كما أنها مزودة بأهراء "مخازن" لحفظ الأطعمة، وصهاريج لخزن الماء العذب (^٥).
ويبدو أن هذا النوع من السفن كانت تقام عليه الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم ورمي الأعداء بقوارير النفط، يدل على ذلك قول الشاعر ابن حمديس في مدحه لأبي يحيى الحسن بن علي ابن يحيى حيث قال: -
أنشأت شواني طائرة … وبنيت علىماء مدنا
ببروج قتال تحسبها … في شم شواهقها قننا
ترمي ببروج إن ظهرت … لعدو محرقة بطنا
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٢) - البحرية في مصر الإسلامية وآثارها الباقية ص ٣٥٢.
(٣) - جمال الدين محمد بن سالم، مفرج المكروب في أخبار بني أيوب، (تحقيق: د. جمال الدين الشيال، المطبعة الأميرية القاهرة، ١٩٧٥ م)، ٢/ ١٣.
(٤) - الأسعد بن مماتي، قوانين الدواوين، ص ٣٤٠، عبد الرحمن زكي السلاح في الإسلام، ص ٣٦.
(٥) - د. عبد المنعم ماجد، تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص ٧٤.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وبنفط أبيض تحسبه ماء وبه تذكي السكنا (^١)
"الأغربة" جمع غراب وغربان وقد سمي بهذا الاسم لأن مقدمه يشبه رأس الغراب أو الطائر (^٢)، ويبدو أن الشراع المستخدم فيه كان أبيض، يتضح ذلك من قول ابن حمديس:
سواد الغراب في بياض الحمامة … تطير به سبحًا على الماء أو تجري (^٣)
وقد عبَّر ابن الآبار عن ذلك التشابه القائم بين هذا النوع من المراكب وبين الغربان بقوله:
ياحبذا من بنات الماء سابحة … تطفو لما شبَّ أهل النار تطفئهُ
تُطيرُها الريح غربانًا بأجنحة الـ … حمائم البيض للإشراك تَرزَؤُه
من كلّ أدهم لا يُلفى به جَربٌ … فما لراكبه بالقار يهنئه
يدعى غرابًا وللفتخاء سرعته … وهو ابن ماء وللشاهين جُؤجُؤه (^٤)
وعدد المجاديف في هذا النوع من المراكب مائة وثمانين مجدافًا، ويمتاز الغراب بأنه مزوَّد بجسر من الخشب يمكِّن الجند من الوصول إلى مركب
_________________
(١) - عبد الجبار بن حمديس، الديوان، (تصحيح، د. احسان عباس، دار صادر، بيروت ١٣٧٩ هـ)، ص ٥١٣.
(٢) - السلاح في الإسلام ص ٤٢.
(٣) - ديوان ابن حمديس، ص ٢٢٦.
(٤) - هذه الأبيات هي من قصيدة طويلة مدح فيها أبا زكريا الحفصي عند احتلاله تلمسان وفرار يغمراسن، وذلك سنة ٦٤٠ هـ، انظر: - ديوان ابن الأبار القضاعي، (قراءة وتعليق د. عبدالسلام الهراس، تونس، الدار التونسية للنشر ط. ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م). ص ٤٢.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
العدو (^١)، ويبدو أنه كان مركبًا حربيًا قويًا بحيث أن له دور فعال في أي معركة يخوضها حتى شبه بأنه أشد فتكًا من الصقر وفيه يقول الشاعر: -
أساطيل ليست في أساطير من مضى … فكل غراب راح أقنص من صقر (^٢)
"الحراريق" جمع حراقة، ويبدو أنها كانت في البداية من المراكب المعدة للنزهة والنقل (^٣) لكن يظهر أنها تعرضت لبعض التغييرات عليها فيما بعد فأصبحت تصلح للعمليات الحربية، وتتضح مهمتها الحربية من اسمها، إذ أنها تختص بقذف مراكب الأعداء بقوارير النفط ولذا فهي مزودة بالأسلحة النارية (^٤)، وتجدف بمائة مجداف (^٥)، وقد وصفها الشاعر الأندلسي أبو عبد الله بن الحداد بقوله: -
ذات هُدبٍ من المجاذيف حاكٍ … هُدبَ باكٍ لدمعه إسعادُ
_________________
(١) - السلاح في الإسلام ص ٤٢.
(٢) - هذا البيت من قصيدة لبهاء الدين زهير بن محمد بن علي القوصي يمدح بها السلطان الملك الكامل، انظر، مفرج الكروب، (تحقيق: د. حسنين ربيع. مراجعة د. سعيد عاشور ط ١، دار الكتب المصرية، القاهرة ١٩٧٢ م). ٤/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٣) - يدل على ذلك أن الخليفة العباسي الأمين كان له خمسة حراقات في نهر دجله صنعت كل واحدة منها على صورة حيوان، فكانت على صورة الأسد والعقاب والحية والفيل والفرس. انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٥٠٩.
(٤) - البحرية في مصر الإسلامية، ص ٣٣٩.
(٥) - قوانين الدواوين، ص ٣٤٠. نفح الطيب، ٤، ٥٨ - ٥٩.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
حُمَمٌ فوقها من البيض نارٌ … كل من أرسلت عليه رمادُ (^١)
"الطريدة" مركب بحري يبدو من اسمه أنه سريع الحركة كأنه مخصص للمطاردة، ويظهر من خلال الاستعمالات المتعددة له أنه يكون على أنواع، فمنها مالايزيد طوله على سبعة أذرع وعرضه ذراعان ونصف على هيئة برميل هائل بدون مسطح (^٢)، وهناك نوع آخر كبير الحجم مخصص لحمل الخيل إذ باستطاعته أن يحمل أربعين فرسًا (^٣)، وهذا النوع له باب في الخلف يفتح ويغلق، ومنها مايكون معدًا لحمل الرجال (^٤).
"البَطْسَة" أو البُطْسة، والجمع بَطسات وبُطس، ويسميها المقريزي "البطشة (^٥) "، والبطسة مركب هائل الحجم إذ يصل عدد أشرعته إلى أربعين شراعًا (^٦) ويمتاز هذا المركب الحربي بأنه متعدد الطبقات، كل طبقة خاصة بفئة من الجيش (^٧) ويتم شحنه بأنواع الأسلحة وسائر آلات الحرب
_________________
(١) - نفح الطيب ٤/ ٥٦.
(٢) - مفرج الكروب: ٢/ ١٢ حاشية رقم ٣.
(٣) - قوانين الدواوين، ص ٣٤٠. مفرج الكروب: ٢/ ١٢ - ١٣.
(٤) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٥٤.
(٥) - الخطط المقريزية، (نشر، مكتبة المليجي الكتبي القاهرة ١٣٢٤ هـ)، ٣٦٩.
(٦) - السلام في الإسلام ص ١٣.
(٧) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٣١.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
والحصار حتى البروج والمنجنيقات فضلًا عن الأقوات والميرة (^١)، ونظرًا لضخامة حجم هذا المركب فهو يحمل أعدادًا كبيرة من المقاتلين يصل عددهم إلى ستمائة وخمسين رجلًا (^٢)، ولكن المقريزي ذكر أن بعضها يحمل ألف وخمسمائة رجلًا (^٣) وألف وسبعمائة رجلًا (^٤).
"الشلندي" مركب حربي كبير مسطح، كان مخصصًا لنقل المقاتلين والأسلحة، وهو يعادل في اهميته الشيني والحراقة (^٥)، والشلندي "مركب مسقف تقاتل الغزاة على ظهره وجذَّافون يجذَّفون تحتهم (^٦) "وله ساريتان أو ثلاث يبلغ طولها حوالي " (١٩٥) " قدمًا وعرضها " (٣٢) " قدمًا، وحمولته ستمائة رجلًا تقريبًا (^٧).
"المسطح" مركب بحري ضخم يشبه البطسة (^٨)، ولعلنا ندرك من اسمه أنه عبارة عن مركب كبير له سطح شاسع غالبًا ما يكون خلف
_________________
(١) - ابن شداد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية سيرة صلاح الدين. (نشر مطبعة الآداب والمؤيد، القاهرة، ١٣١٧ هـ)، ص ١٢٣.
(٢) - المصدر السابق ص ١٤٩.
(٣) - الخطط، ٢/ ٣٦٩.
(٤) - المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، (تصحيح، محمد مصطفى زيادة، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٣٤ م)، ج ١ ق ١ ص ٧٧.
(٥) - السلاح في الإسلام ص ٣٦.
(٦) - قوانين الدواوين ص ٣٤٠.
(٧) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس ص ٤٠١.
(٨) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٦٨.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
السفن الحربية لنقل الأطعمة والأموال والأسلحة (^١)، وعلى هذا أشبه ما يكون بناقلة متخصصة بالإمدادت العسكرية، ويمكن من خلال نصوص تاريخية وردت في بعض المصادر الوقوف على حقيقة هذا المركب، فقد ورد لدى ابن واصل أن المسطح يتسع لخمسمائة رجل (^٢)، أما ابن مماتي فقد ذكره بعد أن عرف بالشلندي ثم قال: "إن المسطح هو في معناه (^٣) " وعلى هذا فالمسطح مركب مكون من طابقين يقاتل الغزاة على ظهره والمجذفون يجذفون تحتهم.
"العشاري" أو "العشيري" نوع من المراكب، يجر بعشرين مجدفًا (^٤)، ويستعمل في الأنهار والبحار للرحلات القصيرة (^٥)، وربما سار وراء السفن الكبيرة أشبه ما يكون بقوارب النجاة المعروفة حاليًا (^٦) وقد تكون سميت بهذا الاسم لأنها تتسع لعشرة أشخاص (^٧).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩١.
(٢) - مفرج الكروب، ٢/ ٣٧٤.
(٣) - قوانين الدواوين ص ٣٤٠.
(٤) - السلاح في الإسلام ص ٤٢.
(٥) - عن العشاري ووصفه واستخداماته. انظر، عبد اللطيف البغدادي، الإفادة والاعتبار (تحقيق: أحمد غسان سابنو. دار قتيبة، دمشق، ط الأولى ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م دار قتيبة دمشق. ص ٧١ - ٧٢.
(٦) - انظر، ابن جبير، الرحلة (تحقيق: د. حسين نصار، مكتبة مصر، ١٣٧٤ هـ ١٩٥٥ م) ص ٣١٢.
(٧) - الحلة السيراء: ١/ ٢٩٧ حاشية رقم ١.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
"أجفان" جمع "جفن" مركب نهري، يمتاز بأن الجذافين يجدفون فيه وهم قيام في وسط المركب، في حين أن الركاب يكونون في المقدم أو المؤخرة (^١).
"القراق" أو "القرقور" والجمع قراقير، والقرقور سفينة كبيرة من مهامها القيام بتموين الأساطيل بالمتاع والذخيرة (^٢)، ويمتاز القرقور بتعدد الأشرعة والصواري، ولذا فهو لا يتأثر كثيرًا بالرياح العاصفة، إذ هو قادر على السير تحت كفاة الظروف (^٣).
"الحمالة" والجمع "الحمالات" وهي كما عرفها ابن مماتي: نوع من السفن المخصصة لنقل مؤونة الجيش وكل ما يحتاج إليه الأسطول (^٤).
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من أنواع المراكب البحرية الحربية التي كان يستخدمها الأسطول الأموي بالأندلس، هناك قطع بحرية أخرى، ورغم صغر حجمها، إلا أنه لا غناء لأي أسطول كان عن خدمتها. منها: -
"الشباك" " Jabeque" مركب حربي صغير الحجم (^٥)، له ثلاثة أشرعة وأحيانًا يسير بالتجديف (^٦).
_________________
(١) - البحرية في مصر الإسلامية، ص ٣٣٦.
(٢) - السلاح في الإسلام ص ٤٧.
(٣) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٦٣.
(٤) - قوانين الدواوين، ص ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٥) - السلاح في الإسلام ص ٣٨.
(٦) - تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص ٧٥.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
"القارب" مركب صغير خفيف الحركة، ويكون دائمًا تبعًا للأسطول ولخدمة أصحاب المراكب الكبيرة، ويمكن أن يستخدم لتنقلات عمال الدولة من إقليم لآخر لأداء ما كلفوا به من أعباء وظيفية (^١).
"الزورق" له ملامح القارب ومميزاته بالإضافة إلى قيامه بمهام الإنقاذ (^٢).
وهناك أيضًا "القياسات" و"الفلايك" والملاحظ أن هذه المراكب الأربعة الأخيرة جميعها مراكب بحرية صغيرة سريعة الحركة لا تعتمد على الأشرعة، وهي مخصصة لنقل الأشخاص والأزواد (^٣).
بقي أن أشير إلى أن قطع الأساطيل الأموية بالأندلس كانت تستخدم الأشرعة البيض، ويتضح ذلك من خلال عبارة وردت في أحد المصادر عند الحديث عن أساطيل حكومة قرطبة عندما عبرت البحر متجهة إلى العدوة المغربية، وذلك لحماية أراضي العدوة من هجوم بلقين بن زيري. إذ أن العبارة تنص على أن بلقين عندما أشرف من أعلى جبل النور المطل على سبتة عاين "اتصال مدد الأندلس وابيضاض بحرهم بانتظام الشرع من تلقائهم (^٤) ".
_________________
(١) - قوانين الدواوين ص ٢٩٧.
(٢) - رحلة ابن جبير ص ٣١٢.
(٣) - تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص ٧٥.
(٤) - مفاخر البربر ص ١٧.
[ ٢ / ٦٠٠ ]