"التعبئة" تعني التهيؤ وأخذ كافة الاستعدادات اللازمة للحرب، من وضع خطط قتالية متقنة، وترتيب الجيش، وتوزيع الأسلحة (^٤) وبصفة عامة تعني الاستفادة القصوى من كافة الإمكانات المتاحة، مما يكفل بالتالي تحقيق النصر.
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٢ - ٩٣.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ٦.
(٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩.
(٤) - انظر: لسان العرب، مادة "عبأ". وعن التعبئة وأنواعها، انظر: الجيش والقتال في صدر الإسلام، ص ٢١٥ - ٢٣٥ ومصادره.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وقد كان للمعالم الجغرافية في الأندلس الأثر القوي في وضع نظام تعبئة واضح، فقد شكلت أنهار وأودية الأندلس الممتدة بالعرض بين الشرق والغرب، خطوطًا دفاعية، فقد جعل المسلمون وادي إبرة خطًا دفاعيًا أول وأطلقوا عليه مسمى: الثغر الأعلى، وأما الخط الدفاعي الثاني فقد شكله وادي نهر التاجه وأسموه: الثغر الأوسط، في حين اتخذوا من الأراضي الغربية الواقعة بين نهري دويره وتاجه خطًا دفاعيًا ثالثًا، مطلقين عليه مسمى: الثغر الأدنى.
والمتبع في تعبئة الجيش الأموي وترتيبه هو ما كان سائدًا لدى الجيوش الإسلامية عامة، وذلك من حيث تقسيم الجيش إلى مقدمة وساقة وميمنة وميسرة وقلب (^١) وقد وردت عدة نصوص لدى العذري (^٢) وابن الخطيب (^٣) كلها تفيد استخدام أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس لهذا الترتيب عند تعبئتهم لجيوشهم.
وعرفنا مما سبق أن الكور الأندلسية تشترك في عملية تأمين المقاتلين للجيش، وقد ورد نص لدى الخشني ذكر فيه أن الفرج بن كنانة الكناني "غزا معقودًا له على جند شذونة من الغرب مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى جليقية … (^٤) وعليه فإن الجيش الأموي في الأندلس، كان قائمًا على
_________________
(١) - ابن خلدون، المقدمة، ص ٧١٧.
(٢) - نصوص عن الأندلس، ص ٦٨، ١٠١.
(٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٣.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٤١.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
مايمكن أن يسمى بالقوى القبلية، بحيث أن كل مجموعة في الجيش تكون تحت إمرة أحد زعمائها، والقائد العام مسئول عن الكل، فكانت كل قبيلة تحرص على أن لا يأتي الوهَنُ من قبلها، لكن المنصور بن أبي عامر قضى على هذا الترتيب، فأدخل على الجيش الأموي عناصر عدة، أهمها العنصر البربري، وعمل على إعلاء هذا العنصر، مما سبب التنافر بينهم وبين الأندلسيين (^١)، فأصبح القائد يقود جيشًا مكونًا من عناصر شتى، كل هذا لكي يأمن المنصور عدم اضطراب الجيش عليه.
وقد كان شعار الجيش الأموي طيلة عصري الإمارة والخلافة ذكر اسم الأمير أو الخليفة وإتباعه بكلمة "يا منصور" (^٢) لكن هذا الشعار تغير بعد سيطرة المنصور بن أبي عامر على الدولة، إذ أصبح الشعار فقط "يا منصور (^٣) ".
ويتعين على قائد الجيش أن تكون قواته دائمًا على تعبئة مستمرة سواء أثناء المسير أو عند النزول (^٤) حتى وإن كان العدو غير قريب وذلك خشية المفاجآت، إذ أن التهاون في هذا الأمر يترتب عليه في الغالب الفشل. وهذا ما حصل للوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عندما خرج في شعبان سنة (٢٦٢) هـ (٨٧٦ م) لمحاربة عبد الرحمن بن مروان الجليقي، فقد
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٦.
(٢) - مفاخر البربر، ص ٢٩.
(٣) - المصدر السابق، والصفحة.
(٤) - مختصر سياسة الحروب، ص ٢٥ - ٣٢.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
تهاون في الأمر فكانت النتيجة قتل عدد كبير من أفراد الجيش الأموي ووقوع الوزير القائد هاشم بن عبد العزيز أسيرًا بيد أعدائه (^١).
ومن الأمور الواجب على القائد الانتباه لها، توفير المياه وحفظها (^٢)، إذ أن إغفال هذا الأمر يترتب عليه تعرض الجند والدواب للعطش، فتذهب أعداد كبيرة منهما ضحية الإهمال، وهذا ما جرى للقائد أحمد بن أبي عبد هـ عندما رحل بقواته في غرة رجب سنة (٢٨٣) هـ (أغسطس (٨٩٦) م) إلى حصن البط -بعد أن دوَّخ عدة حصون- فعدم الماء في الطريق فهلك بسبب ذلك أكثر من ثلاثين رجلًا كما نفقت دواب كثيرة (^٣).
هذه العثرات التي يتعرض لها ولأمثالها الجيش الأموي بالأندلس، سيعمد إلى تجاوزها، بل لا نعدو الحقيقة عندما نقول إنه سيوظفها لصالحه من خلال العمل على سد الثغرات التي يمكن أن يأتي منها الخلل، ولذا فإننا نجد الجيش الأندلسي يصل إلى مرتبة متقدمة من التعبئة عند المعارك وذلك في عصر الطوائف - وما كان له أن يصل إليها لولا أنه ورث ذلك التنظيم عن الجيش الأموي - فقد أورد الطرطوشي نصًا تحدث فيه عن ترتيب الجيش عند لقاء العدو، فقال:
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٦٠ - ٣٧٣.
(٢) - مختصر سياسة الحروب، ص ٣١.
(٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١٧.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
"فأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، وهو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن نقدم الرجالة بالدرق الكاملة، والرماح الطوال والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفوا صفوفهم، ويركزوا مراكزهم، ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض، وصدورهم شارعة إلى عدوهم، وهم جاثمون في الأرض، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى، وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون التي تمرق سهامهم من الدروع والخيل خلف الرماة، فإذا حملت الروم على المسلمين لم يتزحزح الرجالة عن هيآتها ولا يقوم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنشاب والرجالة بالمزاريق، وصدور الرماح تلقاهم، فأخذوا يمنة ويسرة فيخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة فتنال منهم ما شاء الله" (^١).
وأما ما يتعلق بأساليب القتال فقد عرف الجيش الأموي بالأندلس عددًا منها، فهناك أسلوب الزحف، حيث يقاتل الجنود بصفوف منتظمة طويلة متراصة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (^٢) وقبل أن تتم عملية الالتحام المباشر بين الجيشين تكون هناك مبارزة بين بعض الأقران من الطرفين (^٣).
_________________
(١) - سراج الملوك ص ٣٣٧.
(٢) - سورة الصف آية رقم ٤. وعن أنواع الصفوف في اللقاء انظر: مختصر سياسة الحروب، ص ٣٤ - ٣٥.
(٣) - سراج الملوك، ص ٣٣١ - ٣٣٢. أعمال الأعلام، ٢/ ٧٢.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وهناك أسلوب الكمائن الذي يعتمد على وضع فئة من الجند في مكان مستتر لاقتناص غفلة الأعداء، ومهاجمتهم لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بهم (^١)، وهذا الأسلوب يستخدم لاستخراج القوة المعادية وبالذات عند مهاجمة المدن إذ تتوجه مجموعات من الجيش ذات عدد قليل نسبيًا فتهاجم المدينة، وعندما يرى المدافعون قلة عدد المهاجمين يغريهم ذلك بتتبعهم للقضاء عليهم، فيخرجون من مدينتهم، ويلاحقون المهاجمين، وهنا يظهر الكمناء من مكامنهم فيطبقون عليهم ويشتتون شملهم (^٢).
واستخدم الجيش الأموي كذلك أسلوب الحصار للمدن أو الحصون أو القلاع، فعند وصول الجيش إلى المنطقة التي يريد فرض الحصار عليها، يقوم الطبالون بقرع طبولهم بشدة، يرافق ذلك صيحات التكبير والتهليل من المقاتلين، وذلك لبث الرعب والرهبة في نفوس المدافعين، فإذا وصل الجيش الأسوار وزع القائد قواته وكلف كل فئة بإنجاز مهمة معينة، وزيادة في الاحتياط يقوم القائد بإرسال جزء من الجيش لفرض السيطرة على الأماكن القريبة من المنطقة المحاصرة، وذلك لمنع وصول الإمدادات العسكرية والمادية، مثلما فعل الوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عند محاصرته لعبد الرحمن ابن مروان الجليقي (^٣)، وبعد ذلك تبدأ عملية انتساف
_________________
(١) - عن الكمناء ومايشترط بهم، انظر: مختصر سياسة الحروب، ص ٥٠ - ٥١.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٨٤.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٦٨.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
الزروع المحيطة بالمنطقة وحرقها وقطع كافة سبل المعيشة عن المحاصرين لإجبارهم على الاستسلام (^١).
وفي بعض الأحيان لا يكتفى بفرض الحصار فقط بل تجرى محاولة نقب الأسوار (^٢)، أو قطع قنطرة إن وجدت (^٣).
كما يستخدم "المنجنيق" وذلك لرمي المقذوفات من حجارة أو كرات نفط حارقة سواء في حالة الهجوم أو الدفاع.
وقد استخدم الأمويون المنجيق في حروبهم منذ بداية دولتهم في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل استخدم أثناء حصاره لمدينة سرقسطة ستًا وثلاثين منجنيقًا (^٤)، واستخدمها محمد بن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما غزا بالصائفة إلى جليقية وحاصر مدينة ليون سنة (٢٣١) هـ (٨٤٦ م) (^٥) كما استخدمت في صد هجوم النورمانديين سنة (٢٣٠) هـ (٨٤٥ م) على اشبيلية (^٦).
وأما أسلوب بناء المدن العسكرية إزاء المدن التي يراد إسقاطها، فإنه يعتبر من أشد الوسائل فعالية، نظرًا لما يوفر للمهاجمين من مساندة مادية
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٨٣، البيان المغرب، ٢/ ٨٤ - ٨٥.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ٢١ - ٢٢.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٤) - أخبار مجموعة، ص ١١٥.
(٥) - البيان المغرب ٢/ ٨٨.
(٦) - المصدر السابق، والصفحة.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
ومعنوية مما يساعدهم على مواصلة الحصار حتى النهاية، وفي الوقت نفسه فإنه يدخل في نفوس المدافعين اليأس مما يرونه من توطين المهاجمين لأنفسهم على طول الحصار.
وقد أدرك الخليفة عبد الرحمن الناصر أهمية المدن العسكرية أو الحصون التي يقيمها لأجل محاصرة مناوئيه، ولذا نراها تنتشر في عهده ويستخدمها بكثرة، من ذلك أنه بنى في سنة (٣١٨) هـ (٩٣٠ م) مدينة عسكرية بالقرب من طليطلة سماها "مدينة الفتح" بجبل حرنكس (^١) وفي سنة (٣٢٣) هـ (٩٣٤ م) حاصر مدينة سرقسطة فلم تستسلم، ولذا أقام بإزائها مدينة ارتفع بناؤها أعلى من بناء سرقسطة ذاتها فأصبح ما بداخلها مكشوفًا للمهاجمين (^٢). وهذه المدن العسكرية كانت تشحن بالرجال والقواد والعساكر ويتولى أمرها أحد الوزراء (^٣).