بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي (^١) بالخلافة يوم الجمعة ١٣ من شهر ربيع الأول سنة ١٣٢ هـ (^٢) (١ يناير ٧٥٠ م) وبذلك بدأ حكم الأسرة العباسية عوضًا عن الأسرة الأموية، التي فقدت آخر خلفائها في قرية بوصير (^٣)، وأمام المطاردة العباسية التي لا هوادة فيها،
_________________
(١) - هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵄، ولد بالحميمة سنة ١٠٤ هـ، ونشأ بها، كان يلقب بالمرتضى، وأما لقب السفاح فأطلق عليه لاحقًا، وإن كان في حياته فهو لكثرة عطاياه وبذله الأموال، وصف بأنه كان رجلًا طوالًا، أبيض اللون، حسن الوجه، أجعد الشعر، حسن اللحية، حييًا، سخيًا، حليمًا، وقورًا، عاقلًا، حسن الأخلاق، كما وصف بالفصاحة والعلم والأدب، توفي شابًا ودفن بقصره في الأنبار، وذلك يوم الأحد ١٣ من شهر ذي الحجة سنة ١٣٦ هـ. انظر تاريخ خليفة بن خياط، (تحقيق: د. أكرم العمري، الرياض، دار طيبة، ط الثانية ١٤٠٥ هـ) ص ٤٠٩ - ٤١٢، اليعقوبي، التاريخ، (بيروت، دار صادر. د-ت) ٢/ ٣٤٩، ٣٥٨، ٣٦١، الطبري، التاريخ، (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط ١٩٦١ م). ٧/ ٤٢٤، ١٧٠ - ٤٧١، الأزدي، تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبه القاهرة ١٣٨٧ هـ/١٩٦٧ م، ص ١٢٣، ١٥٩ - ١٦٠ المقدسي البدء والتاريخ، "المنسوب للبلخي" نشر: كلمان هوار، باريس ١٨٩٩ م، ٦/ ٨٨ - ٩٠.
(٢) - تاريخ اليعقوبي ٢/ ٣٤٩، البدء والتاريخ ٦/ ٨٨.
(٣) - بوصير: بكسر الصاد وسكون الياء: قرية من قرى الفيوم بصعيد مصر. أنظر ياقوت، معجم البلدان (بيروت، دار صادر، ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م) ١/ ٥٠٩. وفيها قُتل آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في يوم الأحد ٢٧ من شهر ذي الحجة سنة ١٣٢ هـ. انظر: تاريخ خليفة ص ٤٠٤، تاريخ الطبري ٧/ ٤٤١ - ٤٤٢.
[ ٣١ ]
أضطر أبناء الأمويين إلى التواري عن الأنظار في أقطار شتى (^١).
وكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (^٢) أحد الأمويين الذين كُتبت لهم النجاة من بطش العباسيين، فقد غادر
_________________
(١) - إن عم الخلفاء العباسيين عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس هو الذي قام بهذه المطاردة الوحشية، وكان عبد الله بطلًا شجاعًا مهيبًا جبارًا عسوفًا، سفاكًا للدماء، وصف بأنه من رجال العالم ودهاة قريش. انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٤٧٤ - ٤٧٩، ٨/ ٧ - ٩. الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وغيره، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ/١٩٨٥ م) ٦/ ١٦١ - ١٦٢ وهو الذي أُطلق عليه لقب السفاح، إذ عرف به في حياته وذلك سنة ١٣٣ هـ انظر: تاريخ الموصل ص ١٤١. وأما عن تلك المطاردات فانظر: د. حسين عطوان، الدعوة العباسية تاريخ وتطور (دار الجيل، بيروت)، ص ٤٠١ - ٤٣٦ ومصادره.
(٢) - هو مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، ولد في دمشق سنة ١١٣ هـ، أمه بربرية اسمها راح أو رداح، نشأ يتيمًا وتربى في قصر جده الخليفة هشام بن عبد الملك، فأولاه رعايته، ووهبه جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء في الأندلس، كان طويل القد، أصهب، أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان، كما وصف بأنه كان فصيحًا، بليغًا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر، توفي يوم الثلاثاء ٢٤ ربيع الآخر سنة ١٧٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة للعلم في الأندلس (نشر: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي القاهرة مكتبة الخانجي ١٤٠٨ هـ) ١/ ١١. الحميدي، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس. (القاهرة -الدار المصرية للتأليف والترجمة-١٩٦٦ م) ص ٨ - ٩، ابن الأبار: الحلة السيراء، (تحقيق: د. حسين مؤنس) القاهرة الشركة العربية للطباعة والنشر، ١٩٦٣ م) ١/ ٣٥ - ٤٢. ابن عذاري، البيان المغرب. (تحقيق: كولان وبر وفنسال بيروت، دار الثقافة، ١٩٨٣ م) ٢/ ٤٠ - ٦٠، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٤٤ - ٢٥٣.
[ ٣٢ ]
الشام متوجهًا إلى مصر، ومنها انطلق إلى المغرب، ومن هناك دخل الأندلس، حيث تمكن بعد توفيق الله له، ثم بذكائه من استمالة الجماعات الإسلامية هناك (^١).
وطبيعي أن يكون دخول هذا الأمير الأموي بلاد الأندلس له صداه، خاصة في مثل تلك الظروف، ولذا فما أن شاع خبره هناك، حتى توافدت
_________________
(١) - عن هرب عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس واستمالته الجماعات الإسلامية هناك، انظر: ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ملحق به "الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية" (نشر: باسكوال دي جايا نجوس، مدريد ١٨٦٨ م) ص ٢١ - ٢٧. مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، (نشر: لا فوانتي أي ألكنترا، مع ترجمة أسبانية، مدريد، ١٨٦٧ م) ص ٦٧ - ٩١، ابن الأثير، الكامل في التاريخ (تحقيق: عبد الله القاضي بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٧ هـ/١٩٧٨ م) ٥/ ١٢٢، ١٢٣. ابن الخطيب، أعمال الأعلام (تاريخ أسبانيا الإسلامية، نشر: ليفي بروفنسال: بيروت، دار المكشوف، ١٩٥٦ م) ٢/ ٧ - ٨ النويري، نهاية الأرب (الجزء الثالث والعشرون: تحقيق: د. أحمد كمال زكي (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٠ م) ص ٣٣٥ - ٣٣٨.
[ ٣٣ ]
عليه الجموع وهي تعلن ترحيبها به واستعدادها للسير خلفه (^١)، كما تأثرت بوصوله قوى أخرى، من ذلك أن جيش والي الأندلس يوسف الفهري (^٢) تفرق أكثر أفراده، بمجرد وصول خبر الأمير عبد الرحمن إليهم، مما حال دون تمكين الفهري من مهاجمته وهو في بداية أمره (^٣).
لأجل ذلك عمد الفهري ووزيره الصميل (^٤)، إلى اتباع أسلوب المراسلات، في محاولة منهما لثني الأمير عبد الرحمن عن
_________________
(١) - ابن القوطية، ص ٢٤ - ٢٧، أخبار مجموعة، ص ٧٦، ٨٣ - ٨٤، ابن الكردبوس. الأندلس (قطعة من كتاب الاكتفاء، تحقيق د. أحمد مختار العبادي، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٧١ م) ص ٥٥ - ٥٦.
(٢) - أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، أخر ولاة الأندلس، تولاها باتفاق المضرية واليمنية لأنه قرشي، وذلك في شهر ربيع الآخر ١٢٩ هـ وهو ابن ٥٧ سنة، وفي عهد الأمير عبد الرحمن بن معاوية قام يوسف الفهري بثورة ضده، لكنها انتهت بفشله ومن ثم قتل عند طليطلة على يد عبد الله بن عمر الأنصاري سنة ١٤٢ هـ، انظر أخبار مجموعة ص ٩١ - ١٠٠، الكامل في التاريخ ٥/ ١٢٦، ١٢٧، الحلة السيراء ٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠.
(٣) - أخبار مجموعة ص ٧٨ - ٧٩. قارن: المقري، نفح الطيب، (تحقيق: د. احسان عباس، بيروت، دار صادر، ١٣٨٨ هـ) ٣/ ٣٢ - ٣٣.
(٤) - الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن، جده شمر أحد قتلة الحسين بن علي ﵄، كان الصميل نجدًا كريمًا، دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر، غلب على أمر والي الأندلس يوسف الفهري، حتى أصبح هو الحاكم الفعلي، مات الصميل في سجن الأمير عبد الرحمن بن معاوية سنة ١٤٢ هـ. انظر: الحلة السيراء، ١/ ٦٧ - ٦٨. نفح الطيب، ٣/ ٢٥ - ٢٦.
[ ٣٤ ]
مراده (^١)، إلا أنهما فشلا في تحقيق مايصبوان إليه، ولذا فلم يعد هناك مناص عن اللقاء المسلح، فالتقى الجمعان في موقعة المصارة (^٢)، وذلك يوم الجمعة، العاشر من شهر ذي الحجة سنة (١٣٨) هـ (^٣) (١٤ مايو (٧٥٦) م) وأسفر عن هزيمة الفهري وتمزيق قواته، ودخول الأمير عبد الرحمن بن معاوية قرطبة (^٤) بدون
_________________
(١) - أنظر أخبار مجموعة ص ٧٩ - ٨٢. البيان المغرب ٢/ ٤٥ - ٤٦.
(٢) - المصارة: كلمة لايعرف معناها، أطلقت على عدة أماكن، والمقصود بها فيما ورد أعلاه أنها ضاحية من ضواحي قرطبة، تقع إلى الجنوب منها، على شاطئ الوادي الكبير وهناك من يقول أنها كانت مكانًا لتدريب الخيول، وقيل أنها موضع معصرة زيت تسمى بالإسبانية ALMUZARA أو المعصرة، انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٣٤٩ حاشية رقم ١. تاريخ ابن الكروبوس، ص ٥٦ حاشية رقم ٧.
(٣) - ابن القوطية ص ٢٦ - ٢٨.
(٤) - قرطبة CORDOBA قاعدة الأندلس ومستقر الإمارة والخلافة الأموية في الأندلس، مدينة العلم ومقر السنة والجماعة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٣٣ هـ. ويعتبر الجامع والقنطرة أشهر معالمها في العصر الحالي، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوربا (من كتاب "المسالك والممالك" (تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، بيروت، دار الإرشاد، ١٣٨٧ هـ/١٩٦٨ م) ص ١٠٠ - ١٠٦. الحميري، الروض المعطار (تحقيق: د. إحسان عباس، بيروت، مكتبة لبنان، ١٩٨٤ م) ص ٤٥٦ - ٤٥٩ F.SIMONET- AND.J.LERCHUNOL: ARABI CO-ESPANOLA GRANADA. ١٨٨١.P: ٣٦ - ٤٠ وانظر الدراسة الوافية عن قرطبة التي أعدها د. السيد عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس. (جزآن. الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ١٩٨٤ م).
[ ٣٥ ]
مقاومة، بعد أن فشل الفهري في اللجوء إليها (^١)، ومنذ ذلك اليوم بدأت دولة بني أمية في الأندلس.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمير عبد الرحمن الداخل على الرغم من أنه استغل العصبية القبلية المتفشية في الأندلس آنذاك لتحقيق أهدافه، إلا أنه لم يقع أسيرًا لتلك العصبية، بل على العكس من ذلك فقد عمل من أول وهلة على إخضاعها لسلطانه (^٢)، مرتفعًا بإمارته أن تكون رهينة للتحالفات القبلية، وبذلك فقد أصبح معيار القرب منه والبعد عنه مرتبطًا بمبدأ الطاعة، فمن التزم بالأوامر وظهر الإخلاص في تصرفاته، ضمن الحظوة لديه، ومشاركته في تحمل أعباء إمارته، وأما من كان لا يزال يعاني من داء العصبية القبلية فلا سبيل إلى الاستعانة به إطلاقًا.
_________________
(١) - عندما أدرك الفهري أن الهزيمة لحقت به، حاول التحصن في قرطبة، إلا أن عاملها عبد الرحمن بن عوسجه أغلق الأبواب في وجهه، فاضطر الفهري إلى التوجه نحو طليطلة وقيل إلى البيرة. أنظر: ابن القوطية، ص ٢٦ - ٢٨، أخبار مجموعة ص ٨٩ - ٩٠، البيان المغرب، ٢/ ٤٧، مؤلف مجهول، ذكر بلاد الأندلس (تحقيق: لويس مولينا الجزء الأول: مدريد ١٩٨٣ م) ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) - من ذلك مثلًا: موقفه من اليمنية بعد هزيمته للفهري في موقعة المصارة، انظر: ابن القوطية، ص ٢٨، أخبار مجموعة، ص ٩٠.
[ ٣٦ ]
وقد أثبت الأمير عبد الرحمن الداخل مقدرة فائقة، ورباطة جأش نادرة، عندما تمكن وبكل كفاءة من الصمود وبالتالي القضاء على قوى المعارضة الداخلية والخارجية على السواء (^١).
وبعد حياة حافلة بالحركة الدائبة، وضع خلالها قواعد دولة إسلامية متينة البنيان، اختتم حياته ببناء المسجد الجامع بقرطبة (^٢)، وأسند ولاية العهد من بعده لابنه هشام (^٣).
_________________
(١) - انظر: العذري. نصوص عن الأندلس "من كتاب: ترصيع الأخبار (تحقيق: د. عبد العزيز الأهواني، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٦٥). ص: ٢٥، ١١١، ١١٧ - ١١٨، أخبار مجموعة: ص ٩١ - ١١٢. الكامل في التاريخ ٥/ ١٢٦ - ١٢٧، ١٤٦، ١٧٨، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٢، ٢٠٩، ٢١٠، ٢١٣، ٢٣٩ - ٢٤٠، ٢٥٧، ٢٥٨ كارلس ديفيز. شارلمان، (ترجمة د. الباز العريني القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٣٧٩ هـ، ١٩٥٩ م) ص ٩٨ - ١٠٢، ٢٩٦ - ٢٩٧. خليل السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، (بغداد، مطبعة أسعد، ١٩٧٦ م)، ص ٤١١ - ٤٤٨ ومصادره.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٩. نفح الطيب ١/ ٥٦٠ - ٥٦١. وانظر: الدراسة المستفيضة للأستاذ الدكتور عبد العزيز سالم عن جامع قرطبة في كتابه: قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس ١/ ٢٦٩ - ٤٠٢.
(٣) - الأمير هشام أمه أم ولد تدعى حلل أهدتها ابنة يوسف الفهري للأمير عبد الرحمن الداخل بعد انتصاره في موقعة المصارة ودخوله قرطبة، ولد في الرابع من شهر شوال ١٣٩ هـ، وتولى الإمارة في أول شهر جمادي الأولى ١٧٢ هـ، وتوفي ليلة الخميس ٨ صفر ١٨٠ هـ. وصف بأنه كان أبيض مشرب بحمرة بعينه حول، طويل الساقين. = =انظر: ابن القوطية، ص ٢٨ - ٢٩. ابن الفرضي: ١/ ١١ - ١٢. قارن: البيان المغرب ٢/ ٦١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٨.
[ ٣٧ ]
تسلم الأمير هشام مقاليد الإمارة في مطلع شهر جمادى الأولى سنة (١٧٢) هـ (٧٨٨ م) بعد وفاة أبيه بستة أيام (^١)، وله من العمر اثنان وثلاثين سنة وستة أشهر وسبعة وعشرين يومًا (^٢)، كان عاقلًا حازمًا، ذا رأي وشجاعة، شريف النفس، خيِّرًا، محبًا لأهل الخير والصلاح، شديدًا على الأعداء، راغبًا في الجهاد، على طريقة حسنة، يحضر الجنائز ويعود المرضى ويفك الأسرى (^٣)، مما أهله لثناء المؤرخين والفقهاء على السواء مطلقين عليه لقب "الرضا" .. لرضاهم عن سيرته ومنهجه (^٤).
_________________
(١) - ابن الفرضي، ١/ ١٢.
(٢) - هناك اختلاف في تقدير سن الأمير هشام عند توليه الإمارة، فالمراكشي يرى أنه كان ابن ثلاثين سنة، انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق: محمد سعيد العريان، (القاهرة ١٣٨٣ هـ) ص ٤٣، وتابعه على ذلك صاحب كتاب ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٩. وهناك من رأى أنه كان ابن ثلاث وثلاثين سنة. انظر: محمد عنان، دولة الإسلام في الأندلس، (العصر الأول - القسم الأول- ط الثالثة القاهرة، ١٣٨٠ هـ)، ١/ ٢٢١. د. خالد الصوفي، تاريخ العرب في الأندلس في عصر الإمارة (منشورات الجامعة الليبية)، ص ١٠٩. إلا أنني أرى أن ما أثبته هو الصواب، وتتضح صحة ذلك إذا رجعنا إلى تاريخ مولده في الرابع من شهر شوال ١٣٩ هـ.
(٣) - ابن عبد ربه: العقد الفريد، (تحقيق: احمد أمين، وغيره، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة، ١٣٥٩ هـ- ١٩٤٠ م) ٤/ ٤٩٠. ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، (تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، دار المعارف، ١٣٩١ هـ/١٩٧١ م) ص ٩٤. الكامل في التاريخ ٥/ ٣٠٨، البيان المغرب: ٢/ ٦٥، نهاية الأرب: ٢٣/ ٣٥٨.
(٤) - ابن القوطية ص ٤٢. ابن حزم، نقط العروس، (تحقيق: د. شوقي ضيف، مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول. م ١٣ ج ٢ ديسمبر ١٩٥١ م) ص ٥٠. البيان المغرب، ٢/ ٦١. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٨ - إعمال الأعلام ٢/ ١٢.
[ ٣٨ ]
ولأن الأمير هشام كان معروفًا بالتدين لذا فقد كان الفقهاء أقرب الناس إليه (^١)، مما مكنهم من تكوين سلطان عريض في بلاطه، لا يقل عن سلطان رجالات الإمارة، سارا طيلة عهده جنبًا إلى جنب دونما اصطدام، فنعمت الرعية بعهد سمته العدالة والطمأنينة.
إلا أن هذا الوضع لم يكتب له الاستمرار، فقد تولى الإمارة من بعده الأمير الحكم (^٢) -١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) الذي تباينت فيه أراء المؤرخين بين مدح وقدح (^٣)، إلا أنه بالجملة كان شديد الاعتداد
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ٦٦، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٢٠، ١٢٢.
(٢) - ولد الأمير الحكم سنة ١٥٤ هـ، أمه تدعى زخرف، بويع بالإمارة بعد وفاة والده بليلة، وذلك يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة ١٨٠ هـ كان آدم شديد الأدمة، طويلًا أشم، نحيف، لم يخضب، وكان شديد الحزم، ماضي العزم، وذا صولة تتقى، كما كان حسن التدبير لشؤون إمارته، محبًا للعدل. انظر: البيان المغرب ٢/ ٦٨، ٧٨ سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٣ - ٢٦٠.
(٣) - العقد الفريد ٤/ ٤٩٠ - ٤٩١، نقط العروس ص ٧٣، جذوة المقتبس ص ١٠، الحلة السيراء ١/ ٤٣، سير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٥٤.
[ ٣٩ ]
بنفسه، غير متقبل لمشاركة الآخرين له في سلطانه، سواء الفقهاء أو غيرهم، وبما أن الفقهاء كانوا هم المقربين عند والده، وكان ابنه الحكم بعكسه، لذلك فقد كان الاصطدام بين الطرفين أمرًا متوقعًا (^١).
وعندما وقع الاصطدام، كان مبدؤه الكلام، ثم تحول إلى التخطيط للعصيان، وأخيرًا انتهى إلى السيف، فذهب ضحية ذلك العديد من أعلام قرطبة، بالإضافة إلى مئات من طلبة العلم، وتشريد أهل حي الربض (^٢)
_________________
(١) - سالم بن عبد الله الخلف، العلاقات السياسية والثقافية بين الخلافة العباسية والإمارة الأموية بالأندلس، ١٣٨ - ٣٠٠ هـ رسالة ماجستير (لم تطبع)، مقدمة لقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤١٠ هـ. ص ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٢) - كلمة الربض في معناها اللغوي تعني الضاحية والجمع أرباض. ويقصد بها هنا المنطقة السكنية المستجدة في قرطبة العربية بعد إنشاء القنطرة وترميمها في عهد الأمير هشام الرضا، وتمتد هذه المنطقة إلى ما وراء الضفة الجنوبية لنهر الوادي الكبير حتى بلدة شقندة وامتازت بأنها كانت آهلة بالسكان. انظر: نفح الطيب، ١/ ٣٧٩. ابن منظور، لسان العرب. (دار بيروت للطباعة والنشر، ١٣٧٤ هـ، ١٩٥٥ م). مادة ربض. د. أحمد العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٣١ - ٣٣٢. ويذكر الدكتور حسين مؤنس أن هذا الربض قد تم تحويل جزء منه إلى مقبرة عرفت بمقبرة الربض، وقد ظل هذا الربض خاليًا من العمران طيلة حكم المسلمين، واليوم يقوم فيه حي من أحياء قرطبة الحالية يعرف باسم: حي الروح القدس BARRIO DEL ESPIRITU SANTO وعلى مدخل هذا الحي في مواجهة القنطرة يقوم الحصن المعروف بحصن قلهرة CASTILLO LA CALAHORRA أنشيء بعد أيام المسلمين. انظر الحلة السيراء: ١/ ٤٤ حاشية رقم ١.
[ ٤٠ ]
بأسره، وإزالته من الوجود، وذلك يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان المبارك سنة (٢٠٢) هـ (٢٦ مارس (٨١٨) م) ومن هنا أُطلق على الأمير الحكم لقب "الربضي" (^١).
وقبل هذه الحادثة بأكثر من عقدين كان الأمير الحكم قد أخمد ثورة أهل طليطلة (^٢) سنة (١٨١) هـ (٧٩٧) بطريقة مفزعة (^٣).
_________________
(١) - عن ثورة الربض واكتساب الأمير الحكم بن هشام لقب "الربضي" بسببها، انظر: جمهرة أنساب العرب. ص ٩٦، الكامل في التاريخ ٥/ ٤١٣ - ٤١٤، الحلة السيراء: ٤٤ - ٤٦، البيان المغرب ٢/ ٧٥ - ٧٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٥ - ٢٥٨.
(٢) - طليطلة TOLEDO معناها باللاتينية: فرح ساكنوها، تقع شمال قرطبة وغرب الثغر الأعلى، كانت قاعدة ملوك القوط ومحل اختيارهم، وقد سقطت طليطلة بأيدي النصارى في منتصف شهر محرم سنة ٤٧٨ هـ. ولأنها قاعدة الثغر الأدنى فقد كان سقوطها كارثة على الدولة الإسلامية في الأندلس إذ لم يلبث النصارى أن سيطروا على جميع الأراضي الواقعة جنوبًا حتى جبال قرطبة وأطلقوا على هذه المنطقة الجديدة فيما بعد اسم قشتالة الجديدة CASTILLA LA NUEVA وللتوسع عن تاريخ طليطلة انظر: LA DESCRIPTION D'FAL-ANDALUS DA RAZI AL-ANDALUS، VOL، XVIII، ١٩٥٣، P: ٨١ - ٨٢. وسوف أشير إليه فيما بعد بـ"وصف الأندلس للرازي" الروض المعطار، ص ٣٩٣ - ٣٩٥. د. عبد المجيد نعنعي، الإسلام في طليطلة بيروت، دار النهضة العربية بدون تاريخ.
(٣) - عن هذه الحادثة انظر: ابن القوطية ص ٤٦ - ٤٩ البيان المغرب ٢/ ٦٩ - ٧٠، سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ٤١ ]
هذه الأحداث جعلت الأمير الحكم يعيش أزمة نفسية لازمته سنيه الأخيرة إلى أن توفى يوم الخميس (٢٦) من شهر ذي الحجة سنة (٢٠٦) هـ (^١) (مايو (٨٢٢) م) فتولى الإمارة من بعده ابنه الأمير عبد الرحمن (^٢) "الأوسط".
وقد كان الأمير عبد الرحمن قد اعتنى والده بتربيته وتثقيفه عناية فائقة، فنشأ نشأة طيبة، واكتسب ثقافة عالية، واتصف بصفات فريدة أطنب المؤرخون في ذكرها (^٣). ولأنه عندما تولى الإمارة وجد بلادًا موطأة ورعية مؤدبة (^٤)، لذا فقد تفرغ لتزيين دولته، منطلقًا في ذلك من رصيد ثقافي يمتلكه، من هنا فقد كانت فترة حكمه فترة متميزة، وساعد على
_________________
(١) - ابن القوطية ص ٥٥، ابن الفرضي ١/ ١٢، الحلة السيراء: ١/ ٤٦ - ٤٧، البيان المغرب: ٢/ ٧٧. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٣.
(٢) - ولد الأمير عبد الرحمن بطليطلة في شهر شعبان سنة ١٧٦ هـ، أمه تسمى حلاوة، كان وادعًا محمود السيرة، تولى الإمارة ليلة وفاة والده، كان أشم، أقنى، أعين، أسود العينين، طوالًا، فخمًا، مسبلًا عظيم اللحية، يخضب بالحناء. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٢ - ١٣. ابن حيان، المقتبس، تحقيق د. محمود علي مكي، (بيروت، دار الكتاب العربي، ١٩٧٣ م)، ص ١٧، ٢٢ جذوة المقتبس، ص ١٠.
(٣) - انظر المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٨٩ - ٩١. أخبار مجموعة ص ١٣٥، الحلة السيراء ١/ ١١٣، البيان المغرب ٢/ ٩١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٧. ابن سعيد، المغرب في حُلى المغرب، (تحقيق د. شوقي ضيف، (القاهرة، دار المعارف، ١٩٦٩ م)، ١/ ٤٥.
(٤) - ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٩.
[ ٤٢ ]
ذلك التميز أن الفقهاء استعادوا مكانتهم في عهده (^١)، فنتج عن هذه الأمور استقرار اجتماعي، الأمر الذي سمح للنشاط الاقتصادي بالنمو والإزدهار، وبذلك حصل تغير ملموس سواء بالنسبة لرسوم الإمارة أو على مستوى الوسط الاجتماعي وذلك بسبب الروافد الثقافية القادمة من المشرق.
وبعد وفاة الأمير عبد الرحمن الأوسط ليلة الخميس ٣ ربيع الآخر سنة (٢٣٨) هـ (^٢) (٢٢ سبتمبر (٨٥٢) م) تولى الإمارة من بعده ابنه الأمير محمد (^٣) الذي أثنت عليه المصادر، ووصفته بأنه كان كاملًا عاقلًا على أخلاق جميلة ومكارم حميدة (^٤)، محبًا للعلوم، مؤثرًا لأهل الحديث، حسن
_________________
(١) - سالم الخلف، المرجع السابق ص ٢٩٥ - ٢٩٧.
(٢) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص ١٧.
(٣) - ولد الأمير محمد في شهر ذي القعدة سنة ٢٠٧ هـ، أمه أم ولد اسمها بُهيرِ، تولى الإمارة ليلة وفاة والده، وصف بأنه كان أبيض، مشربًا بحمرة، ربعة، أوقص، وافر اللحية، يخضب بالحناء والكتم، اشتهر بالفصاحة والبلاغة، وكان عظيم الأناة، متنزهًا عن القبيح مؤثرًا للحق وأهله. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٠٢، جذوة المقتبس ص ١١. البيان المغرب ٢/ ٩٣ - ٩٤، ١٠٧.
(٤) - البيان المغرب ٢/ ١٠٧.
[ ٤٣ ]
السيرة (^١)، امتاز بالذكاء والفطنة (^٢)، ذا دراية بالأمور وبصيرة بوجوه الرأي (^٣).
وقد تأثرت دولته بوجود رجلين إداريين في وقتين مختلفين، ففي النصف الأول من عهده امتازت إدارته بالانضباط والحزم، وذلك لوجود حاجب رشيد هو عيسى بن شهيد (^٤) الذي كان على مستوى كبير من الكفاءة وحتى بعد وفاته سنة (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) لم يختل نظام الإدارة إذ خلفه على منصبه عيسى بن الحسن ابن أبي عبد ة (^٥)، لأنه كان لا يقل عن
_________________
(١) - جذوة المقتبس ص ١١.
(٢) - الكامل في التاريخ ٦/ ٣٤٩.
(٣) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٤.
(٤) - عيسى بن شهيد بن عيسى بن شهيد بن الوضاح، أحد أعيان الموالي في الدولة الأموية، اشتهر بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والجزالة، حتى أن شيوخ الأندلس اتفقت كلمتهم على أنه ما خدم بني أمية في الأندلس أكرم منه، استعمله الأمير عبد الرحمن الأوسط في عدة خطط إلى أن ولاه الحجابة سنة ٢١٨ هـ، وظل في منصبه إلى وفاته سنة ٢٤٣ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٧٤ - ٧٥، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٦ - ٣٠، المغرب في حُلى المغرب ١/ ٥٠، البيان المغرب ٢/ ٨٤.
(٥) - عيسى بن أبي عبدة، ينتمي لأسرة من أكبر أسر موالي بني أمية في الأندلس، عُرف عيسى بالرثاثة وعدم الرشاقة في الخدمة، تغلب عليه غفلة السلامة، إلا أنه كان مشهودًا له بالدقة في التدبير وجودة الرأي، تولى الحجابة بعد ابن شهيد، وكانت العلاقة بينه وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز سيئة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٥٢ - ١٥٥.
[ ٤٤ ]
سلفه كفاءة ومروءة، ولكن الوضع تغير كلية بعد أنه أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز (^١) هو الغالب على الأمير محمد المدبر لدولته، فقد أفسد على الأمير منهجه "بشرهه وصلفه، وحمله على غير المنهج من محمود طرقه، وعدل عن اختيار ثقات العمال من الشيوخ والكهول وأولي السوابق والأصول إلى الأحداث واللاحقين من أولي الشره والخيانة ودناءة الأصول والبراءة من عهدة الحياء والمروءة (^٢) " فكانت النتيجة فساد الحال وانخفاض دخل الدولة بسبب سوء سيرة الولاة، وتبدل نفوس القائمين على الأعمال، فكان ذلك مدعاة لرفض الرعية لهذا الوضع، الأمر الذي ترتب عليه اندلاع الفتن في الداخل، وكثرت التهديدات من الخارج، فعاشت
_________________
(١) - أبو خالد هاشم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد، أصله من موالي أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ولأسرة هاشم مكانة مرموقة بإلبيرة، كان هاشم خاصًا بالأمير محمد بن عبد الرحمن، فعظمت منزلته لديه، وصيره أخص وزرائه، عرف بالبأس والجود والفروسية والكتابة والبيان والبلاغة وقرض الأشعار البديعة، لكنه بالمقابل كان تياهًا، معجبا بنفسه، مما أحقد عليه القلوب، استحجبه الأمير المنذر بن محمد ثم نكبه وحبس أكابر أولاده، ومات هاشم مقتولًا في ليلة الأحد ٢٦ شوال سنة ٢٧٣ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٨٢، ٨٤ - ٨٦، ٨٩ - ٩٠، ٩٢ - ٩٣، ٩٧ - ٩٨، ١٠٢ - ١٠٣، المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ١٥٩ - ١٦٠ والتعليق رقم ٣٣٠. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٨٦٤. الحلة السيراء ١/ ١٣٧ - ١٤٢، المغرب في حلى المغرب ١/ ٥٢، ٥٣، ٩٤، ١٣٢، ١٣٣، ١٥٢، ١٥٣، ٢/ ٢٢، ٩٤ - ٩٥.
(٢) - المقتبس: تحقيق د. محمود مكي، ص ١٣١.
[ ٤٥ ]
الدولة أيامًا عصيبة "حتى خُرقت الهيبة وزال صدر الحرمة (^١) " وما توفي الأمير محمد حتى كانت الفتنة مستعرة في معظم أرجاء الأندلس (^٢).
ولعل أشد حركة واجهت الأمير محمد هي حركة عمر بن حفصون (^٣)، ويكفي للدلالة على ذلك أنها
_________________
(١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٥٣.
(٢) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٢.
(٣) - عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر بن شيتم بن دميان بن فرغلوش بن إذفونش، من مسالمة الذمة من كورة تاكرنا من عمل رنده، هرب من الأندلس، ونزل بمدينة تاهرت بالمغرب الأوسط، ومارس مهنة الخياطة هناك عند أحد المولدين، ثم عاد إلى مسقط رأسه وجمع حوله عددًا كبير من المولدين وأعلن تمرده ببشتر سنة ٢٦٧ هـ واستمر في تمرده حتى هلك سنة ٣٠٥ هـ. انظر: ابن القوطية ص ٩٠ - ٩٤، ١٠١، ١٠٣، ١٠٧، ١٠٩، ١١١ - ١١٥. ابن حيان: المقتبس (طبعة ملشورم انطونيه، باريس ١٩٣٧)، ص ٥٠ - ٥٤، ٨٢ - ٨٤، ٨٩ - ٩٤، ٩٦ - ١٠٩ وغيرها. ابن حيان، المقتبس، الجزء الخامس، (نشر: بدرو شالميتا وغيره، مدريد، المعهد الأسباني العربي للثقافة، ١٩٧٩ م)، ص ٦٣ - ٦٤، ٦٦ - ٦٨، ٧٢، ٩٣، ١١٢ - ١١٦، ١٣٠ - ١٣٣، ١٣٨ - ١٤٢، البيان المغرب ٢/ ١٠٤، ١٧١. ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، (تحقيق: محمد عبد الله عنان القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٩٣ - ١٣٩٧ هـ (١٩٧٣ - ١٩٧٦ م) ٤/ ٣٨ - ٤٢.
[ ٤٦ ]
استمرت إلى أوائل القرن الرابع الهجري (^١) (العاشر الميلادي).
وبعد وفاة الأمير محمد عقب صلاة عصر يوم الخميس (٢٨) صفر (٢٧٣) هـ - (^٢) (٤ أغسطس (٨٨٦) م) تولى الإمارة ابنه الأمير المنذر (^٣)، فتصدى لتلك الفتن بكل كفاءة واقتدار، إلا أنه لم يتمكن من إخمادها بسبب وفاته، إذ أن مدة إمارته لم تتجاوز سنتين، وفي هذا يقول ابن عذاري فيما يرويه عن بعض الشيوخ " أنه لو عاش المنذر عامًا واحدًا
_________________
(١) - عن هذه الثورة، انظر: د. محمد عيسى الحريري، ثورة عمر بن حفصون زعيم المولدين في الجنوب الأندلسي (دار الكتاب الجامعي القاهرة ط الأولى ١٤٠٢ هـ/١٩٨٢ م) وللأستاذ حسين مؤنس تعليق طريف لاستمرارية ثورة ابن حفصون وعجز جيوش الإمارة عن سحقها. انظر د. حسين مؤنس: رحلة الأندلس حديث الفردوس المفقود (القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، ط الأولى ١٩٦٣ م) ص ٢٤٩.
(٢) - ابن الفرضي ١/ ١٣.
(٣) - ولد الأمير المنذر سنة ٢٢٩ هـ أمه أم ولد تسمى أثل، تولى الإمارة يوم الأحد ٩ ربيع الول سنة ٢٧٣ هـ كان أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، يخضب بالحناء والكتم، شجاعًا: صارمًا، ذا عزم وحزم. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٣ - ١٤ جذوة المقتبس ص ١١ البيان المغرب ٢/ ١١٣ - ١١٤، ١٢٠.
[ ٤٧ ]
زائدًا لم يبق برية (^١) منافق (^٢) " وذلك لشجاعته وحزمه وفي يوم السبت (١٥) من شهر صفر سنة (٢٧٥) هـ (^٣) (٣٠ يونيو (٨٨٨) م) توفي الأمير المنذر وهو محاصر لقلعة ابن حفصون ببشتر (^٤). فتولى الإمارة من بعده أخوه
_________________
(١) - رية: إقليم في جنوب شرق الأندلس عاصمته مالقة، وكلمة رية مأخوذة من اللاتينية REGIO أي الملكية، أو هي تعني عند القوط: سلطانة، فهي سلطانة البلاد، اشتهرت بخيراتها الزراعية الوفية، بالذات أشجار الموز والتين، كانت منزلًا لجند الأردن عندما تم توزيع الجند الشاميين. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٤٥، الحلة السيراء ١/ ٦١ - ٦٢، حاشية رقم ١، المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٢٣، ARABICO-ESPANOLOL: P. ٤٨.
(٢) - البيان المغرب ٢/ ١٢٠.
(٣) - ابن الفرضي ١/ ١٤.
(٤) - ببشتر BOBASTRO حصن يقع جنوبي قرطبة على مسافة ثمانين ميلا، وصف بأن الأبصار تزل عنه فكيف بالأقدام، بني على صخرة صماء منقطعة لها بابان، ويتوصل إلى أعلاها من شعب يسلكه الداخل الخفيف، وطريقه عند الطلوع والهبوط على النهر، وأعلى الصخرة سهلة مربعة غزية المياه ولهذا الحصن قرى كثيرة وحصون، وماحوله كثير المياه والأشجار، انظر: الروض المعطار ص ٧٩. هذا وقد خلط بعض المؤرخين بين ببشتر وبربشتر. انظر: البيان المغرب ٢/ ١١٧. وبربشتر تقع في منطقة الثغر الأعلى. انظر: الروض المعطار ص ٩٠ - ٩١.
[ ٤٨ ]
الأمير عبد الله (^١)، وهذه حالة فريدة في تاريخ الدولة الأموية بالأندلس، إذ أن نظام الحكم فيها وراثي محدد في الولد بعد أبيه (^٢).
وقد تباينت الآراء في الأمير عبد الله بين ذم وثناء (^٣)، واتُهم بقتل أخيه الأمير المنذر (^٤)، وعندما تولى الإمارة كانت الفتن مندلعة في كافة أرجاء الأندلس (^٥)، حتى أن قصر الإمارة في قرطبة لم يعد بمنأى عنها (^٦)، وأصبحت الإمارة الأموية تكتفي في أكثر أيام الأمير عبد الله بأخذ مقدار
_________________
(١) - ولد الأمير عبد الله في النصف من ربيع الآخر سنة ٢٢٩ هـ، أمه أم ولد تسمى بهار أو عشار، كان بصيرًا بلغة العرب، فصيح اللسان. حسن البيان، حافظًا لأشعار العرب محبًا للعلم وأهله، وصف بأنه كان أبيض أصهب، مشربًا بحمرة، أزرق، أقنى، يخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، عظيم الكراديس. انظر، ابن الفرضي ١/ ١٤، جذوة المقتبس ص ١٢، البيان المغرب ٢/ ١٢٠ - ١٢١، ١٥١.
(٢) - ذكر ابن حزم أن الأمير الحكم الربضي كان قد جعل الأمر من بعده لولديه عبد الرحمن ومن ثم المغيرة، لكن عبد الرحمن خلع أخاه. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٩٨.
(٣) - انظر: العقد الفريد ٤/ ٤٩٧، المقتبس، طبعة: انطونيه ص ٣٣ - ٤١، البيان المغرب ٢/ ١٥٢ - ١٥٣. أعمال الأعلام ٢/ ٢٦.
(٤) - عن هذه المسألة انظر: د. محمد إبراهيم أبا الخيل، الأندلس في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري ٢٧٥ - ٣٠٠، (الرياض، مطبوعات مكتبة الملك عبد العزيز ١٤١٦ هـ/١٩٩٥) ص ٧٩ - ٨٢ ومصادره.
(٥) - المقتبس، طبعة انطونية ص ٩ - ٣٢.
(٦) - المصدر السابق ص ٩٢، ٩٣، ١٠٢. أخبار مجموعة ص ١٥١، الإحاطة ٤/ ٤٠ - ٤١.
[ ٤٩ ]
من المال من بعض أهل الطموح، ليعتبر ذلك إعلانًا للتبعية (^١)، وهذا في الوقت الذي كانت فيه سلطة الأمير الحقيقية لا تتجاوز قرطبة وقراها المجاورة، وهي السمة الغالبة على أكثر سني حكمه.
ورغم أن الأمير لم يفقد رباطة جأشه أمام تلك الشدائد (^٢)، إلا أنه بالمقابل كان يشعر بإحباط داخلي فقد معه الثقة بالآخرين، الأمر الذي نتج عنه قتله لاثنين من إخوته، ومثلهما من أبنائه، وظل طيلة سني حكمه في صراع مع ثوار الأندلس حتى وفاته ليلة الخميس الأول من شهر ربيع الأول سنة (٣٠٠) هـ (^٣) (١٦ أكتوبر (٩١٢) م).
هذا هو عصر الإمارة الذي امتد أكثر من قرن ونصف القرن تعاقب خلال تلك الحقبة على الحكم سبعة أمراء، وإذا كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد استغرق فترة حمكه في مواجهات مستمرة مع مناوئيه، فإن تلك الفترة تعتبر فترة تأسيس للدولة وترسيخ لقواعدها، ووضع أسسها العامة إداريًا وعسكريًا، والتي كفل الأخذ بها -بعون الله تعالى- استمرارية حكم
_________________
(١) - أخبار مجموعة ص ١٥١ - ١٥٢.
(٢) - د. حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، (القاهرة، دار مطابع المستقبل، ١٩٨٠ م)، ص ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٣) - ابن الفرضي ١/ ١٤ نقط العروس ص ٧٨ - ٧٩. المقتبس، طبعة أنطونية ص ٥٠ - ١٤٧ د. محمد إبراهيم أبا الخيل، المرجع السابق، ص ١٠٥ - ٣٠٩.
[ ٥٠ ]
الأمويين في الأندلس مدة تزيد على ثلاثة أضعاف ما عاشته دولة أسلافهم في المشرق.
كما تُعد فترة حكم الأمير عبد الرحمن الأوسط مرحلة قطف الثمرة التي غرس شجرتها وحفها بعناية من سبقه من آبائه.
وأما ما يخص الصراع الذي شهده عصر الإمارة فيمكن تقسيمه إلى قسمين، جرى كل قسم منهما في مدة زمنية معينة منفصلة عن الأخرى.
فالقسم الأول من الصراع الذي جرى في النصف الأول من ذلك العصر، كان صراعًا بين أفراد البيت الأموي، وذلك من أجل الوصول إلى السلطة.
وعندما اختفى هذا النمط من الصراع، ظهر في النصف الثاني من عصر الإمارة صراع من نوع آخر، يتمثل في حركات وفتن متعددة، اندلعت في أرجاء البلاد، كان معظمها ذا طبيعة شعوبية أو عنصرية، وإذا كان بعض قادتها قد اكتفوا بالدفاع عن مكتسباتهم فقط، فإن بعضهم الآخر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أخذ يهاجم قرطبة عاصمة الإمارة.
وهناك حركات مناوئة قادها العرب، أرادوا من خلالها الإعلان عن وجودهم القوي في المجتمع الأندلسي،
[ ٥١ ]
وأنه ليس بإمكان الإمارة الأموية أن تتجاهلهم، وذلك مثل بني الحجاج (^١) في إشبيلية (^٢).
هذه الحركات هزت أركان الإمارة الأموية، وتركت آثارها على المستوى العام للأندلس، وربما لا نبعد عن الصواب عندما نقول إنها كانت أمرًا متوقعًا، وذلك نتيجة للتفاعلات الحضارية والثقافية الواردة إلى
_________________
(١) - عن ثورة بني الحجاج في اشبيلية والتي اندلعت في عهد الأمير عبد الله بن محمد واستمرت حتى تمكن الأمير عبد الرحمن بن محمد من القضاء عليها وإخضاع اشبيلية لقرطبة، وذلك يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة ٣٠٥ هـ. انظر: المقتبس، طبعة: أنطونية، ص ٦٧ - ٨٥، ١١٠ - ١١٤، المقتبس طبعة: بدروشالميتا ص ٦٩ - ٧٩. د. حمدي عبد المنعم حسين، التاريخ السياسي لمدينة اشبيلية في العصر الأموي (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م) ص ٦١ - ١١٣. أبا الخيل، المرجع السابق، ص ٢٢٧ - ٢٥٩ ومصادره.
(٢) - اشبيلية sevilla مدينة قديمة، أصل تسميتها "إشبالي" معناه المدينة المنبسطة وأما اسم اشبيلية فقد أطلق عليها فيما بعد وتعني التنجيم، وبالقرب من اشبيلية يوجد جبل الشرف الشهير بأشجار الزيتون وقد خرجت اشبيلية من أيدي المسلمين في شهر شعبان سنة ٦٤٦ هـ. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٩٢، البكري: جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ١٠٧ - ١١٩. ابن غالب، فرحة الأنفس في أخبار الأندلس، (نشر قطعة منه د. لطفي عبد البديع تحت عنوان "تعليق منتقى من فرحة الأنفس في تاريخ الأندلس" القاهرة مجلة معهد المخطوطات العدد الأول القسم الثاني ١٣٧٥ هـ/١٩٥٥ م) ص ٢٩٢ - ٢٩٣، الروض المعطار ص ٥٨ - ٦٠ د. حمدي عبد المنعم، التاريخ السياسي لمدينة اشبيلية ص ٧ - ٢٦.
[ ٥٢ ]
الأندلس من أقطار شتى، بالإضافة إلى التنافس الاجتماعي القوي بين أفراد المجتمع الأندلسي، كل هذا نتج عنه أفكار ورؤى وتطلعات تجسدت في حركات مناوئة. الغرض منها إثبات الذات لزعماء تم تجاهلهم، وإحداث تغيير يلبي مصالح المجتمع، ويلغي استئثار فئة معينة من فئات المجتمع بأوضاع تميزهم عن البقية دون وجه حق.
لأجل ذلك فإن إطلاق مصطلح "عصر دويلات الطوائف الأولى (^١) " على النصف الثاني من عصر الإمارة، والذي يشغل تقريبًا فترة النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) هو تعبير مختصر عن وضع كانت البلاد تعيشه طيلة تلك الفترة.
أما عصر الخلافة الذي استمر مائة وست سنوات، فيمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل، الأولى منها هي مرحلة عصر قوة الخلافة، وهو العصر الذي كان الخليفة فيه متمتع بكافة المؤهلات التي تمكنه ليس فقط من إصدار القرارات، بل مع ضمان سرعة تنفيذها. وهذه المرحلة لم يكتب لها البقاء طويلًا، إذ أن عمرها لا يتجاوز نصف قرن، وذلك إذا جعلنا تاريخها يبدأ من إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (^٢) نفسه خليفة في
_________________
(١) - في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٦٦.
(٢) - ولد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد يوم الخميس منتصف شهر رمضان ٢٧٧ هـ أمه أم ولد تسمى مزنة، قتل والده بعد ولادته بأحد وعشرين يومًا، فتربى عند جده الأمير عبد الله، وليلة وفاته تولى الإمارة عبد الرحمن بن محمد، كان شهمًا صارمًا أخمد الله على يديه نيران الفتن المستعرة في أرجاء الأندلس، ودخل الناس في طاعته، كان أبيض ربعة، أشهل، حسن الجسم، جميلًا، يخضب بالسواد. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٤ - ١٥، البيان المغرب ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، ٢١٣ - ٢٣٤.
[ ٥٣ ]
الأندلس، وذلك يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (^١) (١٥ يناير (٩٢٩) م).
وكانت الإمارة الأموية في الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لا تسيطر إلا على قرطبة وقراها، فتمكن الخليفة عبد الرحمن بن محمد الشهير بالناصر من بسط نفوذه على المدن التي خرجت عن نطاق سيطرة قرطبة، وكان يعتمد على المركزية المطلقة في الحكم، شديد التمسك بها (^٢)، حتى أنه كان يناقشها مع بعض الوفود الدبلوماسية التي تقدم إلى قرطبة لزيارته (^٣)، ولكنه مع كل هذا كان يجيد التعامل مع أنصاره ومناوئيه على السواء، فقد امتاز بالوفاء بالعهد، وإكرام من أتاه طائعًا، الأمر الذي ساعده كثيرًا في السيطرة على البلاد (^٤).
_________________
(١) - المقتبس، طبعة بدروشالميتا، ص ٢٤١ - ٢٤٢، البيان المغرب ٢/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) - ستانلي لين بول، العرب في أسبانيا (ترجمة: علي الجارم، القاهرة، دار المعارف ١٩٤٧ م)، ص ٩٩.
(٣) - محمد عنان، دولة الإسلام في الأندلس: ١/ ٢/٤١٧.
(٤) - المغرب في حُلى المغرب، ١/ ١٨٢ - ١٨٥. عندما تطرق ليفي بروفنسال لذكر عبد الرحمن الناصر وصفه بقلة الورع، وأنه صاحب تقوى ظاهرية، وأن خوفه من الفقهاء هو الذي حال بينه وبين تولية منصب قضاء الجماعة لأي شخصية من أصل أندلسي، وذلك لشدة تسامحه مع اليهود والنصارى الذي لم يشعر تجاههم بأي تعصب، كما كان عصره فترة ازدهار لهم. انظر: L.PROVENCAL: HISTOIRE DE L'ESPAGNE MUSLMANE. ٣.VOLS.PARIS ١٩٥٠، T، ١١، P: ٣. هذه نظرة مؤرخ معادٍ للإسلام وأهله ولذا فليس من المستغرب أن يأتي منه أكثر من هذا.
[ ٥٤ ]
كما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر حزمه ويقظته وعدم خلوده للراحة، ومما يدل على ذلك، أنه بالرغم من استمرار حكمه مدة خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، إلا أنه عندما أخذ يعد الأيام التي صفى له سرورها من هذه المدة الطويلة، لم يجد إلا أربعة عشر يومًا فقط (^١).
وبعد حياة حافلة بالمنجزات الهائلة توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر وذلك يوم الأربعاء ٣ رمضان سنة (٣٥٠) هـ (^٢) (١٦ أكتوبر (٩٦١) م) فتولى الخلافة من بعده ابنه الحكم المستنصر بالله (^٣)، وذلك يوم الخميس ٤
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ١٦٨.
(٢) - ابن الفرضي ١/ ١٤.
(٣) - ولد الخليفة الحكم المستنصر بالله يوم الجمعة عند صلاتها. غرة رجب سنة ٣٠٢ هـ. أمه أم ولد إسمها مرجانه، وصف بأنه كان أبيض مشربًا بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد أفقم. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٥، المقتبس، طبعة بدرو شالميتا، ص ١٠١ - ١٠٢، البيان المغرب، ٢/ ٢٣٣، سير أعلام النبلاء، ١٦/ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ٥٥ ]
رمضان (^١) (١٧ أكتوبر)، وقد كان الخليفة الحكم معروفًا بحسن السيرة (^٢) والفضل والعدل (^٣)، رفيقًا بالرعية (^٤)، من أهل الدين والعلم، إمامًا في معرفة الأنساب، حافظًا للتواريخ، مميزًا للرجال (^٥)، مكرمًا للقادمين عليه من العلماء، جماعة للكتب، آثر العلم على لذات الملوك (^٦). وعندما استلم الحكم المستنصر بالله الخلافة كان لديه رصيد هائل من التجربة التي اكتسبها من طول ملازمته لوالده، ويبدو أنه كان متأثرًا به لدرجة أن الناس لم يعدموا من عبد الرحمن الناصر إلا شخصه، أما ماعدا ذلك فكأنه كان موجودًا بينهم (^٧)، وذلك إذا استثنينا عدم اتباع الخليفة الحكم المستنصر بالله للمركزية المطلقة في إدارة الدولة، فقد
_________________
(١) - ابن الفرضي ١/ ١٥.
(٢) - جذوة المقتبس ص ١٣.
(٣) - الحلة السيراء ١/ ٢٠٠.
(٤) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠٠.
(٥) - أعمال الأعلام ٢/ ٤١.
(٦) - نفح الطيب ١/ ٣٩٥.
(٧) - المصدر السابق ١/ ٣٨٢.
[ ٥٦ ]
كان حاجبه جعفر بن عثمان المصحفي (^١) هو القائم بتدبير الأمور الموكل إليه تصريفها (^٢).
وقد كان الخليفة المستنصر بالله شديد الاهتمام برعيته، مراقبًا الله تعالى فيهم، فوظف الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي الذي كانت تعيشه دولته، فيما يعود بالمنفعة على الرعية، وتفرغ هو لطلب
_________________
(١) - جعفر بن عثمان بن نصر بن عبد الله القيسي المصحفي، من برابر بلنسية، كان والده مؤدبًا للحكم بن عبد الرحمن الناصر، فلما توفي عثمان سنة ٣٢٧ هـ قرب الحكم إليه جعفرًا المصحفي، وجعله كاتبًا عنده، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر تقلب جعفر في عدة مناصب، وبعد أن تولى الحكم الخلافة استوزر جعفرًا وولاه كتابته الخاصة بالإضافة إلى الشرطة وخدمة ابنه الأمير هشام، وظل جعفر موضع ثقة الخليفة الحكم وأقرب الناس إليه طيلة عهده، ثم تولى الحجابة لهشام المؤيد، إلا أن المنصور ابن أبي عامر تسلط عليه فحاكمه وصادره وأهانه وسجنه بالمطبق حتى هلك سنة ٣٧٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٩٨، جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٥٣، ابن بسام، الذخيرة، (تحقيق: د. إحسان عباس، ليبيا -تونس، الدار العربية للكتب، ١٣٩٩ - ١٩٧٩ م)، ق ٤ م ١ ص ٥٨ - ٧٠. الفتح بن خاقان، مطمح النفس، (تحقيق: محمد علي شوابكه، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٣ هـ/١٩٨٣ م)، ص ١٥٣ - ١٦٦. الحلة السيراء ١/ ٢٥٧ - ٢٦٧، البيان المغرب ٢/ ٢٦٠ - ٢٧٢.
(٢) - البيان المغرب ٢/ ٢٥١.
[ ٥٧ ]
العلم ومجالسة العلماء (^١)، وبذل بلا حدود في سبيل اقتناء الكتب، حتى تجمعت لديه مكتبة قل نظيرها (^٢).
وعندما شعر الخليفة الحكم، المستنصر بالله، بالضعف في بدنه، سارع إلى أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لابنه هشام (^٣)، وذلك في يوم السبت مستهل جمادى الآخرة سنة (٣٦٥) هـ (^٤) (٥ فبراير (٩٧٦) م).
_________________
(١) - الحلة السيراء ١/ ٢٠١.
(٢) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠٠، الحلة السيراء ١/ ٢٠٤ - ٢٠٧.
(٣) - ولد هشام يوم الأحد ٨ من شهر جمادى الآخرة سنة ٣٥٤ هـ، أمه تدعى صبح البشكنسيه بويع بالخلافة صبيحة يوم الاثنين الرابع من شهر صفر سنة ٣٦٦ هـ، كان أبيض أشهل، أعين خفيف العارضين لحيته إلى الحمرة، حسن الجسم قصير الساقين، مائل إلى العبادة والانقباض، مغفَّل يصدق تراهات الخبثاء. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٥، البيان المغرب ٢/ ٢٤٩، ٢٥٣، أعمال الأعلام ٢/ ٤٨، ٥٨، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٤) - البيان المغرب ٢/ ٢٤٩. لقد وقع الخليفة الحكم المستنصر بالله في خطأ ترك أثاره على الأندلس والوجود الإسلامي هناك، فبالرغم من الصفات الحسنة التي اشتهر بها ذلك الخليفة، إلا أنه أسند ولاية العهد من بعده لابنه الذي لم يبلغ الحلم، كل هذا وقوعًا منه تحت تأثير العاطفة وحبه لولده وأم ولده وتحسين بطانته له هذا الفعل الشنيع لأن تلك البطانة السيئة لم تنظر أبدًا إلا لمصلحتها هي فقط، ولعل جعفر المصحفي كان له أكبر الأثر في هذا الأمر، فمنذ أن شاع الخبر بأن صبحًا البشكنسية زوجة الخليفة الحكم، حبلى بادر جعفر فألقى قصيدة بين يدي الخليفة يهنئه فيها بهذا الخبر السعيد، وبما أن الخليفة قد عرف عنه كلفه الشديد بالولد لأنه لم يرزق بمولود رغم تقدمه بالسن، لذا فقد استغل المصحفي هذا الأمر، وبادر إلى ترشيح ذلك الجنين بولاية العهد ومن ثم الخلافة، ومما جاء في تلك القصيدة قوله: هنيئًا للأنام وللإمام … كريم يستفيد على كرام مرجى للخلافة وهو … ماء مأمول لآمال عظام وما إن وضعت صبح مولودها، حتى بادر هذا الحاجب الوصولي فارتجل قصيدة بهذه المناسبة بين يدي الخليفة الذي أعياه طول الانتظار لإطلالة هذا المولود على الدنيا ومما جاء في تلك القصيدة: اطلع البدر من حجابه … واطرد السيف من قرابه وجاءنا وارث المعالي … ليثبت الملك في نصابه والمصحفي في قصيدته الثانية يؤكد ما أملاه على سيده في قصيدته الأولى كل هذا بأسلوب نفسي بارع جعل الخليفة يقع تحت تأثيره: انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٣٧. الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٥٣. د. عبد السلام الهراس: الأندلس بين الاختبار والاعتبار، محاولة لدراسة ضياع الأندلس وسقوطها من الفتح إلى نهاية العصر الأموي، (من بحوث ندوة الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات، المنعقدة في الرياض من ١٥ - ١٩ جمادى الأولى ١٤١٤ هـ، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض) ص ١١ - ١٢.
[ ٥٨ ]
وأما المرحلة الثانية من مراحل عصر الخلافة، فهي التي سيطر فيها العامريون على الخلافة، فبعد أن توفي الخليفة الحكم ليلة الأحد لثلاث خلون من شهر صفر سنة (٣٦٦) هـ (^١) (الأول من أكتوبر (٩٧٧) م) حرص مجلس
_________________
(١) - الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٥٨ - ٥٩.
[ ٥٩ ]
الوصاية المكوَّن من الحاجب جعفر المصحفي وغالب بن عبد الرحمن الناصري (^١) ومحمد بن عبد الله بن أبي عامر (^٢)
_________________
(١) - هو القائد الأعلى أبو عثمان غالب بن عبد الرحمن الناصري، شيخ موالي الأندلس قاطبة، وفارس الأندلس في عهده، تولى القيادة العليا للجيوش الأندلسية، ولقب لوحده بذي السيفين، استعان به ابن أبي عامر للتخلص من جعفر المصحفي، ثم انقلب عليه، فجرى الصدام العسكري بينهما، وقد مات غالب فجأة يوم السبت الرابع من شهر محرم سنة ٣٧١ هـ وعمره نحو ثمانين عامًا. انظر: نقط العروس، ص ٨١ - ٨٢، المقتبس: (تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، بيروت، دار الثقافة، ١٩٨٣ م)، ص ٦٩، ١٠٢، ١٠٨ - ١٠٩، ١٢٦، ١٣٠ - ١٣٦، ١٤٥ - ١٤٦، ١٧٤ - ١٨٢، ١٩٤ - ٢٠٠، ٢١٩ - ٢٢٣، البيان المغرب: ٢/ ٢٢١، ٢٤٠، ٢٤١ - ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٦٥ - ٢٦٧، ٢٦٨ - ٢٩٦، أعمال الأعلام ٢/ ٦١ - ٦٥.
(٢) - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر المعافري، أصله من الجزيرة الخضراء، قدم قرطبة شابًا، فبرع في طلب العلم، ثم اتصل بصبح البشكنسيه زوجة الخليفة الحكم، فنصبته لخدمتها وخدمة ابنها عبد الرحمن، فلما توفي تولى ابن أبي عامر خدمة الأمير هشام، ومن ثم تولى عدة مناصب إدارية في عهد الخليفة الحكم المستنصر، انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٢١، مطمح الأنفس ص ٣٨٨ - ٣٩٧، الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٥٦ - ٧٨، الضبي، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، (نشر: فرانسيسكو كوديرا، وخليان ريبيرا، مدريد، مطبعة روخس، ١٨٨٤ م)، ترجمة رقم ٢٤٢. الحلة السيراء ١/ ٢٦٨ - ٢٧٧. ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، (نشر: فرانسيسكو كوديرا، مدريد، مطبعة روخس، ١٨٨٧ م)، رقم ١٩١٤ م.
[ ٦٠ ]
بالإضافة إلى صبح والدة هشام (^١)، على تنفيذ وصية الخليفة بتولية ابنه هشام من بعده (^٢) فتم لهم ذلك. وقد وقع الخليفة الصبي تحت سيطرة ابن أبي عامر، الذي أصبح أمر الدولة بيده، وذلك بعد أن تجاوز كافة الموانع المادية والأخلاقية التي كانت تحول بينه وبين هدفه، وبذلك قوي أمره، ولم يعد للخليفة أي سلطان.
وقد أثار تسلط ابن أبي عامر على الخليفة سخط الأمويين، فدبر عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (٣٦٧) هـ (^٣) (٩٧٧ م) محاولة انقلابية للتخلص من ابن أبي عامر وإقصاء هشام عن الخلافة، ودبر الأمر مع عبد الرحمن بعض وجهاء المجتمع الأندلسي وبايعوه بالخلافة، منهم عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي (^٤)، صاحب خطة
_________________
(١) - صبح أو صبيحة، ترجمة لكلمة Aurora ومعناها الفجر أو الصباح الباكر، كان الخليفة الحكم المستنصر بالله يسميها جعفر، وكانت مغنية حظية عنده، توفيت في حياة ابنها هشام المؤيد. أنظر البيان المغرب ٢/ ٢٥٣.
(٢) - المصدر السابق ٢/ ٢٤٩، ٢٦٠ - ٢٦٢.
(٣) - الحلة السيراء ١/ ٢٨٠.
(٤) - أبو مروان عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي، ولد سنة ٣٢٨ هـ، سمع من أبيه وغيره، وكان عبد الملك متهمًا بالاعتزال، تولى خطة الرد أيام الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي كان كثيرًا ما يبعث به أمينًا ليتعرف على أحوال الناس في الكوروسير عمالهم فيهم. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٢٣، ابن حزم، طوق الحمامة، (تحقيق: حسن صيرفي، القاهرة، المكتبة التجارية الكبر، بدون تاريخ)، ص ٤٥، المقتبس، تحقيق د. عبد الرحمن الحجي ص ١٠٠، ١٠٤.
[ ٦١ ]
الرد (^١)، وزياد بن أفلح (^٢)، صاحب المدينة، إلا أن المؤامرة فشلت، فقتُل عبد الرحمن بن عبيد الله، كما صُلب عبد الملك بن منذر على باب السدة (^٣)، وذلك يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة (٣٦٨) هـ (^٤) (يناير ٩٧٩).
_________________
(١) - طوق الحمامة، ص ٤٥.
(٢) - زياد بن أفلح، أحد زعماء الصقالبة، ومن وزراء العامريين وكبار رجالهم، كان يلي المدينة، وقد اشترك في المخطط الانقلابي، إلا أنه عندما أدرك فشل المحاولة انقلب على أصحابه مخافة افتضاح أمره، وهو الذي أيد صلب عبد الملك بن منذر وقد توفي زياد سنة ٣٦٨ هـ دون أن يُكشف أمره، إذ أعانه أحمد بن محمد بن عروس على ذلك. انظر: الحلة السيراء ١/ ٢٧٨ - ٢٨٠، والحاشية رقم ٢.
(٣) - باب السدة: هو الباب الرئيسي لقصر الحكم بقرطبة، يقع على مقربة من الرصيف، ويعلوه السطح المشرف، وسوف نتعرف فيما بعد على أهمية هذا الباب. وعنه انظر: قرطبة حاضرة الخلافة ١/ ١٩١ - ١٩٢. Balbas: Bub Al Sudda y los Zudas de la Expana oviental Al Andalus Fasc. ١، ٢، vol، xvll، ١٩٥٢، p: ١٦٥ - ١٧٥.
(٤) - ابن الفرضي ترجمة رقم ٨٢٣، طوق الحمامة، ص ٤٥، الحلة السيراء ١/ ٢٧٨ حاشية رقم ٢.
[ ٦٢ ]
ومنذ تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة شعر ابن أبي عامر بخطورة الأمويين عليه، فاستخدم معهم أسلوبًا قاسيًا، لشل حركتهم، وجعلهم دائمًا تحت رقابته، فقد بث عليهم العيون، وفرض عليهم الإقامة الجبرية في منازلهم، لا يغادرونها إلا لضرورة قصوى، كما منع الزيارات عنهم إلا لمن يأذن فيه من غلام أو وكيل أو معلم أو طبيب، وفوق كل ذلك كان يصطحبهم معه أثناء خروجه للغزوات، حتى ذلوا وانكسرت نفوسهم واشتغل كل منهم بأمره (^١).
وإمعانًا من ابن أبي عامر في الاحتياط لنفسه، ولشدة إعجابه بالخليفة عبد الرحمن الناصر وحرصًا منه على التشبه به، ابتدأ سنة (٣٦٨) هـ (٩٧٩ م) ببناء مدينة الزاهرة (^٢)، وبعد اكتمالها انتقل إليها واستوطنها ونقل إليها كافة دواوين الدولة (^٣)، وأمر كل من له حاجة أن يأتي إلى مدينته بدلًا من قصر الخليفة وأصبح هو الآمر الناهي، بعد أن
_________________
(١) - أعمال الأعلام ٢/ ٧٦ - ٧٧.
(٢) - مدينة الزاهرة Azzahira تقع شمال شرق قرطبة، مقابلة لمدينة الزهراء التي بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر شمال غرب قرطبة، ورغم اهتمام المنصور بمدينة الزهراء إلا أنها لم تدم طويلًا، فقد خربت بعد وفاته بسبع سنين، انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧، الروض المعطار، ص ٢٨٣ - ٢٨٤، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٨٠ - ١٨١، قرطبة حاضرة الخلافة ١/ ٢٥٨ - ٢٦٣.
(٣) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٨١.
[ ٦٣ ]
حجر على الخليفة، وسد بابه، وأدار على قصره سورًا وثيقًا، وأيده بحراسة مشددة فلا يطمع أحد بمقابلة الخليفة إلا بإذن ابن أبي عامر، ولتبرير فعله هذا أشاع في الناس أن الخليفة قد فوض إليه أمر تدبير الدولة ليتفرغ هو لعبادة ربه (^١)، وبذلك ضمن التحرر نهائيًا من الخليفة وسلطانه.
وكان ابن أبي عامر "المنصور" يتدرج في مناصب الدولة، وفي كل مرة يُظهر أمر الخليفة بمنحه منصبًا جديدًا أو لقبًا إضافيًا، وإن كان الواقع يشير إلى أن الخليفة ليس له من الأمر شيء، إذ لم يبق له من رسوم الدولة سوى السكة والخطبة (^٢).
ورغبة من المنصور في ترك أثر له على العمارة فقد ابتدأ سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) بإجراء التوسعة من الناحية الشرقية لجامع قرطبة، دونما اهتمام بالزخرفة (^٣)، كما بدأ في سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) ببناء القنطرة (^٤) على نهر
_________________
(١) - أعمال الأعلام ٢/ ٦٢.
(٢) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٦.
(٣) - المصدر السابق ٢/ ٢٨٧.
(٤) - القنطرة: رومانية قديمة البناء، تصل بين قرطبة وريفي شقندة المسمى اليوم "الاسبيرتو سانتو" وفي الأيام الأولى للفتح الإسلامي كانت تلك القنطرة قد تهدمت وأصابها التلف ولم تعد الاستفادة منها ممكنة فلما أصبح السمح بن مالك الخولاني واليًا على الأندلس كتب لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ بأمر القنطرة ووضح له أهميتها، فأذن له ببنائها بصخر سور قرطبة، فأتم ذلك سنة ١٠١ هـ، وقد جددت بعد ذلك مرارًا. انظ: أخبار مجموعة ص ٢٤، رحلة الأندلس ص ٥٧ - ٥٨.
[ ٦٤ ]
الوادي الكبير (^١)، وكان فراغه منها في النصف من سنة (٣٧٩) هـ (٩٨٩ م) بعد أن بلغت تكاليف البناء حوالي مائة وأربعين ألف دينار (^٢).
ويبدو أن التدابير التي اتبعها المنصور، واستبداده بالسلطان دون الخليفة، واجراءاته التعسفية ضد الآخرين، أثارت الناس ضده، حتى أقربهم منه كرهه وكره تصرفاته، ولذا فقد تم تدبير حركة عصيان قام بها ابنه عبد الله بن المنصور بن أبي عامر (^٣)،
_________________
(١) - نهر الوادي الكبير Rio Guadal Quivir أهم أنهار الأندلس، من أسمائه: النهر العظيم، نهر قرطبة، واسمه القديم "بيطي Beatis" ويبلغ طوله ٣١٠ أميال، ويروي قرطبة واشبيلية، انظر: بروفنسال، الأندلس أو شبه جزيرة الأندلس، (مقال منشور ضمن كتاب الأندلس، ترجمة: إبراهيم خورشيد وغيره، بيروت، دار الكتاب اللبناني، القاهرة دار الكتاب المصري ط الولى ١٩٨٠) ص ٧٦.
(٢) - نفح الطيب ١/ ٤٠٨.
(٣) - كان عبد الله بن المنصور قد وجد في نفسه على أبيه، بسبب تقديمه لأخيه عبد الملك مع أن عبد الله يرى نفسه أنه أفرس وأفهم وأشجع من أخيه عبد الملك، لأجل هذا نزح إلى سرقسطة واتفق مع صاحبها عبد الرحمن بن مطرف على التمرد، وأيدهما على ذلك قومس قشتالة غارسيه بن فردلند Carci Fernalndez مما كان سببًا في وقوعه أسيرًا في يد المنصور وذلك في ١٥ ربيع الثاني سنة ٣٨٥ هـ. انظر: ديوان ابن دراج القسطلي، (تحقيق وتعليق: د. محمود علي مكي، طبع على نفقة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، دمشق، منشورات المكتب الإسلامي، ١٣٨٠ هـ)، ص ٣٦٢ والحاشية رقم ٢، والقصيدتان رقم ١١٢، ١١٨ والتعليق عليهما. البيان المغرب ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ٦٥ ]
وعبد الرحمن بن مطرف (^١)، صاحب سرقسطة (^٢)، والوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني (^٣) صاحب طليطلة، بالإضافة إلى جماعة من وجوه أهل
_________________
(١) - عبد الرحمن بن مطرف بن محمد بن هاشم التجيبي، من أسرة عربية استقرت في إقليم أرغون منذ الأيام الأولى للفتح، وعبد الرحمن بن مطرف عندما رأى فتك المنصور برجالات الدولة علم أنه لم يبق غيره، فخشي على نفسه، وأيد عبد الله بن المنصور في الخروج ضد أبيه. انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٧٩ حاشية رقم ١. البيان المغرب ٢/ ٢٨٢، د. عبد الواحد ذنون طه، الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال افريقية والأندلس، (الجمهورية العراقية، منشورات وزارة الثقافة والإعلام ١٩٨٢ م)، ص ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) - سرقسطه Zaragoza هي إحدى القواعد الأندلسية في الشمال الشرقي للبلاد على نهر وادي الإبرو، كانت قاعدة للثغر الأعلى أيام المسلمين، وقد سقطت بيد ملك أراغون الفونسو الأول في رمضان سنة ٥١٢ هـ بعد حصار دام تسعة أشهر. ولم يبق من أثار المسلمين بها إلا جزء من قصر الجعفرية نسبة لأبي جعفر أحمد بن هود والملقب بالمقتدر بالله، ومن أشهر معالمها في الوقت الحالي كنيسة "سيو Seo" التي أقيمت مكان المسجد الجامع بسرقسطه الذي اختطه حنش الصنعاني رحمه الله تعالى. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٧٨ - ٧٩، نصوص عن الأندلس ص ٢٢، فرحة الأنفس ص ٢٨٧ - ٢٨٨، تاريخ ابن الكردبوس، ص ١١٨ حاشية رقم ٢. الروض المعطار ص ٣١٧، مرحلة الأندلس ص ٢٨٥ - ٢٨٧. شكيب أرسلان، الحلل السندسية في الأخبار والأثار الأندلسية، (فاس، المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٥٥ هـ/١٩٣٦ م)، ٢/ ١١٤ - ١٣٦.
(٣) - عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن أمية بن الحكم الربضي، الملقب بالحجر اليابس، وبالعجمية البطرشك أو البطرة شقة Petra Sicca قلده الخليفة المؤيد بالله الوزارة مع ولاية طليطلة، كان أحد رجالات بني أمية عقلًا وشهامة وأدبًا وغزارة علم، ظل سجينًا في داره حتى مات المنصور، ثم أطلقه عبد الملك بن المنصور وولاةالوزارة، ولم تطل حياته إذ توفي غازيًا مع عبد الملك غزاته الأولى سنة ٣٩٣ هـ بمدينة لاردة. انظر جمهرة أنساب العرب ص ٩٨. الحلة السيراء ١/ ٢١٥ - ٢٢٠ والحواشي المذكورة.
[ ٦٦ ]
قرطبة من الجند والخدم وغيرهم، إلا أن التدبير فشل، فقد اطلع المنصور على المخطط، وانتهى الأمر بفرض الإقامة الجبرية على المرواني في داره، ومقتل كل من عبد الرحمن بن المطرف سنة (٣٧٩) هـ (^١) (٩٨٩) وعبد الله بن المنصور في يوم الأربعاء (١٦) من جمادى الآخرة سنة (٣٨٠) هـ (^٢) (١١ أغسطس (٩٩٠) م).
هذا ولم يكتف المنصور بأن أمضى حياته مسيطرًا على الخليفة وسالبًا لسلطانه: بل حرص على أن يسير خَلَفُه وفق منهجه سواء مع الخليفة خاصة أو مع الأمويين بوجه عام، ويتضح ذلك جليًا من وصيته لابنه عبد الملك، فقد جاء فيها: " … وصاحب القصر - أي الخليفة - قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه، والآفة ممن يتولاه، ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة، ولا ترفع عنها سوء ظن ولا تهمة، وعاجل بها من خفته على أقل بادره وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم" (^٣).
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ٢٨٣.
(٢) - المصدر السابق ٢/ ٢٨٤.
(٣) - الذخيرة: ق ٤ م ١ ص ٧٦ - ٧٧.
[ ٦٧ ]
وبعد أن أمضى المنصور زهاء ربع قرن وهو مسيطر على أمور الدولة، أفنى خلالها رجالات الأندلس (^١)، وأذل الأمويين، وأخمل ذكر أرباب البيوتات الشهيرة التي هي عماد ملك بني أمية (^٢)، وأحدث تغييرًا كبيرًا في الدولة، حتى أنه غير سياسة بني أمية بالكلية، "فعوَّض باللين
_________________
(١) - تمكن المنصور من القضاء على المصحفي بعد أن أعانه عليه غالب الناصري، ثم تخلص من الأخير بعد أن استعان عليه بجعفر بن علي بن حمدون، ثم قتل جعفرًا بواسطة فارس العرب معن التجيبي، وتخلص هو من معن بقتله له.
(٢) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٢، لعل من أبرز ما يميز حكم بني أمية في الأندلس، أن المناصب الإدارية في دولتهم قد تم حصرها بأيدي أبناء أسر معينة، مثل آل أبي عبدة وآل شهيد وآل جهور وآل فطيس، والأمر في هذا لا يقتصر على هذه الأسر الأربع فقط، فهناك أسر أخرى سوف تتم الإشارة إليها في حينه، وإذا فتشنا عن العلاقة بين الأسرة الأموية وأي أسرة من تلك الأسر، نجد أن رابطا يربط الطرفين بعضهما ببعض منذ أيام الخلافة الأموية في الشام، وعندما قدم الأمير عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس وقف إلى جانبه عمداء تلك الأسر، وأثبتوا له صدق الولاء، وعندما استعملهم لمس منهم الوفاء والكفاءة، فاختط لبنيه وأحفاده من بعده سياسة لم يحيدوا عنها، تقوم على حصر المناصب في تلك الأسر، ليحقق بذلك نقطتين: الأولى: استمرارية ولاء تلك الأسر، والثانية: أن تلك الأسر تمثل سياج حماية قوي للأسرة الأموية، إذ أن مصيرها مرتبط بمصير الأمويين، وبذلك غدا المصير المشترك رابطًا قويًا بين الطرفين، ولذا فقد حرص الأمويون على تقوية تلك الأسر، بينما تفانت الأخيرة في حماية الأسر الأموية، لأجل ذلك فإن إقدام المنصور على إضعاف شأن تلك الأسر هو تقويض لأقوى دعائم الدولة الأموية، وعامل رئيسي من عوامل سقوطها.
[ ٦٨ ]
غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه وبالموادعة محاربة (^١) " وبعد كل هذا توفي المنصور ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (٣٩٢) هـ (أغسطس ١٠٠٢) ودفن بقصره في مدينة سالم (^٢).
وقد قام بالأمر من بعد المنصور ابنه عبد الملك (^٣)، بناء على عهد صوري مُنح له من الخليفة الغلوب على أمره، ولاه فيه الحجابة مكان أبيه، وأوصاه بتدبير شؤون الدولة (^٤).
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٣.
(٢) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٥، الحلة السيراء ١/ ٢٧٣، البيان المغرب ٢/ ٣٠١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٩٥ ومدينة سالم Medinaceli تقع على الطريق بين مدريد وسرقسطة، وتبعد عن مدريد مسافة ١٣٥ كيلو متر، وتقع منها إلى الشمال منحرفة نحو الشرق، وهي الآن من أعمال مدينة سرية Saria ومدينة سالم من إنشاء سالم بن ورعمال بن وكذات من قبيلة مصمودة البربرية، انظر: وصف الأندلس للرازي ص ٧٩، المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، تعليق رقم ٢٨٦ والمصادر المذكورة، الحلل السندسية ٢/ ٨١ - ٨٧.
(٣) - هو أبو مروان عبد الملك المظفر بالله، أمه الذلفاء، وصف بأنه أسعد مولود ولد في الأندلس على نفسه وأبيه وغيرهما، كان حييًا بارًا بوالديه، مراقبًا لربه، محبًا للصالحين، شجاعًا، اجتمع الناس على حبه، وسكنوا منه إلى عفاف ونزاهة ونقاء سريره، فتنافسوا في المكاسب، فازدهرت الأندلس، فقد كانت أيامه أعيادًا دامت سبع سنين، سميت بالسابع تشبيها لها بسابع العروس. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٨ - ٨٦، البيان المغرب ٣/ ٣ - ٣٧، أعمال الأعلام ٢/ ٨٣ - ٨٩، نفح الطيب ١/ ٤٢٣.
(٤) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٨.
[ ٦٩ ]
وحرصًا من عبد الملك على كسب محبة أبناء المجتمع الأندلسي، فقد افتتح عهده بان أصدر أوامره بإسقاط سدس الجباية المفروضة عليهم (^١)، كما بادر إلى تجهيز الجيوش وتولي قيادتها ضد نصارى الشمال (^٢).
وكان الوزير عيسى اليحصبي (^٣) هو المدبر لدولة عبد الملك، إلا أنه عندما شعر بتغيره ناحيته، عمل على التخلص منه وصرف الخلافة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لكن اطلاع الحاجب على تلك المؤامرة، مكنه من إفشالها، وبالتالي قتل مدبرها اليحصبي ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (^٤) (٤ ديسمبر (١٠٠٦) م).
_________________
(١) - المصدر السابق والصفحة، أعمال الأعلام ٢/ ٨٤.
(٢) - انظر: البيان المغرب، ٣/ ٤ - ٩، ١١ - ١٤، ٢١ - ٢٤.
(٣) - أبو الأصبغ عيسى بن سعيد اليحصبي، المعروف بالقطاع، عربي من بني الجزيري، من كورة باغه، كان أول كاتب للمنصور قبل تسلطه على الخلافة، وقد حسنت منزلته لديه، وارتفعت منزلته بصورة متناهية في عهد عبد الملك المظفر، حتى أصبح هو المدبر لدولته، لكن أمره انتهى بأن قتله عبد الملك المظفر بيده في أحد مجالسه الخاصة انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ١٢٣ - ١٢٨. البيان المغرب ٣/ ٢٤ - ٣٤ أعمال الأعلام ٢/ ٧٥.
(٤) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ١٢٥ - ١٢٧، البيان المغرب ٣/ ٣٠ - ٣٣ إلا أنه جعل مقتله ليلة السبت ٢٠ ربيع الأول، وبهذه المناسبة ألقى الشاعر ابن دراج قصيدة بين يدي المظفر يهنئه فيها بالتخلص من اليحصبي، ويخبره أنه بهذه الفعلة شفى قلوب الناس وحقق أمانيهم، وذلك في قصيدة مطلعها: شكرًا لمن أعطاك ماأعطاكا … ربي أذل لملكك الأملاكا انظر: ديوان ابن دراج، القصيدة رقم ١٤. ومن الجدير بالذكر أن الشاعر نفسه سبق وأن مدح اليحصبي بأكثر من قصيدة، انظر: المصدر السابق، القصيدتان رقم ٢٣، ٢٤.
[ ٧٠ ]
وبعد مقتل اليحصبي بثلاثة أيام، تم إلقاء القبض على هشام بن عبد الجبار، فاعتقله عبد الملك في حجرة خاصة لمدة يومين، ثم نقله إلى حبس سبق وأن أعده له، فكان أخر العهد به (^١).
وإذا ألقينا نظرة على حال الخليفة وأهل القصر، نجد أن الخليفة لم يكن يظهر إلا مستخفيًا عن أعين الناس، في نزه مستمرة أبلغه عبد الملك المظفر فيها غايته، ومع ذلك لم يشهد الخليفة صلاة قط (^٢).
وبعد سبع سنوات قضاها الحاجب عبد الملك المظفر، وهو يحكم الدولة نيابة عن الخليفة المؤيد بالله، أدركته الوفاة قبالة دير أرملاط، وذلك في يوم الجمعة (١٨) صفر من سنة (٣٩٩) هـ (^٣) (٢٣ أكتوبر ١٠٠٨).
وقد قام بالأمر من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور الملقب بـ"شنجول" (^٤) الذي كان شابًا معروفًا بفساد
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٣٤ - ٣٥.
(٢) - الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٨٢ - ٨٣.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٣٦ - ٣٧.
(٤) - شنجول Sanchuelo تصغير شانجة، اسم جده لأمه المعروف في المصادر النصرانية بلقب Abarca وهو شانجة الثاني بن غارسية الأول بن شانجة، ثالث ملوك البشكونس "مملكة نبارة" وتذكر المصادر أنه رغبة من هذا الملك في عقد صلح مع المنصور أهدى إليه ابنته، فقبلها المنصور واعتقها وتزوجها، وتسمت بـ"عبدة" وحسن إسلامها، وأنجبت عبد الرحمن سنة ٣٧٤ هـ وهي التي أطلقت عليه لقب "شنجول" تذكرًا منها لاسم أبيها، خاصة أنه كان أشبه الناس به، انظر: ديوان ابن دراج، القصيدة رقم ١٠٧ وتعليق المحقق عليها، البيان المغرب ٣/ ٣٨، أعمال الأعلام ٢/ ٦٦. وقد فسر ابن الكردبوس كلمة شنجول بمعنى "أحمق" ولكن لعله أراد بذلك أن عبد الرحمن بن المنصور كان أحمقًا طائشًا، كما ذكر ذلك محقق النص. انظر تاريخ الأندلس لابن الكردبوس، ص ٦٦ والحاشية رقم ٥.
[ ٧١ ]
الأخلاق (^١)، افتتح عهده بالخلاعة والمجانة (^٢)، قلده الخليفة المؤيد بالله الحجابة مكان أخيه، ولقبه بالمأمون في كتاب أصدره بهذه الشأن، لكن شنجول أضاف لقبًا آخر، هو الناصر فكان يدعى بـ"الحاجب الأعلى المأمون ناصر الدولة" (^٣).
وقد تعامل شنجول مع المنصب بكل غرور، من أجل هذا أتت تصرفاته سيئة غريبة، كما أنه تقرب إلى الخليفة بكافة السبل، حتى تمكن من استصدار قرار منه باسناد ولاية العهد إليه (^٤). وبذلك أصبح منصب الحجابة
_________________
(١) - المغرب في حُلى المغرب ١/ ٢١٣.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٣٩.
(٣) - أعمال الأعلام ٢/ ٩٠.
(٤) - ورد لدى ابن الأبار أن شنجول عندما حدثته نفسه بطلب ولاية العهد، استفتى بذلك فقهاء قرطبة وعلماءها، فحسنوا له ذلك، محتجين بقوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" وبما أن عبد الرحمن ابن أبي عامر كان معافريًا قحطانيًا، فقد قالوا عسى أن يكون هو المعني بقول المصطفى ﷺ، وكان قاضي الجماعة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان، المتوفى سنة ٤١٣ هـ، والوزير الكاتب أبو جعفر أحمد ابن محمد بن أحمد بن برد، المتوفى سنة ٤١٨ هـ، من أشد الناس تأييدًا لشنجول في هذا الأمر، ولذا قال فيها ابن أبي يزيد المصري: إن ابن ذكوان وابن برد … قد ناقضا الدين بعد عمد وعاندا الحق إذ أقاما … حفيد شنجة ولي عهد انظر الحلة السيراء ١/ ٢٧٠ - ٢٧٢.
[ ٧٢ ]
معطلا، فولاه ولده عبد العزيز (^١)، ولقبه بـ"سيف الدولة" (^٢). وحسب شنجول أن الدنيا قد صفت له بعد أن حقق
_________________
(١) - بعد مقتل شنجول، حُمل ابنه عبد العزيز سرًا إلى سرقسطة، وهناك عاش في كنف منذر بن يحيى التجيبي، وظل عنده إلى أن استدعاه العامريون إلى شاطبه، فتولاها سنة ٤١١ هـ وعمره خمس عشرة سنة وأشهرا ثم طردوه منها سنة ٤١٢ هـ فذهب إلى بلنسية، فرحب به من كان فيها من العامريين، ثم ولوه رئاستها سنة ٤١٧ هـ، وتلقب بالمؤتمن والمنصور، وقد بلغت بلنسية في عهده أوج اتساعها، وكان عبد العزيز على درجة عالية من الأخلاق الكريمة، فوصل رحمه، وأوى إليه قرابته، فأغنى فقيرهم، وجبر كسيرهم، وظل في الإمارة حتى توفي سنة ٤٥٢ هـ. انظر: ديوان ابن دارج. القصيدتان رقم ١٣٣، ١٤٥. أعمال الأعلام ٢/ ١٩٤ - ١٩٥. محمد عنان، دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، (القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط الأولى ١٣٨٠ هـ/١٩٦٠ م) ص ٢١٠ - ٢١٣. كيليا سارنللي تشركوا، مجاهد العامري، قائد الأسطول العربي في غربي البحر المتوسط في القرن الخامس الهجري، (القاهرة، لجنة البيان العربي، ١٩٦١ م) ص ٨١ - ٨٣.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٤٧. أعمال الأعلام ٢/ ٩٤.
[ ٧٣ ]
مراده، فاتجه بكليته إلى طلب ملذاته، وتلبية شهواته، وأحاط نفسه بمن هم على شاكلته من إخوان السوء وأدنياء القوم عمر بهم مجالسه (^١).
وضعف نظر شنجول عن رؤية أي شيء في الدولة يحتاج إلى إصلاح، ولذا فقد كان القرار الإصلاحي الأول الذي أصدره مفاجأة غير سارة لرجالات الدولة، فقد أمر الوزراء وأصحاب المناصب العليا بطرح القلانس الطوال المرقشة الملونة، والتي تميزهم عن غيرهم، وأمرهم بلبس العمائم البربرية وتوعد بالعقوبة من يخالفه (^٢).
وعندما أعلن الجهاد، لمواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه، لم يستجب له إلا المرتزقة ويسير من المطوعة (^٣)، ثم ارتكب حماقة كبيرة عندما خرج بمن استجاب له في أشد أوقات السنة برودة (^٤)، وسلك طريقا يدعى بالعريان (^٥)، فاقتحم أرض جليقية (^٦)، من قبل طليطلة، وهو
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٤٧ - ٤٨، أعمال الأعلام ٢/ ٩٤.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٤٨.
(٣) - المصدر السابق ٣/ ٣٩.
(٤) - نفسه ٣/ ٦٦.
(٥) - ذكر ابن عذاري أن شنجول عندما سلك هذا الطريق، تفائل له قوم من الناس وقالوا: أعرى هذا الفتى. البيان المغرب ٣/ ٣٩.
(٦) - جليقية هي المنطقة الممتدة من نهر دويرة جنوبًا حتى الساحل الشمالي لأسبانيا ومن ساحل البحر المحيط لها حتى منطقة قشتالة، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ٧١ - ٧٣، الروض المعطار ص ١٦٩، ويعتبر الفونسو الأول بن بطره حاكم إمارة كانتبريا المؤسس الحقيقي لمملكة جليقية، وذلك حوالي النصف الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) انظر: د. عبد الرحمن علي الحجي، اندلسيات، المجموعة الثانية، (بيروت، دار الإرشاد، ط الأولى ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م) ص ٤٢. وأما اليوم فإن إقليم جليقية هو الركن الشمالي لأسبانيا وهو يضم أربع مديريات تحمل كل منها اسم عاصمتها، وهي في مجموعها ولايات بحرية، يعمل أهلها بالزراعة وتربية الماشية وصيد السمك وبناء السفن. انظر: رحلة الأندلس ص ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ٧٤ ]
على حاله في المجانة والخلاعة (^١)، فلما وصل طليطلة بلغه نبأ اندلاع الفتنة في قرطبة، فكر راجعًا إليها، وعندما بلغ قلعة رباح (^٢) تبرأ من ولاية
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٤٨.
(٢) - قلعة رباح Calatrava من عمل مدينة جيان، تقع بين قرطبة وطليطلة، وتوصف بأنها مع مدينة طلبيرة حد فاصل بين أرض النصارى وأرض المسلمين، وفي العصر الحالي تتبع المدينة الملكية Ciudad real في إقليم لامنشا La Mancha. وقلعة رباح تبعد عن هذه المدينة بإثنى عشر كيلو متر إلى الشمال الشرقي منها، واكتسبت اسم رباح نسبة للتابعي الشهير علي بن رباح اللخمي الذي دخل الأندلس مع موسى بن نصير رحمهما الله تعالى. وقد سقطت قلعة رباح مع طليطلة في يد الفونسو السادس ملك قشتالة وذلك سنة ٤٧٨ هـ ثم استعادها أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصاره في معركة الأرك سنة ٥٩١ هـ، ثم خرجت من أيدي المسلمين نهائيًا عندما استولى عليها الفونسو الثامن ملك قشتالة سنة ٦٠٩ هـ، وقد أصبحت فيما بعد مقرًا للنظام الديني الرهباني المسمى La order de calitrava الذي تجرد لمحاربة المسلمين، انظر المقتبس، تحقيق د. محمود مكي التعليق رقم ٤٧٨، الحلة السيراء ٢/ ١٧٧ حاشية رقم ٣، الروض المعطار ص ٤٦٩.
[ ٧٥ ]
العهد، وأعلن اقتصاره على الحجابة، وأرسل كتابًا بذلك لكن أحدًا لم يأبه به (^١)، فعزم على دخول قرطبة وأصر على ذلك (^٢)، رغم نصيحة البعض له بالفرار (^٣)، فكان في إصراره حتفه، فقد قتل بمنزل أم هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب مغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (٣٩٩) هـ (^٤) (٤ مارس (١٠٠٩) م).
_________________
(١) - البيان المغرب ٧/ ٦٩.
(٢) - كان شنجول يأمل بالحصول على أمان من محمد المهدي بن عبد الجبار، وذلك بواسطة بعض وجهاء أهل قرطبة وبالذات قاضي الجماعة ابن ذكوان لكن أمله خاب، إذ أن ابن ذكوان كان أشد الناس عليه عند المهدي مما حال بينه وبين الأمان. انظر المصدر السابق ٣/ ٧١.
(٣) - كان مع شنجول أحد النصارى، تربطه أواصر قربى بأم شنجول يدعى قومس بن غرسية الذي عندما رأى اضطراب حال شنجول انفرد به، فقال له "أرى أحوالك منتقضة وأمورك مدبرة وجندك مخالفين لك فأخبرني عن هذا الرجل الذي في قرطبة أأنت أشرف أم هو؟ قال: بل هو. قال: الناس أميل إليك أم إليه؟ قال: ما أراهم إلا إليه أميل، فقال: هذا دليل ردي، قال شنجول: فما الرأي عندك؟ قال: الرأي عندي أن ترحل وأرحل معك بأصحابي الليلة. خذ باليقين وضع الظن فأمرك والله مختل وجندك عليك لا لك، فقال: لابد من الإشراف على قرطبة. فقال له: أنا معك على كراهة لرأيك، وعلم بخطئك فإن عشت عشتُ معك، وإن متَّ متُّ معك". البيان المغرب ٣/ ٧٠.
(٤) - المصدر السابق ٣/ ٧٢ - ٧٣.
[ ٧٦ ]
وأما المرحلة الثالثة التي مرت بها الخلافة الأموية في الأندلس، فهي مرحلة عصر الفتنة التي استمرت من سنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - ١٠٣١ م) وأعقبها سقوط الدولة فمنذ أن سيطر المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، وحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، واستبد بالأمر من دونه، وطارد الأمويين وضيق عليهم، واستهان بأهل البيوت المساندة للبيت الأموي، وأهمل ذكرها، وأخل بتركيبة الجيش، وحكم البلاد بصورة سلطوية ورأي فردي لا يقبل النقاش، منذ أن فعل ذلك، لابد أن نتوقع رد فعل عنيف يتحالف فيه الجميع على إزالة هذا الكابوس، رغم أن ذلك الجمع المتحالف لا يكن أعضاؤه الود بعضهم لبعض، لكن المصلحة اختطت لهم جادة واحدة وأجبرتهم على السير فيها.
فالحاكم السلطوي المستبد، الذي لا يرى إلا ذاته، ويحكم بالقهر والغلبة، يحدث عقب وفاته فراغ سياسي هائل، لا يمكن ملؤه بسهولة، وإن ساد الهدوء الأعوام القلائل التالية لعهده، فلكونها لازالت متأثرة بشخصيته، ولكن هذا التأثير لا يلبث أن يزول، فيحل المحذور وتعم الفوضى.
وهذا ما حدث عقب وفاة المنصور، فقد قام بالأمر من بعده ولده المظفر، مستفيدًا من شخصية والده التي ألقت بظلالها على سنوات حكمه، وما أن توفي المظفر حتى هان أمر العامريين على الجميع، وأصبحت عملية إزالتهم مسألة وقت لا أكثر، وبدلًا من أن يعمد شنجول
[ ٧٧ ]
إلى الإبطاء بتلك الإزالة، نراه يدفع بعجلتها بكل حماقة بقوة نحو النهاية، وذلك بادعائه لولاية العهد.
ولم يكن التنظيم للحركة التي دُبرت ضد سلطة العامريين، وليد عهد شنجول، بل إن البذرة الأولى يمكن القول بأنها قد وضعت في عهد والده المنصور، وذلك في سنة ٣٦٧ هـ (٩٧٨ م) عندما تم ترشيح عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر لدين الله من قبل بعض الفقهاء والقضاة ليتولى الخلافة بدلًا من المؤيد، ثم جرت محاولة أخرى سنة ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) كان الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني أحد منظميها.
وفي عهد عبد الملك المظفر كانت المحاولة الإنقلابية أكثر قوة وأشد وضوحًا، فقد اختار أصحاب المحاولة هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لتولي الخلافة، وكادت أن تنجح لولا أنها أُحبطت في اللحظات الأخيرة.
ورغم الإخفاق الذي صاحب تلك المحاولات، إلا أن الأمر لا يعني الحكم بفشل المحاولات القادمة، بل على العكس من ذلك، إذ يمكن القول بأنها كانت مقدمات لعمل مستقبلي ناجح.
وهذا ما حصل في عهد شنجول، فالتنظيم السري الذي سبق وأن أُعد في عهد عبد الملك المظفر، والذي كان هشام بن عبد الجبار هو المرشح
[ ٧٨ ]
في ذلك التنظيم لنيل الخلافة، نجده يستمر في عهد شنجول، وذلك عندما قام محمد بن هشام بن عبد الجبار (^١) بقيادة تنظيم سري هو امتداد للمحاولة السابقة لوالده، فقد اختار محمد من أصحابه إثنى عشر رجلًا جعلهم نقباء (^٢)، وكان رئيسهم الذي يبث دعوته بين العامة، ويأخذ البيعة منهم سرا، يدعى صاعد بن عبد الوهاب الحرَّار وصف بأنه كان في الجهل آية (^٣).
وقد كثر الإرجاف في قرطبة، بقرب ظهور أحد الأمويين، وبادر الفتى الأكبر إلى سيده شنجول ينصحه بعدم مغادرة قرطبة، وحذره من الأمويين، فأجابه شنجول قائلًا "والله لو اجتمع بنو مروان إلى مرقدي وأنا نائم ما أيقظوني (^٤) " فكان رده هذا أقوى دليل على ضعف رأيه واستهتاره بالآخرين.
_________________
(١) - هو أبو الوليد محمد بن هشام، أمه أم ولد تسمى مزنه، ولقبها كباره تعرف بالعرجاء لخلع كان بها، ولد محمد سنة ٣٦٦ هـ، وصف بأنه ثائر جسور، خليع ماجن، لا يبالي بأي واد هلك، كان أبيض أشقر أشهل تام القامة به انحناء تعلوه صفرة، له ولد وحيد اسمه عبيد الله قتله واضح في قرطبة. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠١، جذوة المقتبس ص ١٩، البيان المغرب ٣/ ٥٠، ١٠٠، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٥٥.
(٣) - المصدر السابق ٣/ ٥٤.
(٤) - أعمال الأعلام ٢/ ٩٦.
[ ٧٩ ]
وعندما خرج شنجول بجيشه إلى جليقية، واطمأن محمد بن هشام لبعده، جهر بحركته، وذلك يوم الثلاثاء (١٦) جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٥ فبراير ١٠٠٩) وهجم أصحابه على صاحب المدينة عبد الله بن عمر، فقبضوا عليه (^١)، ثم قتلوه بأمر محمد بن هشام، فلما رأى العوام رأس صاحب المدينة، انثالوا على ابن هشام من كل حدب وصوب فيهم من العنازين والجزارين والسفلة وسائر غوغاء الأسواق ما لا يحصون كثرة، فخطب بهم خطبة بين لهم فيها سبب قيامه، وحرَّضَهم على ابن أبي عامر، وأذن لهم بنهب مدينة الزاهرة، فاستهواهم الطمع وأمر بكسر السجن العام، فخرج من كان فيه من اللصوص والذعار وأصحاب الجرائم، فانضموا إليه، وتسلحوا بما وصلت إليه أيديهم، وزحفت هذه الجموع الغوغائية على قصر الخليفة الذي حاول جاهدًا أن يسكن ثائرتهم، لكنه فشل، فانصرف وأمر خدمه بالكف عنهم، وأمام هجوم أولئك الغوغائيين أضطر الخليفة إلى إصدار أمره بفتح أبواب القصر لابن هشام، فدخل
_________________
(١) - عندما اندلعت ثورة المهدي كان صاحب المدينة عبد الله بن عمر الذي يفترض فيه أن يكون أكثر المسؤولين اهتمامًا بالأمن، جالسًا في غرفته الخاصة مترنحًا بين جاريتين تغنيانه بعد أن صرف حرس باب القصر للعمل في مزارعه الخاصة. انظر: البيان المغرب ٣/ ٥٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.
[ ٨٠ ]
واستولى عليه، وذلك في ليلة الأربعاء وزحفت جموع هائلة من العوام نحو مدينة الزاهرة، فلم يتمكنوا من دخولها تلك الليلة (^١).
وفي تلك الليلة أصدر محمد بن هشام أوامره بتولية ابن عمه محمد بن المغيرة خطة الشرطة، فأجلسه على كرسيها عند باب القصر، وقلد خطة الحجابة ابن عمه الآخر عبد الجبار، وأما أنه قد اسند ولاية العهد لسليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر (^٢)، فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن حزم أن سليمان هذا قد تسمى بولاية العهد دون أن يسميه به خليفة (^٣).
وأخيرًا أتم محمد بن هشام بن عبد الجبار مراده، فخلع الخليفة هشام المؤيد بالله في نفس الليلة، وأخذ البيعة لنفسه، فابتدأت خلافته يوم الأربعاء (١٧) من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٨ مارس (١٠٠٩) م)
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٥٥ - ٥٨، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩ - ١١٠، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٠ - ٤١٢، ولكنهم فيما بعد دخولها ونهبوها ومن ثم أحرقوها. انظر: نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٤.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٥٩، أعمال الأعلام ٢/ ١١٠.
(٣) - نقط العروس ص ٥٤. وقد قتل سليمان هذا مع أبيه هشام، وذلك عندما ثار الأخير ضد المهدي، وتسمى بالمعصوم، انظر: نقط العروس ص ٥٤، ٥٨. قارن: البيان المغرب ٣/ ٨٢.
[ ٨١ ]
واتخذ لنفسه لقب "المهدي" لكن العامة كانت تلقبه بالمنقش لهشاشته وطيشه وخفته (^١).
ويعتبر الخليفة المهدي "آخر من ولي الأمر من بني مروان بالأندلس ولاية تامة، يعزل فيها ويولي من آخر شرقها إلى آخر غربها، وكذلك في كثير من بلاد البربر" (^٢).
وقد استقبل القرطبيون حركة المهدي بسرور عظيم، فأقاموا الولائم والأعراس ليالي متتالية، ينتقلون من موضع إلى آخر بالمزامر والملاهي (^٣).
والعجيب أنه بعد سيطرة المهدي على قصر الخلافة، كَلَّف حاجبه ومعه صاحب المدينة أن يثبتا في الديوان اسم كل من يأتيهما لاستلام العطاء (^٤) "فلم يتخلف عن أخذ ماله واستحلال نهبه والدخول في فتنته فقيه ولا عالم ولا عدل ولا إمام ولا حاج ولا تاجر إلا قام في نصرته بما قوي عليه من لسانه ويده، وتكلف حمل السلاح وإن كان لا يغني عن نفسه
_________________
(١) - أعمال الأعلام ٢/ ١١٠ - ١١١.
(٢) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠١.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٧٤. وقد ألقى ابن دراج قصيدة يهنئ فيها المهدي بتوليه الخلافة، مطلعها: قُل للخلافة قد بلغت مناك … ورأيت ماقرت به عيناك انظر: ديوان ابن دارج، القصيدة رقم ٢٥.
(٤) - قيل أن عدة من أثبتت أسماؤهم في ديوان المهدي للعطاء بلغ خمسون ألفا. أعمال الأعلام ٢/ ١١١.
[ ٨٢ ]
فضلًا عن غيره" (^١). هذا وعندما تعرضت المصادر لأسباب حركة المهدي، اختلفت في تعليلها فهناك من عزا الأمر إلى الذلفاء أم المظفر وحرصها الشديد على الانتقام لابنها من أخيه عبد الرحمن المتهم بوضع السم له (^٢)، وهناك من جعل السبب في ذلك يعود إلى حقد المهدي على العامريين بسبب قتلهم والده (^٣)، بينما نظر ابن خلدون إلى الزاوية القبلية في هذه المسألة، فاتخذ من تحويل الأمر من المضرية إلى اليمنية سببًا كافيًا لاندلاع الفتنة (^٤).
والحق أن الخوض في أسباب اندلاع فتنة المهدي، ليس بالأمر اليسير إذ أن الأمر يتعلق بجميع أفراد المجتمع على مختلف فئاتهم، وتفاوت ثقافاتهم، ومن المعلوم أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن يرد سبب ظهورها إلى عامل واحد، فكيف والأمر يتناول قضية اشترك الجميع بها؟
فإذا نظرنا إلى المهدي نجده يحصل من الذلفاء على الأموال (^٥)، ومن الأمويين وفتيانهم على المساعدات المادية والمعنوية (^٦)، ثم أن من قاد العامة
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٦٢.
(٢) - المصدر السابق ٣/ ٥٢، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.
(٣) - الحلة السيراء ٢/ ٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.
(٤) - ابن خلدون، التاريخ، (بيروت، مؤسسة الأعلمي ١٣٩١ هـ/١٩٧١ م) ٤/ ١٤٩.
(٥) - أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.
(٦) - المصدر السابق والصفحة.
[ ٨٣ ]
الغوغائيين واقتحم بهم قصر الخلافة ومدينة الزاهرة هم عشرة رجال بين حجام وجزار وحائك وزبَّال (^١).
وعلى هذا يمكن القول بأن حركة المهدي والتي اشتركت فيها أطراف عدة، هي في حقيقتها تعبير عن رفض المجتمع الأندلسي لواقع عانى منه طويلًا، وبالذات سيطرة العامريين على الخلافة الأموية التي هي رمز قوي لجمع كلمة المسلمين في الأندلس، وبذلك فإن جميع الأسباب التي ذكرت من قبل أدت مجتمعة إلى ظهور حركة المهدي.
وبإمعان النظر في المشاركين في الفتنة، نجد أن لكل منهم غاية سعى لتحقيقها، فالانتقام رغبة الذلفاء، وإقصاء العامريين جملة هدف الأمويين والقرشيين عامة، والمتعة المستعجلة غاية العوام، والطمع مرام البقية، وأما المهدي فحب السلطة والرئاسة قادته إلى مثل هذا، وهؤلاء جميعهم عمتهم فتنة أعمتهم عن رؤية العواقب.
وأي حركة يكون العوام محور ارتكازها، لا يمكن أن تأتي بخير، إذ أن كلًا منهم لا يرى إلا منفعته الآنية فقط، فهم "لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن هيجانهم إذا سكنوا، إن أخصبوا طغوا في البلاد، وإن أجدبوا آثروا العناد" (^٢).
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٧٤، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٧.
(٢) - رسائل الجاحظ (تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي ١٣٩٩ هـ) ٤/ ٣١٤.
[ ٨٤ ]
ويصدق هذا الوصف على أتباع المهدي من الغوغائيين والسفلة، فبعد أن عمهم المهدي بعطائه، بقيت قرطبة عدة أيام لم يوجد فيها حجام ولا كنَّاف ولا ذو مهنة ذليِّه (^١).
ولذا فليس من المستغرب أن يصطدم من اشترك في هذه الفتنة بالحقيقة المرة بمجرد أن اتضحت الأمور وانكشفت الوقائع، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن وضع المهدي قانونه الجديد في أن الخلافة لا يمكن الوصول إليها، إلا بالفتن والاضطرابات.
ويمكن القول بأن الحلف الذي قام بين القوى التي ساندت المهدي، كان حلفًا تكتيكيا، يتضح ذلك في موقف المهدي من الصقالبة (^٢) العامريين، وهو الجناح العامري الذي تقوده الذلفاء،
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٦١.
(٢) - الصقالبة: جمع صقلبي " Eslavos" وتعني العبد أو الرقيق، وهذه الكلمة أطلقها العرب في البداية على من يتم جلبه من الشعوب السلافية عامة، لكنهم توسعوا فيما بعد في استعمال هذا المسمى، فأطلقوا على أرقائهم من أي أمة نصرانية، ولعل الأمير عبد الرحمن الداخل هو أول من استخدم هذه الفئة واتخذ لهم علامة يعرفون بها، وحذا خلفاؤه حذوه في هذه السياسة. انظر: ابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، (تحقيق: فؤاد سيد بيروت، مؤسسة الرسالة، ط الثانية ١٤٠٥ هـ/١٩٨٥) ص ١٠٧. ابن حوقل، صورة الأرض، (بيروت دار مكتبة الحياة، ١٩٧٩ م) ص ١٠٦. الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦١، أخبار مجموعة ص ١٠٨ - ١٠٩، البيان المغرب ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٤، المغرب في حُلى المغرب ١/ ٣٩، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٢٥، ١٢٧. نفح الطيب ١/ ١٤٥، ٣٥٦، = =٣٨٢، الحلل السندسية ١/ ٤٦ - ٤٧، د. أحمد مختار العبادي، الصقالبة في أسبانيا، (مدريد، المعهد المصري للدراسات الإسلامية، ١٣٧٣ هـ/ ١٩٥٣ م) ص ٨ - ٩.
[ ٨٥ ]
فقد قام المهدي ليلة الأحد (٢٨) رجب سنة (٣٩٩) هـ (٢٨ مارس ١٠٠٩) بنفي جماعة من الصقالبة العامريين عن قرطبة (^١)، وفي يوم الخميس (١٥) شعبان سنة (٣٩٩) هـ (١٤ إبريل ١٠٠٩) طرد صقالبة القصر وسد أبوابه (^٢).
وكما بدد المهدي شمل الصقالبة العامريين، فقد ألحق الأذى بالعوام الذين سبق وأن استظهر بهم، فبعدما استوثق الأمر له، أسقط منهم سبعة آلاف رجل، كان قد كتبهم في جيشه (^٣)، ثم وجه ضربته للأمويين فنزع الخليفة هشام المؤيد بالله من منصبه، وتولى الخلافة بدلًا منه (^٤)، ولكي
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. ذهب هؤلاء الصقالبة واستولوا على الأطراف الشرقية للأندلس، وكونوا بها ممالك خاصة بهم في كل من المرية ومرسية ودانية والجزائر وبلنسية. انظر: دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص ١٥٦ - ١٦٢، ١٧١ - ١٧٦، ١٨٣ - ١٩٩، ٢٠٦ - ٢١٦.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٧.
(٣) - المصدر السابق ٣/ ٧٧. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢.
(٤) - الحق أن المهدي بهذه الخطوة قد قضى على أي أمل للأمويين فيه، فهم ساعدوه في البداية ليخلصوا الخليفة هشام المؤيد من حالة الحجر التي فرضها عليها العامريون، لكنهم فوجئوا بمن هو أسوأ من العامريين، فإن كان العامريون قد ألغوا شخصيته، واستبدوا بتصريف أمور الدولة من دونه، فإن المهدي استحوذ على كل شيء وأصبح هو الخليفة.
[ ٨٦ ]
يأمن ردة الفعل من أي جهة أقدم على خطوة في غاية الغرابة، فقد أخرج هشام المؤيد من القصر، وفرض عليه الإقامة الجبرية في دار الحسن بن حي بقرطبة، ثم أعلن نبأ وفاته (^١).
وقد ذكرت المصادر التاريخية أن المهدي أحضر رجلًا يهوديًا أو نصرانيا ميتًا (^٢)، كان شديد الشبه بهشام المؤيد، وقدمه للوزراء على أنه الخليفة هشام، وأنه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك (^٣).
وذكر الرقيق القيرواني (^٤) وتابعه النويري (^٥) أن الذين شهدوا على وفاة الخليفة المؤيد كانوا من أصحاب المهدي، وفي رواية أكثر تفصيلًا وأولى بالقبول من غيرها، وصاحبها شاهد عيان في هذه القضية، ذكر ابن حزم ما نصه: "أندرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام ابن الحكم المستنصر، فرأيت أنا وغيري نعشًا فيه شخص مكفن وقد شهد غسله شيخان
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٨. وقد ورد في ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٠ أن المهدي حبس المؤيد في مطبق المحابس.
(٢) - ورد في ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٠ أن المهدي كان قد خنق ذلك الرجل.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢.
(٤) - انظر: البيان المغرب ٣/ ٧٧.
(٥) - نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٨.
[ ٨٧ ]
جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة في بيت، وخارج البيت أبي وعظماء البلد" (^١).
فابن حزم ذكر أنه لم يشهد المتوفى، وأن الأمر في ذلك اقتصر على رجلين فقط، كما أن الرقيق القيرواني ذكر أن الشهود كانوا فقط من أصحاب المهدي، وعلى هذا يمكن القول بأن المهدي استغل عدم معرفة الناس بالمؤيد، لأنهم لم يكونوا يرونه، وإن خرج فمتقنعًا كالنساء، ولوجود الشبه بينه وبين ذلك الميِّت، فقد انطلت حيلة المهدي على الشيخين، ليتخلص بذلك من عقبة كؤود.
وقد حضر الجنازة ألوف من الناس، صلوا على الميِّت، وتبعوا جنازته إلى قبره، حيث دُفن يوم الاثنين (٢٦) شعبان (^٢) سنة (٣٩٩) هـ (٢٥ إبريل ١٠٠٩) وبسبب كل ما مضى انصرفت عن المهدي نفوس الموالي والخواص واضطربت عليه بنو أمية (^٣).
_________________
(١) - ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، (وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني، القاهرة المطبعة الأدبية، ط الأولى ١٣١٧ هـ.) ١/ ٥٩.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢. وذكر النويري أنه مات لأربع بقين من شعبان. انظر: نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٨. والحق أن إجرام المهدي لم يقف عند حد، حتى أنه تجرأ على استقبال الباري جل وعلا وهو يصلي على ميت غير مسلم وغش جماعة عظيمة من المسلمين في هذا الموقف إشباعًا لتطلعات نفسه الخبيثة.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٥١.
[ ٨٨ ]
ثم أضاف المهدي إلى حماقاته السابقة حماقة أخرى، فقد تجاهل قوة ضارة في المجتمع الأندلسي، وأعني بها الطوائف البربرية التي جعلها المنصور بن أبي عامر عماد دولته، فسلط المهدي عليهم رجاله، فاحتقروهم وأهانوا زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد (^١)، وقام بعض سفهاء قرطبة بنهب دور البربر، ولما اشتكى زعماؤهم من هذا الفعل، أمر المهدي بضرب رقاب المعتدين (^٢).
_________________
(١) - أبو مثنى زاوي بن زيري بن مناد، زعيم صنهاجه، دخل الأندلس في بداية عهد عبد الملك المظفر ابن المنصور هو وأقاربه، فأكرمهم المظفر، وفي سنة ٤٠٣ هـ سكن زيري وقومه مدينة إلبيرة بناء على طلب أهلها، ثم بنى مدينة غرناطة ليتحصن بها، وفي سنة ٤١٠ هـ غادر الأندلس إلى القيروان حيث مات فيها مسمومًا. انظر: عبد الله بن بلقين. التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله، (نشر وتحقيق: ليفي بروفنسال. القاهرة، دار المعارف، ١٩٥٥ م)، ص ١٦ - ٢٥. الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٦٠، ق ١ م ٢ ص ٥٨٨. ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، (تحقيق: محمد عبد الله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٩٣ - ١٣٩٧ هـ، ١٩٧٣ - ١٩٧٦ م). ١/ ٥١٣ - ٥١٧، مجهول، نبذ تاريخية في أخبار البربر في القرون الوسطى، منتخبة من كتاب مفاخر البربر، (نشر: ليفي بروفنسال، المغرب، مطبوعات معهد العلوم العليا المغربية، ١٣٥٢ هـ/١٩٣٤). ص ٣٥، ٤٣. تاريخ ابن خلدون ٤/ ٦٠. الهادي روجي إدريس، الدولة الصنهاجية تاريخ إفريقية في عهد بني زيري، من القرن ١٠ إلى القرن ١٢ م. (ترجمة، حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط الأولى، ١٩٩٢ م)، ١/ ١٣٣، ١٧٣ - ١٧٥.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٥ - ٧٦.
[ ٨٩ ]
وعز على المهدي أن يختتم هذه الصورة العجيبة إلا بإبراز الوجه الحقيقي له، لتهون أمام هذا المنظر كل أفعاله السابقة، فقد أظهر من الخلاعة والمجون ما لم يخطر ببال غيره، فباختصار لقد كان المهدي رجلًا فاسدًا مختل الدين والعقل (^١). هذه الأفعال المشينة للمهدي بالإضافة لسيرته الأخلاقية المتدنية، وحدت القوى المعارضة، وجعلتها تقف أمامه في صف واحد، ولعل أول من وقف ضده من تلك القوى، هي تلك الفئة التي أسقطها المهدي من ديوانه، بالإضافة إلى العبيد العامريين، فنصبوا عليهم هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ولقبوه بـ"الرشيد" (^٢) وفشل المهدي في ثني الرشيد عن تمرده، بالرغم من إطلاقه لسراح ولده سليمان (^٣)، فقد تقدم الرشيد ومن معه فهاجموا أحد أسواق قرطبة وأحرقوه (^٤)، إلا أن أنصاره خذلوه عندما رأوا قيام العامة مع المهدي،
_________________
(١) - انظر: المصدر السابق، ٣/ ٨٠. إن من أشد المصائب أن تبتلى الأمة بولي أمر فاسد فهو لن يقودها إلا إلى الدمار. فماذا سيجد من كان الغراب دليله؟
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٥١.
(٣) - انظر: البيان المغرب ٣/ ٧٩. نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٩.
(٤) - ورد في البيان المغرب ٣/ ٨٠ أن الرشيد هاجم سوق السرادق، بينما ورد لدى النويري أنه هاجم سوق السراجين، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٩.
[ ٩٠ ]
فأُسر الرشيد وقُتل صبرًا بين يدي المهدي وذلك يوم الخميس الخامس من شهر شوال سنة (٣٩٩) هـ (^١) (٢ يونيو (١٠٠٩) م).
وأراد المهدي أن يكافئ العامة على موقفها، فأباح لها نهب دور البربر، ونادى مناديه أن من أتى برأس بربري فله كذا وكذا، فجرى من العامة شيء عظيم، إذ راح ضحية طيشهم وعبثهم الكثير من العلماء والفقهاء وغيرهم، وسبيت النساء، وتم قتل الحوامل منهن، وبلغ من حرص العامة على نيل المكافأة أن قتلوا سبعة عشر رجلا من أهل تلمسان (^٢) في ساعة واحدة، كانوا قد قدموا للجهاد، كما قتلوا آخرين
_________________
(١) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ٨٨، البيان المغرب ٣/ ٨١، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٩. أعمال الأعلام ٢/ ١١٣. وذكر ابن الأبار أن الرشيد جهر في حركته في آخر شهر شوال انظر: الحلة السيراء ٢/ ٦.
(٢) - تلمسان: مدينة مشهورة بالجزائر، أصلها قرية "أغادير" وفي أواخر القرن الخامس الهجري أقام زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين قرية أقرارات، ثم انضمت القريتان فأصبحتا تلمسان، ومنذ ذلك الوقت عاشت البلدة حياة مزدهرة إلى أن فقدت قوتها ونضارتها بانحطاط دولة بني زيان سنة ٩٣٢ هـ، والبلدة فيها أماكن أثرية مشهورة كما أن أهلها يمتهنون صناعات يدوية متقنة. انظر: البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، من كتاب "المسالك والممالك" (طبعة: دي سيلان، الجزائر ١٩١١ م) ص ٧٦ - ٧٧، مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، (تحقيق: د. سعد زغلول. المغرب الدار المغربية ١٩٨٥ م)، ص ١٧٦ - ١٧٧. معجم البلدان ٢/ ٤٤، الروض المعطار ص ١٣٥ - ١٣٦. أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر. (الجزائر، البليدة، نشر دار الكتاب، ١٣٨٢ هـ/١٩٦٣ م)، ص ١٨٩ - ١٩١. لطيفة بن عميرة. تلمسان من نشأتها إلى قيام دولة بني عبد الواد، (مجلة الدراسات التاريخية، إصدار معهد التاريخ، جامعة الجزائر. العدد السادس لعام ١٤١٣ هـ/١٩٩٢ م). ص ٦٣ - ٦٩. والمصادر الواردة.
[ ٩١ ]
من أهل خراسان والشام على أنهم من البربر (^١)، الأمر الذي دفع الكثيرين للهرب، وكان من بين الهاربين ابن أخ للرشيد يدعى سليمان بن الحكم (^٢)، فوجد البربر فيه ضالتهم، إذ لابد لهم من أموي يسيرون خلفه، لأن الناس لن يقبلوا أن يلي الخلافة إلا أحد أبناء تلك الأسرة المجيدة، ومن أجل ذلك بايع البربر سليمان بن الحكم وذلك في (٢٧) شوال (٣٩٩) هـ (^٣) (٢٦ يونيو (١٠٠٩) م) ولكي يدركوا ثأرهم استعانوا بشانجة بن غرسيه
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٨١.
(٢) - أبو أيوب سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، أمه أم ولد اسمها ظبية، ولد يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة سنة ٣٥٤ هـ، كان أسمر أعين تام القامة أشم الأنف عظيم الكراديس جميل الوجه، عُرف بالعلم والفهم وحسن الأدب والشعر والفصاحة له رسائل وأشعار بديعة، وله معرفة بفنون الغناء فقد كان في حداثته يضرب بالطنبور انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠٢، الذخيرة ق ١ م ١ ص ٤٦، الحلة السيراء ٢/ ٧ - ٨، البيان المغرب ٣/ ٩١ - ٩٢.
(٣) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ٨٨، البيان المغرب ٣/ ٨٤، ومن الجدير بالذكر أن سليمان هذا كان من المبادرين إلى تهنئة المهدي عقب اغتصاب الخلافة، وأنشده قصيدته التي مطلعها: الحمد لله حمدًا لا نقلله … هذا السرور الذي كنا نؤمله انظر: الحلة السيراء ٢/ ١٠ - ١١.
[ ٩٢ ]
بن فردلند (^١) قومس (^٢) قشتالة الذي أطلقت عليه بعض المصادر التاريخية الإسلامية اسم ابن مامه النصراني (^٣)، فلما وصلت رسل البربر إليه، وجدوا أن رسل المهدي وواضح (^٤)
_________________
(١) - أعمال الأعلام ٢/ ١١٣.
(٢) - قومس أو قمز، جمعها قوامس، كلمة لاتينية Comes تعني نديم الملك، ولعلها أطلقت فيما بعد على من كان من وجوه القوم، ثم تطورت في اللغات الأوروبية معنى ومبني، فهي اليوم في الأسبانية Conde وفي الإنجليزية Count وفي الإيطالية Cont وفي الفرنسية Comte وكلها بمعنى حاكم منطقة متمتع باستقلال تام أو محدود أو هي بمعنى الرجل الشريف، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوربا، ص ٩٩ حاشية رقم ١.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٨٦.
(٤) - بعد أن تخلص المنصور من الصقالبة أتباع الخلافة الأموية، اصطنع صقالبة غيرهم ممن يديونون له بالولاء، ولذا عُرفوا بالفتيان أو المماليك العامرية، ويعتبر واضح الفتى من أشهرهم، قاد العديد من الجيوش الأندلسية في عهد المنصور وولده المظفر، وفي عهد الأخير أصبح واليًا على مدينة سالم والثغر الأوسط، وبعد مقتل شنجول تولى واضح منصب الحجابة للمهدي، لكنه سرعان ما انقلب عليه وأعاد المؤيد للخلافة، وعندما ظهر عجز واضح عن مقاومة البربر، هان أمره على الجند، فأحس بالخطر، وعزم على الهرب سرًا من قرطبة، لكن الجند ثاروا عليه بقيادة ابن وداعة فقتلوه وأخذوا ما لديه من أموال ونهبوا دور أصحابه وكتابه وذلك في أواخر سنة ٤٠١ هـ. انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٨٢. ٣/ ٥ - ٦، ١١، ٧٦، ٩٣ - ٩٥، ١٠٠ - ١٠٥. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢، ١١٤ - ١١٨.
[ ٩٣ ]
صاحب طليطلة والثغر الأوسط (^١) عنده، وقدَّمت الرسل هدية سنية، لكن شانجة الذي كان يراقب ما يجري عند جيرانه المسلمين أراد أن يضرب القوة الإسلامية مرة واحدة، فأعلن عن تأييده للبربر (^٢). وأقبل بجموعه يريد قرطبة، فاستعد المهدي للقائه ورتب قواته، ومن المضحك أن قيادة جيشه كان فيها طبيب ووكيل بل وقوم من الحواتين والجزارين وأشباههم (^٣). فدارت الدائرة عليهم، وقتل من أهل قرطبة أكثر من عشرة
_________________
(١) - الثغر الأوسط أو الأدنى قاعدته مدينة سالم ثم استبدلت فيما بعد بطليطلة، وهذا الثغر مواجه لمملكتي قشتالة وليون. وعن هذا الثغر وبقية الثغور الأندلسية أنظر: خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي "دراسة في أحواله السياسية ٩٥ - ٣١٦ هـ" (بغداد، مطبعة أسعد ١٩٧٦ م ص ٣٩ - ٤٤ والمصادر المذكورة.
(٢) - تجدر الإشارة إلى أن ثمن مساعدته للبربر هو الحصول على ما أحب من مدن الثغر. انظر: البيان المغرب، ٣/ ٨٦. والملاحظ أن كلا الفريقين المسلمين لم يعمل أي منهما على حقن دماء المسلمين ويتنازل عن مطامعه الدنيوية في سبيل طلب ما عند الله تعالى، بل إن الأمر وصل بهما إلى تقديم الرجاء والخضوع لذلك النصراني عسى أن يتكرم بالمساعدة. على ماذا؟ على سفك دماء إخوانهم المسلمين. مقابل ماذا؟ مقابل إعطائه بلادًا خضبت أراضيها بدماء زكية سالت من أجساد نذرها أصحابها أن تكون فداءًا لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، لذا فلا عجب أن يعيش أفراد الفريقين سنوات عدة لا يعرفون فيها طعمًا للعافية، كلها فتن ومحن ليذوقوا وبال أمرهم. والعاقبة لمن اتقى.
(٣) - المصدر السابق ٣/ ٨٨.
[ ٩٤ ]
آلاف رجل (^١)، وذلك يوم السبت (١٤) ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (^٢) (٦ نوفمبر (١٠٠٩) م) وحاول المهدي أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، فأخرج هشامًا المؤيد وأبرزه للناس، لكن ذلك لم يغن عنه شيئًا إذ أن سليمان بن الحكم قد دخل قرطبة وبويع في المسجد الجامع بالخلافة وذلك في يوم الثلاثاء (١٧) من ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٩ نوفمبر (١٠٠٩) م (^٣» وتلقب بـ" الظافر بحول الله مضافًا إلى المستعين بالله" (^٤).
_________________
(١) - اختلفت المصادر في تقدير عدد القتلى، فالمراكشي يذكر أن العدد أكثر من عشرين ألفًا، بينما يرى ابن عذارى أنهم نحو عشرة آلاف في حين أن ابن الخطيب ذكر أن العدد أكثر من ثلاثين ألفًا، انظر: على التوالي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ٨٨. البيان المغرب ٣/ ٩٠، أعمال الأعلام ٢/ ١١٣.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٨٩، هذه المعركة تعتبر حاسمة في تاريخ المسلمين في الأندلس، وذلك لأنها قضت على خلافة المهدي وأكدت انقسام المسلمين هناك إلى طائفتين متضادتتين، البربر في ناحية والأندلسيين في ناحية أخرى ولذلك فهي تعتبر البداية الحقيقية لفترة دول الطوائف في الأندلس. انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٦ حاشية رقم ٢.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٩١، أعمال الأعلام ٢/ ١١٤، وقد ذكر الحميدي أن البيعة تمت في شهر ربيع الآخر، في حين جعلها ابن بسام وكذلك ابن الأبار في النصف من شهر ربيع الأول، انظر: جذوة المقتبس، ص ١٩. الذخيرة ق ١ م ١ ص ٣٦. الحلة السيراء ٢/ ٧.
(٤) - جذوة المقتبس ص ١٩. الحلة السيراء ٢/ ٧. وقد ألقى ابن دراج قصيدة مدح فيها المستعين وهنأه بالخلافة، مطلعها: هنيئأً لهذا الدهر روحٌ وريحانُ … وللدين والدنيا أمان وإيمانُ انظر: ديوان ابن دارج، القصيدة رقم ٢٦.
[ ٩٥ ]
هرب المهدي من قرطبة والتجأ إلى طليطلة، فوصلها في أول جمادى الأولى سنة (٤٠٠) هـ (^١) (٢١ ديسمبر (١٠٠٩) م) فقام واليها الفتى واضح بمناصرته، واتفق مع قومس برشلونة (^٢) ريموند بوريل Ramon borrell (^٣) وأخيه أرمنجول Armengol (^٤) على مناصرة المهدي لقاء أن يتنازل للنصارى عن مدينة سالم، وأن يلتزم لكل رجل منهم دينارين في كل يوم وما يقوم به من الطعام والشراب وغير ذلك، وعلى أن لهم كل ما حازوه من عسكر البربر من السلاح والدواب والأموال، وأن نساء
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٩٣. أعمال الأعلام ٢/ ١١٤.
(٢) - برشلونة Barcelona مدينة بحرية مهمة على البحر المتوسط، وهي قاعدة بلاد كتلونية، يحدها من الشمال الشرقي مقاطعة جيرندة أو جيرونده، ومن الغرب مقاطعة لارده، ومن الجنوب مقاطعة طركونة، وفي العصر الحالي تعد برشلونة أعظم بلدة تجارية وصناعية في شبه الجزيرة الأيبرية، وهي عبارة عن ثلاث مدن: برشلونة القديمة وبرشلونة المحدثة في العصور الوسطى وبرشلونة الحديثة وهي التي أحدثت في هذا العصر. انظر: جغرافية الأندلس وأوربا ص ٩٦، ابن سعيد، كتاب الجغرابيا، (تحقيق: إسماعيل العربي، بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، ط الأولى ١٩٧٠ م) ص ١٨١. الروض المعطار ص ٨٦ - ٨٧. الحلل السندسية ٢/ ٢٧٢ - ٢٨٠.
(٣) - هو حاكم إمارة قطلونية - التي عاصمتها برشلونة- بين سنتي ٣٨٢ - ٤٠٩ هـ.
(٤) - تسميه بعض المصادر العربية باسم أرمقند. انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ٣٦، البيان المغرب ٣/ ٩٥. أو باسم أرمنقد. انظر: أعمال الأعلام ٢/ ٧٥.
[ ٩٦ ]
البربر ودماءهم وأموالهم حلال لهم لا يحول أحد بينهم وبينها إلى غير ذلك من الشروط التي التزم بها واضح (^١).
وأقبلت جموع المهدي وواضح ومعهما النصارى، والتقت بجموع البربر التي يقودها المستعين، وذلك في موضع يعرف بدار البقر (^٢)، وكادت الهزيمة تحل بالمهدي ومن معه، إذ أن البربر قتلوا الملك النصراني أرمنجول وعددًا كبيرًا من جيشه إلا أن المستعين لم يصمد ففر بمن معه إلى شاطبه (^٣)، عند ذلك اضطر البربر إلى الانسحاب من المعركة، ثم عرجوا على مدينة الزهراء فأخذوا أولادهم وأمتعتهم ثم انصرفوا إلى الجنوب
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٩٤.
(٢) - دار البقر Elvacar أو عقبة البقر، حصن يقع على بعد عشرين أو خمس وعشرين كيلو متر شمال قرطبة إلى الجنوب الغربي قليلًا من Ovejo انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٥٨٨ ومصادره. الحلة السيراء ٢/ ٧ حاشية رقم ١.
(٣) - شاطبة Jativa مدينة كبيرة قديمة، تقع في شرق الأندلس على بعد ٥٦ كم جنوب غرب بلنسية، وهي داخلية لا تطل على ساحل، اشتهرت بصنع الكاغد ومنها يحمل إلى سائر أقطار الأندلس، وهي موطن قبيلة نفزة البربرية، ولا يزال إلى العصر الحالي يوجد موقع في منطقة شاطبة يعرف باسم Nifzies نسبة لتلك القبيلة، وقد خرجت شاطبة من أيدي المسلمين سنة ٦٤٤ هـ، انظر: نصوص عن الأندلس ص ١٨ - ١٩. معجم البلدان ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠. الروض المعطار ص ٣٣٧. والدراسة الوافية للدكتورة سحر عبد العزيز سالم. شاطبة الحصن الأمامي لشرق الأندلس (الإسكندرية مؤسسة شباب الجامعة ١٩٩٥ م)، ص ١ - ٢٣٣ والمصادر والمراجع الواردة.
[ ٩٧ ]
الأندلسي (^١)، متجهين إلى الجزيرة الخضراء (^٢)، وذلك في يوم الجمعة (١٦) شوال سنة (٤٠٠) هـ (٢ يونيو ١٠١٠) فاغتنم عوام قرطبة الفرصة، فنهبوا ما وجدوا في مدينة الزهراء، ودخل المهدي قرطبة وأخذ البيعة لنفسه وبذلك بدأت دولته الثانية (^٣).
ولم يهدأ المهدي في قرطبة بل إنه سارع إلى ترتيب قواته ومن معه من النصارى، فسار الجميع بأثر البربر للقضاء عليهم، فالتقى الجمعان في وادي آره (^٤)، فقاتل البربر قتال المستميت. إذ أن هذه هي الفرصة الأخيرة
_________________
(١) - إن اتجاه البربر إلى الجنوب الأندلسي أمر منطقي، فهم بذلك أقرب إلى موطنهم الأصلي، ولعلهم في هذه الحالة لا يعدمون وصول مساعدات من تلك المناطق تعينهم على ما هم فيه.
(٢) - الجزيرة الخضراء كورة تشمل عدة مدن، قاعدتها مدينة الجزيرة الخضراء، وتقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية في مواجهة سبته وبجوارها جبل طارق، وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٧٤٣ هـ ثم استردها محمد الخامس الغني بالله سلطان غرناطة سنة ٧٧١ هـ إلا أنه دمرها تدميرًا كاملًا لئلا يستفيد منها النصارى أو بني مرين في المغرب، وهي اليوم مركز إداري في مديرية قادس ويكتب اسمها Al Geciras. انظر: نصوص عن الأندلس ص ١٢٠، الحلة السيراء ٢/ ١٩٩ حاشية رقم ٣. الروض المعطار ص ٢٢٣ - ٢٢٤، الحلل السندسية ١/ ٨١ وما بعدها.
(٣) - انظر البيان المغرب ٣/ ٩٤ - ٩٥.
(٤) - يعرف بوادي السقائين. انظر: أعمال الأعلام ٢/ ١١٥، د. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس، من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، (لبنان، دار المعارف ط الأولى ١٩٦٢ م) ص ٣٥٤ حاشية رقم ٢.
[ ٩٨ ]
لهم للمحافظة على كيانهم ووجودهم في الأندلس، فهزموا قوات المهدي هزيمة منكرة، واحتوى البربر ما كان في معسكر خصومهم من سلاح ومال ودواب، وذلك في يوم الخميس السابع من ذي القعدة سنة (٤٠٠) هـ (^١) (٢٢ يونيو ١٠١٠) فانصرف المهدي وواضح ومن كتبت له النجاة من قواتهما، إلى قرطبة، حيث ارتكبت فيها تلك الجموع ومن معها من عوام قرطبة والنصارى مالا يخطر ببال (^٢)، وعندما وصلت الأخبار بأن البربر قد أقبلوا يريدون قرطبة، استعد المهدي للحصار، وأصاب أهل قرطبة الجزع الشديد بسبب رحيل النصارى عنهم وإقبال البربر إليهم (^٣).
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ٩٥ - ٩٦. أعمال الأعلام ٢/ ١١٥.
(٢) - الحق أن المسلم لا يستطيع أن يحتمل تصور ما حل بالمسلمين بقرطبة، فقد أذاقهم الله تعالى بأس بعضهم البعض، وسلطهم على أنفسهم، فقد قام المهدي ومن معه بقتل كل بربري أو متشبه بهم أو حتى من كان متهمًا بأنه بربري، قتلوا الرجال وذبحوا الأطفال وشقوا بطون الحوامل وسبوا الجميلات من النساء، وأصبح من حق أي نصراني أن يختار ما يشاء من بنات المسلمين ليأخذها على أنها بربرية، كما أصبح من حقه أن يقف وسط السوق وينال من نبينا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بما شاء، وهو آمن العقوبة، ومن دبت فيه الغيرة واعترض على ذلك، انتهره من حضر من المسلمين ونصحوه بالاشتغال بمصالحه، انظر البيان المغرب ٣/ ٩٧ - ٩٨.
(٣) - لقد بلغ من جزع أهل قرطبة بسبب رحيل النصارى عنهم وخوفهم من البربر أن كان بعضهم يلقي بعضًا فيعزيه كما يعزي من فقد أهله وماله. البيان المغرب ٣/ ٩٩.
[ ٩٩ ]
ورغم كل هذه البلايا والشدائد التي عاشها المهدي، إلا أنه كان عديم الالتجاء إلى الله تعالى، بل أن شره بازدياد، وفساده في يومه أشد من أمسه (^١)، فسلط الله عليه نصيره واضح الصقلبي "الفتى" فدبر الأمر مع بعض العبيد العامريين، فدخلوا عليه فكتفوه، وأخرجوا هشامًا المؤيد من مقره، وأقعدوا المهدي بين يديه، فأخذ يحاسبه ثم أمر بقتله، فقتل، وذلك يوم الأحد الثامن من شهر ذي الحجة (٤٠٠) هـ (٢٤ يوليو ١٠١٠) وبذلك بدأت الدولة الثانية للخليفة هشام المؤيد (^٢)، الذي استمر في الخلافة إلى أن دخل البربر قرطبة بقيادة المستعين بالله يوم الاثنين (٢٧) شوال سنة (٤٠٣) هـ (^٣) (١٠ مايو (١٠١٣) م) فبويع
_________________
(١) - المصدر السابق ٣/ ٩٩.
(٢) - لقد ذبح المهدي ذبحًا تولى ذلك عبد من عبيد الحكم يعرف بالشفق وأعانه بعض عبيد العامريين، وتم نصب جثته أيامًا بدون الرأس ثم دفن في مرحاض. البيان المغرب ٣/ ١٠٠.
(٣) - لم يكن البربر منذ انتصارهم في معركة وادي آره إلى أن دخلوا قرطبة سنة ٤٠٣ هـ بأحسن سيرة من المهدي وواضح وعوام قرطبة، فبسببهم هلك أكثر أهل البوادي جوعًا وهلكت مواشيهم، بل بلغ من قسوة البربر أنهم لم يكتفوا بمصادرة الأموال من أهل مالقة مثلًا، فقد قتلوا الرجال وسبوا النساء، ومن علموا أن لدى أحداهن مالًا قد أخفته عنهم علقوها من ثدييها لاستخراج ما عندها من المال. وغير ذلك كثير. وبالجملة فالبربر والمهدي وواضح وعوام قرطبة في الشر سواء. انظر: المصدر السابق ٣/ ١٠١ - ١٠٢.
[ ١٠٠ ]
بالخلافة (^١) بدلًا من المؤيد الذي اختلفت المصادر بشأنه (^٢).
هذا وقد كانت الأندلس عند مقتل المهدي مقسمة سياسيًا إلى أقسام عدة، فقرطبة ومنطقة الثغور شمال الأندلس كانت تحت سيطرة المهدي، وأما الشرق الأندلسي فقد خضع للصقالبة العامريين، حيث أقاموا هناك ممالك عدة، في حين أن المستعين بالله كان قد بسط
_________________
(١) - نفسه ٣/ ١١٢.
(٢) - انظر: الفصل في الأهواء والملل والنحل ١/ ٥٩، الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٣٧، البيان المغرب ٣/ ١١٣، أعمال الأعلام ٢/ ١٢٠. المغرب في حلى المغرب ١/ ١٩٣ نفح الطيب ١/ ٤٢٩. وانظر ما ورد في نقط العروس ص ٨٣ - ٨٤ من تسمي أحدهم باسم هشام المؤيد بعد هذا التاريخ بعشرين سنة بل إن المعتضد بالله صاحب إشبيلية قطع الخطبة لهشام المؤيد معلنًا موته بزعمه وذلك سنة ٤٥١ هـ. البيان المغرب ٣/ ٢٤٩.
[ ١٠١ ]
نفوذه على الجنوب الشرقي للأندلس بالإضافة إلى مدينتي سبتة (^١) وطنجة (^٢) وبلاد غمارة من أرض العدوة الغربية.
وعندما تولى سليمان المستعين بالله الخلافة، بادر إلى تقسيم أعمال المدن الأندلسية على بعض ذوي النفوذ وبالذات من البربر، فقد وضع
_________________
(١) - سبتة Ceuta مدينة على شاطئ البحر المتوسط في شمال المغرب الأقصى، وهي عبارة عن شبه جزيرة في مضيق جبل طارق، تحيط بها الجبال من جهة الجنوب، وبسبب هذا الوضع الجغرافي نجدها تمتاز بطابع أندلسي في مظهرها وثقافتها، وبعد معركة وادي المخازن واستيلاء اسبانيا على المملكة البرتغالية دخلت سبتة تحت حكم الأسبان منذ سنة ٩٨٨ هـ، انظر صورة الأرض ص ٧٩ - ٨٠، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص ١٠٢ - ١٠٤، الروض المعطار ص ٣٠٣ - ٣٠٤، أخبار البربر ص ٥٨، محمد بن تاويت، تاريخ سبته، (الدار البيضاء، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ١٤٠٢ هـ/١٩٨٢ م) ص ١٧ وما بعدها.
(٢) - طنجة Tanger مدينة قديمة بالمغرب الأقصى وتقع عند الطرف المغربي، بمضيق جبل طارق بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، ولا يفصلها عن الشاطئ الأسباني سوى ١٨ كم خضعت طنجة للأدارسة بفاس ثم للأمويين بالأندلس ثم سيطر عليها حكام برغواطه إلى أن استنقذها منهم أمير المسلمين يوسف بن ناشفين، وهي الآن المصيف الرسمي للملكية المغربية، انظر ابن الخطيب، أعمال الأعلام القسم الثالث (تحقيق وتعليق د. أحمد العبادي وإبراهيم الكتاني الدار البيضاء، دار الكتاب ١٩٦٤). ص ٢٠٣ حاشية رقم ١.
[ ١٠٢ ]
المناصب بأيديهم، وقسم المناطق الخاضعة لسيطرته على قبائلهم (^١)، كما جعل علي بن حمود (^٢) واليًا على سبته، وأخاه القاسم (^٣) على طنجة
_________________
(١) - كان عدد قبائل البربر ستة، فالمستعين أعطى صنهاجة إلبيرة، كما أعطى مغراوة الجوف، بينما منح بني برزال وبني يفرن جيان وذواتها، وأعطى بني دمر وأزداجه شذونة ومورور. وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال، فولوا المدن العظيمة وتقلدوا الأعمال الواسعة، فهذا باديس بن حبوس في غرناطة، محمد بن عبد الله البرزالي في قرمونة. والفرني في رنده، وخزومة في شريش وابن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس، وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسبة، وابن هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر. وعن هذا الوضع قال أحدهم يهجو المستعين: لا رحم الله سليمانكم … فإنه ضد سليمان ذاك به غلت شياطينها … وحل هذا كل شيطان فباسمه ساحت بأرضنا … لهلك سكان وأوطان انظر: البيان المغرب ٣/ ١١٣، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٥١، نفح الطيب ١/ ٤٢٩.
(٢) - هو أبو الحسن علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس الثاني بن إدريس الأول بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، أمه البيضاء بنت عم أبيه كان أسمر أعين نحيف الجسم طويل القامة حاد الذهن عازمًا حازمًا، شرس الأخلاق عدل في أحكامه ورعيته، محمود المذهب: انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٥ البيان المغرب ٣/ ١١٩ - ١٢٠، ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٦.
(٣) - هو أبو محمد القاسم بن حمود، شقيق علي بن حمود، كان أسمر اللون أعين، أكحل، خفيف العارضين، حسن السمت، وهو أسن من أخيه علي بعشرة أعوام، وكان يذكر عنه أنه يتشيع إلا أنه لم يظهر ذلك ولا غير للناس عادة ولا مذهبًا، توفي خنقًا في سجن ابن أخيه إدريس بن علي سنة ٤٣٦ هـ وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم في الجزيرة فدفنه فيها. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٥٠، جذوة المقتبس ص ٢٢ - ٢٤، المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٠، البيان المغرب ٣/ ١٢٤ - ١٢٥، ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٧.
[ ١٠٣ ]
وأصيلا (^١)، وفي هذا يقول ابن عذاري: "إن سليمان هذا أول دولة البرابر بقرطبة" (^٢).
وإذا نظرنا إلى تصرف المستعين في تقسيمه البلاد على البربر، ربما نجده مضطرًا إلى هذا الفعل، فلعله بدأ يشعر بثقل وطأتهم عليه، إذ أنهم يعتبرون أنفسهم هم أصحاب الدولة، فهم الذين أوصلوه إلى ما هو فيه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يدرك تمامًا عدم الوفاق بين البربر وأهل قرطبة، ولأجل هذا سعى إلى إبعاد الطرفين عن بعضهما البعض، فوزع تلك الأراضي على قبائل البربر.
وأما تولية المستعين لعلي والقاسم الحموديين لكل من سبته وطجنة وأصيلًا فهو عمل رديء من الناحية السياسية، إذ أنه بذلك وضع مفاتيح
_________________
(١) - أصيلا Arzila وتكتب أصيله وأزيلي، ومعناها بالبربرية المكان الجميل، وهي مدينة قديمة أسست على عهد الفينيقيين وتقع على ساحل المحيط الأطلسي بين طنجة والعرائش، وقد اتخذها الأدارسة مركزًا لدولتهم في شمال المغرب إلى جانب حجر النسر، وقد وقعت أصيلا تحت الاستعمار البرتغالي سنة ٨٧٦ هـ ومن ثم الأسباني سنة ١٠٠٠ هـ. انظر: المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ص ١١١ - ١١٢، معجم البلدان ١/ ٢١١، أعمال الأعلام ٣/ ٢٠٤ حاشية رقم ١.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ١١٤.
[ ١٠٤ ]
الأندلس من جهة الجنوب بيد أسرة غير موالية له، لأجل ذلك نجد القائد عبد الله البرزالي (^١) يناقش المستعين في هذه التولية ويبين له خطرها، لكن الأخير تجاهل الأمر (^٢).
وقد صدقت تحذيرات البرزالي، فقد أعلن علي بن حمود الثورة بعد أن اتفق مع خيران العامري (^٣)، الذي لم يكن راضيًا عن خلافة المستعين،
_________________
(١) - ينتسب عبد الله بن إسحاق البرزالي إلى قبيلة زناته البربرية، ومنازل بني برزال بالمغرب في منطقة الزاب الأسفل حول مدينة المسيلة، وهم من الخوارج الإباضية، وقد دخلوا الأندلس في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وخدموا في دولته ودولة المنصور بن أبي عامر الذي ولى إسحاق البرزالي ولاية قرمونة، فما زال في الولاية حتى توفي سنة ٤٠٤ هـ فخلفه عليها ولده عبد الله واستمر عليها إلى أن توفي سنة ٤١٤ هـ، وقد تعاقب أولاده وأحفاده عليها إلى أن سقطت دولتهم سنة ٤٥٩ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٤٩٨. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٩٢ - ١٩٣، أعمال الأعلام ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨، مفاخر البربر، ص ٢٩، ٤٤، ٧٢.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ١١٤.
(٣) - هو أحد الفتيان العامريين المخلصين للبيت العامري، فر من قرطبة عندما استولى عليها المستعين في دولته الأولى، ثم عاد إليها في عهد المهدي، وكان له دور في قتله وإعادة المؤيد للخلافة، فلما استولى المستعين على قرطبة ثانية هرب خيران إلى شرق الأندلس، واستقر في قلعة أوريولة من كورة تدمير سنة ٤٠٤ هـ، ثم استولى على مرسية وبعدها المرية سنة ٤٠٥ هـ وظل بها حتى توفي سنة ٤١٩ هـ. انظر: دول الطوائف منذ قامها حتى الفتح المرابطي ص ١٥٦ - ١٦٠. د. عبد العزيز سالم، تاريخ مدينة المرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس، (الاسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ط ١٩٨٤ م). ص ٥٨ - ٦٢ ومصادره.
[ ١٠٥ ]
فقد كان خيران العامري يأمل بحياة المؤيد، بل إنه كان يخطب له على منابر المرية (^١)، ولذا عندما أحس برغبة ابن حمود في القيام ضد المستعين، بادر بالموافقة وبالذات بعد أن أخبره ابن حمود أن كتابًا كان قد وصله من المؤيد يسند إليه فيه ولاية العهد ويفوضه بأخذ ثأره من المستعين (^٢)، فدعا له خيران بولاية العهد، ووافقه على ذلك جماعة منهم صاحب مالقة (^٣)
_________________
(١) - المرية Almeria مدينة على ساحل البحر المتوسط جنوب شرقي أسبانيا، بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة ٣٤٤ هـ في مقاطعة بجانة، وأصبحت المرية القاعدة الكبرى للأسطول الأندلسي، بالإضافة إلى مركزها التجاري والسياسي والثقافي، كانت قاعدة لمملكة العبيد العامريين، ثم عاصمة لبني صمادح التجيبين، وقد استولى عليها النصارى نهائيًا سنة ٨٩٤ هـ. انظر: المرجع السابق ص ١٣ - ١٨٥.
(٢) - انظر: الذخيرة: ق ١ م ١ ص ٣٧ - ٣٨، ٤٣. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٨. بغية الملتمس ص ٢٢ البيان المغرب ٣/ ١١٤. نفح الطيب ١/ ٤٨٢. ومهما يكن من أمر فالكتاب فيه شك حول حقيقته، وابن حمود دعاه ليتخذ منه سندًا شرعيًا يوصله لمراده. البيان المغرب ٣/ ١١٦. ولولا أن لخيران العامري هوىً في محاربة المستعين وتنحيته من الخلافة لما اقتنع بكلام ابن حمود.
(٣) - مالقة Malaca مدينة من أعمال رية على شاطئ البحر المتوسط بين الجزيرة الخضراء والمرية، وصفت بالحسن والاتساع ووفرة الخيرات، اشتهرت بالتين واللوز ولها ربضان كبيران وشرب أهلها من الأبار أسسها الفينيقيون وأعطوها اسم "مالكو Malako" أي المملح نسبة إلى مستودعات الأسماك المملحة التي كانت تجفف وتحفظ فيها، اشتهرت سياسيًا، فقد كانت عاصمة للحموديين زمن الطوائف، والعاصمة الثانية بعد غرناطة أيام ملوك بني الأحمر، وقد سقطت مالقة في يد النصارى في أواخر شعبان سنة ٨٩٢ هـ بعد حصار دام ثلاثة أشهر. انظر: الإدريسي، نزهة المشتاق اختراق الآفاق، (القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية "مصورة على طبعة: نابولي -روما) ص ٥٦٥ أبي سعيد، كتاب الجغرافيا ص ١٤٠. معجم البلدان ٥/ ٤٣. أعمال الأعلام ٣/ ٢٤١ حاشية رقم ٣.
[ ١٠٦ ]
عامر بن فتوح الفائقي (^١) الذي بادر إلى تسليم مالقة لابن حمود سنة (٤٠٥) هـ (^٢) (١٠١٤) واجتمع خيران ومن وافقه بالمنكب (^٣) سنة (٤٠٦) هـ (١٠١٥) وبايعوا عليًا بن حمود على طاعة المؤيد (^٤)، وعندما
_________________
(١) - هو مولى فائق مولى الخليفة الحكم المستنصر بالله.
(٢) - جذوة المقتبس. ص ٢٠، بغية الملتمس. ص ٢٢، المعجب في تلخيص أخبار المغرب. ص ٩١. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٨. قارن البيان المغرب ٣/ ١١٦.
(٣) - المنكب، اسم عربي بمعنى الحصن المرتفع، ويسمى اليوم Almunecar وهو مرفأ ساحلي مرتفع في جنوب شرق الأندلس بمقاطعة غرناطة، على بعد ٢٣ كيلو متر غربي مطريل، وقد سقط المنكب بأيدي النصارى في شهر المحرم سنة ٨٩٥ هـ. انظر: الروض المعطار ص ٥٤٨ - ٥٤٩. ابن الخطيب، مجموعة من رسائله، (نشرت تحت عنوان "مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس "بعناية د. أحمد مختار العبادي، الاسكندرية ١٩٥٨ م). ص ٧٩ - ٨٠ والحاشية رقم ٢. محمد عبد الله عنان، الآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا، دراسة تاريخية أثرية (القاهرة، مؤسسة الخانجي، ١٣٨١ هـ/١٩٦١ م) ص ٢٥٨ - ٢٦١.
(٤) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٨.
[ ١٠٧ ]
بلغوا غرناطة (^١) وافقهم أميرها، وساروا جميعًا إلى قرطبة فالتقوا بقوات المستعين فهزموها وأسروه (^٢)، ودخل علي بن حمود قرطبة في يوم الأحد (٢٢) محرم سنة (٤٠٧) هـ (^٣) (يوليو ١٠١٦) وقتل صبرًا سليمان المستعين وأخيه ووالدهما، واستخرج جثة المؤيد، وجهزه وصلى عليه ودفنه بجوار والده (^٤)، وبذلك انتهت دولة سليمان بن الحكم بعد ست سنين وعشرة
_________________
(١) - غرناطة Granada ويقال إغرناطة تقع في الركن الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة الأيبرية، كانت عند الفتح الإسلامي محلة صغيرة، وكانت إلبيرة المجاورة لها هي المدينة الكبيرة في المنطقة، حتى أن الكورة سميت باسمها، وفي مطلع القرن الخامس الهجري شهدت غرناطة توسعًا كبيرًا وأصبحت مركزًا للكورة وذلك لأن بني زيري اتخذوها حاضرة لهم، ونظرًا لمنعة موقع غرناطة، فقد ازدادت أهميتها بصورة كبيرة خاصة بعد سقوط الأمصار الأندلسية الكبرى، حيث غدت حاضرة ملوك بني الأحمر. وقد عرفت غرناطة باسم دمشق الأندلس لشدة التشابه بينهما، كما أنها موطن جند دمشق، ويقال لها غرناطة اليهود لكثرتهم فيها وقد ظلت غرناطة بيد المسلمين إلى أن سقطت بيد النصارى سنة ٨٩٨ هـ. انظر: وصف الأندلس، ص ٦٧، الروض المعطار ص ٤٥ - ٤٦، الإحاطة ١/ ٩١، ٩٣، ابن الخطيب، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، بعناية: محب الدين الخطيب، (القاهرة، المكتبة السلفية، ١٣٤٧ هـ) ص ١٢ - ٢٩.
(٢) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٩٧.
(٣) - المصدر السابق، ق ١ م ١ ص ٤٢. المعجب ص ٩١. البيان المغرب ٣/ ١١٧.
(٤) - يبدو أن علي بن حمود كان على عجلة من أمره من أجل إتمام مبايعته بالخلافة، ولذا نراه يبادر إلى قتل سليمان المستعين بالله وأخيه ووالدهما، رغم إصرار سليمان ووالده على أن المؤيد لا يزال حيا، ولأن ابن حمود يدرك تمامًا أن ظهور المؤيد يجعل كل ما قام به يذهب سدى، لأجل ذلك بادر إلى فعلته قبل أن يدخل الشك قلوب من كانوا معه، وبالذات خيران الذي كان يطمع في حياة المؤيد، وعن كيفية التأكد من وفاته لدينا رواية ابن الأثير وهي أوسع الروايات في هذه المسألة، فقد ذكر أن خيران وغيره دخلوا إلى القصر طمعًا في أن يجدوا المؤيد حيًا، فلم يجدوه، ورأوا شخصًا مدفونًا، فنبشوه وجمعوا له الناس وأحضروا بعض فتيانه الذين رباهم وعرضوه عليه، ففتشه، وفتش أسنانه، لأنه كانت له سن سوداء فأخبروا خيران أنه المؤيد، وكان يعلم ذلك الفتى أن المؤيد حي". الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩. ولعل شهادة هذا الفتى ومن معه بالإضافة إلى مسارعة ابن حمود بقتل سليمان وأخيه ووالدهما، دليل كاف على ادعائه للوصية، وأن الأمر بالنسبة له لا يعدو مطامع شخصية عمل من أجل تحقيقها مع تلافي الخطأ الذي وقع فيه شنجول من قبل.
[ ١٠٨ ]
أشهر (^١)، وهذه المدة وصفها ابن حيان بقوله: "وكانت كلها شدادًا نكدات، صعابًا مشؤمات، كريهة المبتدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فُقد محذور … دولة كفاها ذمًا أن أنشأها شانجة، فقشعها أرمقند، وثبتتها الجلالقة، ومزقتها الإفرنجة، ودبرها فاجر شقي، ووزر لها خب دني، فتمخضت عن
_________________
(١) - كان لسليمان المستعين بالله ولد اسمه محمد ولاه عهده، وصف بأنه كان نظير والده بالإهمال والإفساد في البلاد، وبعد مقتل المستعين فر ولده محمد ولجأ إلى منذر بن يحيى التجيبي لكنه غدر به وقتله صبرا. انظر جمهرة أنساب العرب ص ١٠٢.
[ ١٠٩ ]
الفاقرة الكبرى، وآلت بمن أتى بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى، مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها، وأهلك أهلها" (^١).
ولأول مرة في الأندلس تخرج الخلافة عن الأمويين، وذلك عندما بويع علي ابن حمود بالخلافة عند باب السدة، واتخذ لقب: "الناصر لدين الله" (^٢).
وما أن استراح الخليفة ابن حمود في القصر، حتى تصدع التحالف الذي كان قد أقامه، فالعبيد الصقالبة والعامريون أصحاب الممالك المتناثرة في شرق الأندلس، رفضوا الاعتراف بخلافته رغم مكاتبته لهم، وإغرائه إياهم بالوعود الجميلة (^٣)، إذ أنه لا ينتمي للأسرة الأموية وعليه فلا حق له بالخلافة من وجهة نظرهم.
ومما دفعهم أيضًا إلى رفض ابن حمود، موقف خيران العامري منه، فقد حرضهم عليه، بل دعاهم للقيام ضده، والسبب في ذلك يعود إلى اليوم الأول الذي دخل فيه خيران قصر الخلافة، ولم يجد المؤيد حيا، فقد
_________________
(١) - الذخيرةق ١ م ١ ص ٤١ - ٤٢.
(٢) - انظر جذوة المقتبس، ص ٢٢. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ٩٨. البيان المغرب ٣/ ١٢٢ أعمال الأعلام ٢/ ١٢٨، نفح الطيب ١/ ٤٣١. وذكرت بعض المصادر أن ابن حمود تلقب بـ"المتوكل على الله" نفقط العروس: ص ٨٠. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩.
(٣) - انظر: الذخيرة، ق ١ م ١. ص ١١٧ - ١١٩.
[ ١١٠ ]
مع ابن حمود، وأنه في خطر منه (^١)، ولذا انسل من قرطبة وذهب إلى دار ملكه في المرية، وهناك بحث عن أموي يسير خلفه ليحقق من ورائه أطماعه، ويرضى نفسه الطموحة، وفي الوقت نفسه يضمن عدم بقاء ابن حمود في الخلافة، إذ لا بقاء له في الحكم مع قيام أموي يطالب بإرثه.
وفي سنة (٤٠٧) هـ (١٠١٧) (^٢) عثر خيران على رجل أموي يدعى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الرحمن الناصر (^٣) وكان أصلح من بقي من بني أمية (^٤)، فبايعه خيران ومن معه بالخلافة كما بايعه أصحاب دول الطوائف ولقبوه بالمرتضى (^٥)، إذ أن هدفهم متفق مع هدف
_________________
(١) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩. البيان المغرب ٣/ ١٢١ - ١٢٢.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ١٢١.
(٣) - كان عبد الرحمن هذا رجلًا صالحًا مائلًا إلى الفقه، لم يلبس في ولايته خزًا إلى أن قتل، ترك ولدًا واحدًا، انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠١.
(٤) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩.
(٥) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠١. الذخيرة ق ١ م ١ ص ٩٩. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل قيام خيران وصاحبه المرتضى، كان مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر قد قدم للخلافة الفقيه المشاور عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، أحد أبناء الأسرة الأموية، وبايعه على ذلك في جمادى الآخرة سنة ٤٠٥ هـ، وسماه بـ "أمير المؤمنين المنتصر بالله" لكن الوفاق لم يدم بين الطرفين، مما حدا بمجاهد أن يطرد المعيطي إلى بجاية في العدوة المغربية. فقضى بقية عمره هناك معلمًا لصبيان البربر حتى توفي خاملًا سنة ٤٣٢ هـ. انظر: القاضي عياض، ترتيب المدارك، الجزء الثامن، (تحقيق: سعيد أعراب، المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م). ص ٢٦ - ٢٨. ابن بشكوال. كتاب الصلة، (بعناية عزت العطار الحسيني. القاهرة. مكتب نشر الثقافة الإسلامية، ١٣٧٤ هـ/١٩٥٥ م). ترجمة رقم ٥٩٢. البيان المغرب ٣/ ١١٦. أعمال الأعلام ٢/ ٢٢٠. دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص ١٨٥ - ١٩٠. مجاهد العامري. ص ١٤٩ - ١٥٥.
[ ١١١ ]
خاب أمله، إذ كان يطمع باستعادة مكانته في ظل الخليفة الضعيف، كما أدرك أن لا مجال له خيران. ثم اجتمعوا في مكان يعرف بالرياحين، وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) ومعهم الفقهاء والعلماء، وبايعوا المرتضى على أن تكون الخلافة شورى وليست وراثة (^١).
وما أن علم الخليفة علي بن حمود بهذا التجمع، وأن أهل قرطبة يتطلعون للمرتضى حتى غير ابن حمود سياسته تجاههم، فبدل اللين شدة، وأذاقهم الذل وأراهم القهر بالظلم والطغيان، وألزمهم مغارم عسيرة، فضاقوا به، وابتهلوا إلى الله بالدعاء عليه، فسلط الله تعالى عليه ثلاثة
_________________
(١) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩ - ١٠٠، وبهذه المناسبة ألقى ابن دراج قصيدة مدح فيها المرتضى، مطلعها: جهادك حكم الله من ذا يرده … وعزمك أمر الله من ذا يصده انظر: ديوان ابن دراج القصيدة رقم ٣٢. الذخيرة ق ١ م ١ ص ٨٢.
[ ١١٢ ]
من صقالبة القصر (^١)، فقتلوه وهو في الحمام، وذلك ليلة السبت أول ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (^٢) (٢١ مارس ١٠١٨).
وقد شجع الموت المفاجئ لابن حمود الخليفة الأموي المرتضى على المسير إلى قرطبة إلا أنه عرَّج على غرناطة، فدعى زاوي بن زيري إلى الدخول في طاعته (^٣)، فرفض طلبه (^٤)، فنشبت معركة حامية بين المرتضى وقواته وبين زيري والصنهاجيين، إلا أن خيران والعبيد العامريين خانوا المرتضى، فتخلوا عنه في المعركة، وتركوه وحيدا، فغادر أرض المعركة،
_________________
(١) - تواطأ على قتل ابن حمود ثلاثة وصفاء، أحدهم يدعى "منجح" كان حسن الوجه، خفيفًا على قلب ابن حمود والآخران هما "لبيب وعجيب" ضربوه بخناجرهم وسدوا عليه باب الحمام. أنظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ١٠١.
(٢) - المصدر السابق: ص ٩٧ - ١٠١. وقد ذكر ابن حبان أن أهل قرطبة عندما علموا بمقتل ابن حمود فرِّج عنهم همٌّ عظيم وابتهلوا إلى الله تعالى بشكرهم.
(٣) - لم تكن خطة المرتضى مبنية على الاصطدام بزاوي بن زيري، فقد كان يريد المسير إلى قرطبة للقضاء على القاسم بن حمود الذي تولى الخلافة مكان أخيه. لكن خيران ومن معه عندما لمسوا لدى المرتضى قوة شخصية وأنه متى وصل إلى قرطبة لن ينالوا ما يؤملوه، عندها أضمروا الغدر والخيانة بالمرتضى، فزينوا له دعوة زيري للدخول في طاعته. انظر: الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٥٥.
(٤) - انظر المراسلات التي تمت بين المرتضى وزاوي لدى: ابن حيان في الذخيرة: ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٥٤.
[ ١١٣ ]
فتمت مطاردته حيث قتل بقرب وادي آش (^١) وذلك سنة (٤٠٩) هـ (^٢) (١٠١٩ م).
وقد أرسل زاوي بن زيري إلى القاسم بن حمود بخبر نتيجة المعركة، كما أرسل له نصيبه من الغنائم، ومن بينها سرادق المرتضى نفسه فضربه القاسم على شاطئ نهر قرطبة، مما أثار حزن أهلها على خليفة أموي طال انتظارهم له (^٣).
وهكذا أدى الصقالبة الذين يفترض أنهم الحريصون والأمناء على الخلافة الأموية، خدمة كبرى للحموديين، إذ أنهم بنتيجة هذه المعركة قد ساعدوهم من حيث لا يشعرون على تثبيت حكمهم في قرطبة، وفي الوقت نفسه قضوا على أي أمل في إعادة الدولة الأموية إلى سابق عهدها، كما أنهم حكموا بالتفوق للبربر على الجماعة الأندلسية الذين لم يعد
_________________
(١) - وادي آش أو وادي إيش. إسمها القديم " Acci" هي اليوم مدينة تعرف باسم Guadix تقع على نهر فردس على مسافة "٥٣" كيلو متر شمال شرق غرناطة، اشتهرت بوفرة المياه والمزروعات. انظر: الروض المعطار ص ٦٠٤ - ٦٠٥. ابن الخطيب، معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، (تحقيق: د. محمد كمال شبانة. الإمارات - المغرب. د. ت) ص ١١٢. مشاهدات لسان الدين بن الخطيب، ص ٢٨ حاشية رقم ٤.
(٢) - عندما هرب المرتضى من أرض المعركة بعد أن تُرك وحيدًا، أرسل خيران خلفه مجموعة من رجاله تبعوه وقتلوه وجاؤوا برأسه إلى خيران ومنذر. انظر: الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٤ - ٤٥٥. البيان المغرب ٣/ ١٢٦ - ١٢٧.
(٣) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ٤٥٥ - ٤٥٦.
[ ١١٤ ]
بالإمكان إقناعهم بالاجتماع على كلمة واحدة، وفي هذا يقول ابن حيان "فحل بهذه الواقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار" (^١).
كما كانت هذه المعركة سببًا في رحيل الزعيم الصنهاجي الشهير زاوي بن زيري، إذ أدرك أن انتصاره في تلك المعركة انتصار مصطنع، وأن الأندلسيين هم الذين أرادوا انتصاره، وهذا يعني أنه بإمكانهم الوقيعة به متى أرادوا ذلك، ولذا فقد كره المقام بالأندلس وغادرها إلى أفريقية (^٢).
ويمكن القول كذلك، أنه بسبب هذه المعركة اهتزت الثقة بالأمويين بصورة كبيرة، فلم يعد لهم في قلوب الناس مكان، حتى أن خيران زهد في
_________________
(١) - المصدر السابق ص ٤٥٥.
(٢) - نفسه ص ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ١١٥ ]
أخ للمرتضى يدعى هشام (^١)، فطرده من مملكته، فغادر هشام واستقر في حصن البونت (^٢).
وبعد قتل علي بن حمود، عقد الزناتيون اجتماعًا، قرروا خلاله استدعاء القاسم بن حمود من إشبيلية ليتولى الخلافة، لكن القاسم حسب أن في الأمر خدعة، ولذا أرسل أحد ثقاته ليقف على حقيقة الأمر، فلما عاد إليه الرسول بالخبر، قدم إلى قرطبة، وصلى على أخيه، وأرسل جثمانه إلى سبته ليدفن هناك (^٣).
_________________
(١) - هو أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك، أمه أم ولد اسمها عاتب، ولد سنة ٣٦٤ هـ، وهو أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام، كان هشام أبيض أصهب إلى الأدمة، سبط الشعر، أخنس، خفيف العارضين واللحية، حسن الجسم إلى القصر. مات ولا عقب له. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠١، جذوة المقتبس ص ٢٨ - ٢٩. المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٩ - ١١٠. البيان المغرب ٣/ ١٤٥ - ١٤٦. وهشام هذا هو آخر خليفة أموي كما سنعرف.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ١٢٧. إلا أنه كتب: حصن البنت. والتصحيح من البكري: جغرافية الأندلس وأوربا ص ١٢٨، والبونت El puente مدينة تقع شمال غربي بلنسية. انظر: معجم البلدان ١/ ٥١١. المغرب في حلى المغرب ٢/ ٣٩٥. الروض المعطار ص ١١٥.
(٣) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ١٠١. قارن: لويس سيكودي لوثينا: الحموديون سادة مالقة والجزيرة الخضراء، (ترجمة د. عدنان آل طعمه دمشق، دار سعد الدين، ١٩٩٢ م) ص ٢٣.
[ ١١٦ ]
وبويع القاسم بالخلافة يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٢٥ مارس (١٠١٨) م) وتلقب بالمأمون (^١)، كان وادعًا (^٢)، محبًا للعافية (^٣)، أحسن تلقي الناس وأجمل مواعيدهم (^٤)، فأحبه أهل قرطبة وشعروا بالأمان في عهده.
ويبدو أن القاسم أراد أن يتخلص من ثقل وطأة البربر والعرب على حكمه، ولذا اختط لنفسه سياسة جديدة، فقرب إليه السودان وولاهم دولته (^٥)، الأمر الذي أغضب البربر والعرب معًا، مما أحدث هزة في حكمه، فحاول إصلاح الوضع، وقام بمراسلة بعض الزعماء أصحاب المطامع الذي كانوا مع المرتضى (^٦)، لكنهم استثقلوه وازداد وضعه حرجًا بعد أن قام ضده ابن أخيه يحيى بن علي (^٧) مطالبًا بحقه في خلافة والده،
_________________
(١) - جذوة المقتبس، ص ٢٢. البيان المغرب ٣/ ١٢٤.
(٢) - جذوة المقتبس، ص ٢٢، المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ٩٩.
(٣) - المصدر السابق ص ٩٩.
(٤) - البيان المغرب ٣/ ١٣٠.
(٥) - المصدر السابق والصفحة.
(٦) - الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٠ - ١٠١. البيان المغرب ٣/ ١٣٠.
(٧) - هو يحيى بن علي بن حمود، اختلف في كنيته، أمه بنت عم أبيه لبونة بنت محمد بن الحسن بن القاسم ولد سنة ٣٨٤ هـ، صفته أبيض أعين أكحل، كان شجاعًا ذا عزم وحزم وإقدام وكرم، قتل بقرمونة في شهر المحرم سنة ٤٢٧ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٥١ جذوة المقتبس ص ٢٤ - ٢٥ المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٣ - ١٠٤. البيان المغرب ٣/ ١٣١ - ١٤٤. ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
[ ١١٧ ]
وعندما اشتكى القاسم للبربر سوء وضعه، قابلوا شكواه بعدم الاهتمام مفضلين توسيع الخلاف بين الاثنين (^١)، الأمر الذي اضطره أخيرًا إلى مغادرة قرطبة إلى اشبيلية وذلك ليلة السبت (٢٢) ربيع الآخر سنة (٤١٢) هـ (^٢) (٧ أغسطس ١٠٢١) فدخل يحيى بن علي قرطبة بمساعدة خيران وصحبه الذين لاهم لهم إلا مصالحهم الخاصة، دون النظر لثمن تلك المصالح.
وقد بويع يحيى بن علي بالخلافة يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى سنة (٤١٢) هـ (١٣ أغسطس ١٠٢١) وتلقب بالمعتلي بالله (^٣)، في الوقت الذي كان عمه القاسم يدعى له بالخلافة في اشبيلية (^٤)، وعن هذا الوضع يقول ابن حزم "وهذا أمر لم يسمع في الدنيا بأشنع منه ولا بأدل على إدبار الأمور" (^٥).
_________________
(١) - المصدر السابق ٣/ ١٣١.
(٢) - نفس المصدر والصفحة.
(٣) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ٩٩. البيان المغرب ٣/ ١٣١.
(٤) - المصدر السابق ٣/ ١٣٢.
(٥) - نقط العروس ص ٨٠.
[ ١١٨ ]
وفي بداية الأمر اختط يحيى سياسة حببته للجميع سواء أهل قرطبة أو البربر لكنه سرعان ماتركها فنفرت النفوس عنه (^١)، فتم استدعاء عمه القاسم من اشبيلية، ففر يحيى عن قرطبة يوم الثلاثاء (١٨) من شهر ذي القعدة سنة (٤١٣) هـ (١٤ فبراير ١٠٢٣) وهو اليوم الذي دخل فيه القاسم قرطبة (^٢)، وهذه هي دولته الثانية، إلا أن عهده في هذه المرة لم يطل، فقد كرهه القرطبيون بسبب تسلط البربر عليه، فثاروا ضده وطردوه وذلك يوم الثلاثاء (٢١) جمادى الآخرة سنة (٤١٤) هـ (^٣) (٩ سبتمبر ١٠٢٣).
وما أن تخلص القرطبيون من الحموديين، حتى قرروا إعادة الخلافة لبني أمية، فعقدوا اجتماعًا عامًا في جامع قرطبة لانتخاب أحد ثلاثة رشحوا لهذا الأمر، وهم سليمان (^٤) بن المرتضى، ومحمد بن العراقي (^٥)، وعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله (^٦)،
_________________
(١) - انظر البيان المغرب ٣/ ١٣٢.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ١٣٢، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.
(٣) - المعجب. وانظر د. إسماعيل العربي، دولة الأدراسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، (بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط ١٤٠٣ هـ/١٩٨٤ م) ص ٢٤٩ - ٢٥١.
(٤) - هو ابن الخليفة المرتضى الذي غدر به خيران وصحبه وقتل قرب وادي آش.
(٥) - قتله المستكفي بالله خنقًا ونعاه للناس. البيان المغرب ٣/ ١٤٢.
(٦) - هو أبو المطرف عبد الرحمن بن هشام، أخو الخليفة المهدي، أمه أم ولد اسمها غاية، ولد في شهر ذي القعدة سنة ٣٩٢ هـ، وصف بأنه أبيض، أشقر، أعين، أقنى، طويل، نحيف البدن، حسن القد والجسم، كان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس، ذكيًا، لوذعيا، عفيفًا، لم يشرب النبيذ سرًا وعلانية، وكان في وقته نسيج وحده، ختم به فضلاء أهل بيته الناصريين. انظر: جذوة المقتبس ص ٢٥ - ٢٦. الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٨ - ٥٩. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٠٥ - ١٠٦ الحلة السيراء ٢/ ١٢ - ١٧، البيان المغرب ٣/ ١٣٥ - ١٣٩.
[ ١١٩ ]
وكان الترشيح القوي لصالح سليمان بن المرتضى حتى أن كتاب العهد كان مكتوبًا باسمه، إلا أن الجميع فوجئ بالدخول القوي لعبد الرحمن بن هشام، فقد اقتحم المسجد وهو على رأس مجموعة مسلحة، فدخل المقصورة، فتمت مبايعته مباشرة، ولم يتخلف المرشحان الآخران للخلافة عن البيعة، وكشط اسم سليمان من كتاب العهد وكتب بدلًا منه اسم عبد الرحمن، الذي اتخذ لقب المستظهر بالله، وذلك في الرابع من شهر رمضان سنة (٤١٤) هـ (^١) (٢١ نوفمبر ١٠٢٣).
ونظرًا لأن المستظهر بالله كان وصوله للخلافة عن طريق الغصب والمباغتة، وذلك بواسطة رجال الدائرة، الذين هم حرس الخليفة، لذا فقد كانت لهم دالة عليه، يضاف إلى هذا أن المستظهر رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا موالي الأمويين، وهؤلاء لا همَّ لهم إلا مصالحهم، فعملوا على استغلال قربهم من الخليفة، لكنه كان فقيرا، فالمال الذي يقع في يده يسد به رمقه، وما فضل منه يفرقه على من تكنفه من رجال الدائرة.
_________________
(١) - الذخيرة. ق ١ م ١ ص ٤٩ - ٥٠.
[ ١٢٠ ]
ويبدو أن أولئك الوزراء قد زادوا من ضغوطهم على الخليفة المعدم، ولذا فقد زج بجماعة منهم في السجن، وطالبهم بما لديهم من أموال، كما سجن بعض أبناء الأمويين، الأمر الذي أسخط رجال الدائرة، فأثاروا العامة ضده، فاقتحموا عليه قصره وقتلوه بعد أن أمضى بالخلافة سبعة وأربعين يومًا (^١).
وفي اليوم الذي قتل فيه المستظهر بالله تولى الخلافة أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (^٢)، وذلك يوم
_________________
(١) - قام رجال الدائرة بمطاردة الخليفة المستظهر بالله في أرجاء القصر، وسدوا عليه أبواب النجاة، وبعد أن عثروا عليه مختبئًا في مخزن الفحم والخشب الخاص بحمام القصر، قتلوه أمام الخليفة الجديد المستكفي بالله، ولم يكتف أولئك الفسقة بقتل المستظهر، بل إن شرهم طال حريمه، فقد سبوا أكثرهن وحملوهن إلى منازلهم علانية، وجرى عليهن مالم يجر على حرم سلطان في مدة تلك الفتنة. انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ٥٠ - ٥٥، الحلة السيراء ٢/ ١٢ - ١٣، البيان المغرب ٣/ ١٣٦ - ١٣٩. إن في هذا لعبرة فإهمال ذوي الأحلام والنهى ورفع مقام السفلة والأغمار والوثوق بهم لا يأت بخير أبدًا.
(٢) - هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن أمه أم ولد اسمها حوراء، ولد سنة ٣٦٦ هـ، كان ربعة، أشقر، أزرق، أشم، مدور الوجه، واللحية، ضخم الوجه والجسم، كبير البطن، صاحب شهوة بطن وفرج، كان منذ عرف عطلًا منقطعًا إلى البطالة، جاهلًا عاطلًا من كل خلة تدل على فضيلة: يلقب بالخويفية ولقب أيضًا بأبي زكيرة، انظر: جذوة المقتبس، ص ٢٦ - ٢٧، الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٣ - ٤٣٤، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٠٧، البيان المغرب، ٣/ ١٤٠ - ١٤١.
[ ١٢١ ]
السبت الرابع من ذي القعدة سنة (٤١٤) هـ (١٨ يناير ١٠٢٤) ولقب بالمستكفي بالله (^١)، وكان الخليفة الجديد غفلًا عطلًا منقطعًا إلى البطالة، مجبولًا على الجهالة" (^٢) في غاية السخف وركالة العقل وقلة التدبير (^٣)، ولذا فلا عجب أن يسند تدبير أمور دولته لرجل حائك يدعى أحمد بن خالد (^٤).
وقد أجمعت الآراء على أنه لم يكن في خلفاء الفتنة أسقط من المستكفي ولا أنقص منه، فقد كان سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة، مشابهًا للخليفة العباسي المستكفي في كل شيء (^٥)، حتى
_________________
(١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٣ - ٤٣٤، البيان المغرب ٣/ ١٤٠ - ١٤١.
(٢) - الذخيرة. ق ١ م ١ ص ٤٣٤.
(٣) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٧.
(٤) - المصدر السابق والصفحة.
(٥) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٤. الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٣ والخليفة المستكفي العباسي هو أبو القاسم عبد الله بن علي أمه أم ولد يقال لها غصن ولد سنة ٢٩٢ هـ، بويع بالخلافة يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ٣٣٣ هـ، وذلك بواسطة امرأة تدعى حُسن الشيرازية، فصارت قهرمانته وغلبت على أمره كله. وقبض عليه في يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٣٤ هـ، وخلع نفسه من الخلافة. كان أبيض مشربا حمره، أسود الشعر سبطه، خفيف العارضين أكحل العينين، أقنى الأنف. سملت عيناه يوم خلعه وحبس بعد ذلك ولم يزل محبوسًا إلى أن توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ٣٣٨ هـ انظر: المسعودي مروج الذهب. (القاهرة المطبعة البهية ١٣٤٦ هـ)، ٢/ ٥٤٠ - ٥٥٢ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (بيروت دار الكتب العلمية، د. ت) ١٠/ ١٠ - ١١ مجهول، كتاب العيون والحدائق الجزء الرابع، القسم الثاني (تحقيق عمر السعيدي دمشق، المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية ١٩٧٣ م) ص ٤١٥. - الكامل في التاريخ ٧/ ١٨٧ - ١٨٨، ٢٠٣ - ٢٠٧.
[ ١٢٢ ]
"أنهما اتفقا في الأخلاق والعهر واللعب وأن كل واحد منهما عاش اثنين وخمسين سنة، وكل واحد منهما ملك سنه ونحو خمسة أشهر، وكل واحد منهما تركه أبوه صغيرًا، وتوافقا في اللقب وبالجملة فهما رذلي قومهما" (^١).
وقد ضاق الناس بالمستكفي ذرعًا، فأكثروا من الشكوى بشأنه إلى يحيى بن علي بن حمود، المقيم بمالقة، وطلبوا منه الحضور إلىقرطبة (^٢)، فلما تحرك إليها، هرب المستكفي منها في زي غانية بين امرأتين (^٣)، وذلك يوم الثلاثاء (٢٤) ربيع الأول سنة (٤١٦) هـ (^٤) (٢٦ مايو ١٠٢٥) ولحق بالثغر، وكان معه القائد عبد الرحمن بن محمد بن السليم (^٥)، الذي مل المسير معه، فسمه في طعامه، فلما مات غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه في قرية في
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ١٤١.
(٢) - انظر: الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٣.
(٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٧.
(٤) - البيان المغرب ٣/ ١٤١.
(٥) - من ولد سعيد بن المنذر أحد القادة المشهورين في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر.
[ ١٢٣ ]
الثغر تعرف بـ"شمنت" (^١) لتنتهي بذلك حياة المستكفي بعد حكم دام سبعة عشر شهرًا لم تتجاوز خلالها طاعته فرسخًا (^٢).
وقد بقيت قرطبة بعد رحيل المستكفي عنها، بدون خليفة مدة ستة أشهر تقريبًا، حتى حضر إليها يحيى بن علي بن حمود (^٣)، فدخلها يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان سنة (٤١٦) هـ (٩ نوفمبر ١٠٢٥) ومكث بها إلى نهاية السنة، ثم غادرها إلى مالقة يوم الثلاثاء (٨) من شهر محرم سنة (٤١٧) هـ (١ مارس ١٠٢٦) تاركًا فيها وزيره وكاتبه أبا جعفر أحمد بن موسى، فاستغل الفرصة العامريان مجاهد وخيران، وذلك بإيعاز من حبوس بن ماكسن (^٤)، فقدما إلى قرطبة، فهرب عنها وزير المعتلي،
_________________
(١) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) - نقط العروس ص ٧٢.
(٣) - ذكر ابن الأثير أن يحيى بن علي لم يحضر وإنما أرسل بدلًا منه عبد الرحمن بن عطاف اليفرني واليًا عليها. انظر: الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٣.
(٤) - هو ابن أخي الزعيم الصنهاجي زاوي زيري، كان أحد نابي برابرة الأندلس، عرف بالحلم والوقار والهيبة، كان نزر الكلام قليل الضحك كثير الفكر، شديد الغضب، غليظ العقاب، شجاعًا حسن الفروسية، جبارًا متكبرًا داهية واسع الحيلة كامل الرجولة، تولى غرناطة بعد رحيل عمه زاوي عنها ومازال يحكمها حتى توفي سنة ٤٢٨ هـ. انظر: الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٨ - ٤٦١. دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص ١٢٣ - ١٢٥.
[ ١٢٤ ]
فبقي العامريان في قرطبة نحو شهر ثم خشي كل منهما غدر الآخر، فغادراها تباعًا (^١).
وبعد رحيل خيران ومجاهد، أجمع أهل قرطبة، برأي من الوزير جهور بن محمد بن جهور (^٢) على "خلع العلويين لميلهم إلى البربر وإعادة الخلافة في الأندلس إلى بني أمية" (^٣) فبايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو مقيم بحصن البونت، وذلك في يوم الأحد (٢٥)
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ١٤٣ - ١٤٦. أعمال الأعلام ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) - ينتمي جهور لأسرة آل أبي عبدة الشهيرة التي تولى أفرادها المناصب القيادية في الدولة الأموية، وجهور هذا تولى الوزارة في عهد العامريين، ثم اعتزل العمل السياسي وتمكن بحسن أدائه من الاستقلال بقرطبة بعد طرد الأمويين، فحسنت أحوال أهلها، ونعموا بالأمن والرخاء إلى أن توفي ليلة الجمعة السادس من محرم سنة ٤٣٥ هـ. وقد وصف جهور بالحزم والدهاء والوقار والأدب والحلم، متواضعًا صالحًا، طاهر الأثواب، عفيفًا في شبابه وكهولته مواظبًا على صلاة الجماعة، حافظًا لكتاب الله قائمًا به في سره وجهره، يزور المرضى ويشهد الجنائز. إلا أنه كان يعاب عليه البخل الشديد، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ١٠٢، جذوة المقتبس ص ٢٧ - ٢٩، ترجمة رقم ٢٥٨. مطمح الأنفس، ص ١٨٠ - ١٨٦. الذخيرة ق ٢ م ١ ص ٦٠٣ - ٦٠٤. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٦٢٣. الحلة السيراء ٢/ ٣٠ - ٣٤. البيان المغرب ٣/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٣) - الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٦.
[ ١٢٥ ]
ربيع الآخر سنة (٤١٨) هـ (^١) (٥ يونيو ١٠٢٧) فاتخذ لقب "المعتد بالله" (^٢).
وقد كان المعتد بالله في شبابه معروفًا بالشطارة، لكن تاب فرجي صلاحه (^٣)، إلا أن الظن فيه خاب، إذ ما أن وصل قرطبة في يوم الخميس الثامن من شهر ذي الحجة سنة (٤٢٠) هـ (^٤) (١٩ ديسمبر ١٠٢٩) حتى تبدلت أحواله، فقلد تدبير دولته لرجل حائك يدعى حكم بن سعيد ويعرف بالقزاز (^٥)، الذي عندما بحث عن رجال يستعين بهم لمساعدته في تدبير أمور الدولة لم يهتد إلا "إلى نغل دغل وماجن سفيه أو سوقي رذل" (^٦).
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ١٤٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٨. وتجدر الإشارة إلى أن هشام بن محمد بقي في حصن البونت بعد مبايعته في الخلافة مدة سنتين وسبعة أشهر وثمانية أيام وهو يخطب له في قرطبة.
(٢) - جذوة المقتبس ص ٢٨، الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥١٥.
(٣) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥١٥. "والشاطر هو من أعيا أهله خبثا" انظر: الفيروز أبادي، القاموس المحيط (المطبعة المصرية القاهرة ١٣٥٢ هـ) ج ٢ ص ٥٨.
(٤) - جذوة المقتبس ص ٢٨. المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١١٠.
(٥) - هو أحد أبناء الموالي العامريين، حائك مشهور، عرف الخليفة المعتد بالله في قرطبة أيام الصبا، ومن ثم اجتمع به في حصن البونت، الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥١٦. وقد كان هذا الحائك عاهر الخلوة صريع الشهوة، كذاب فاجر. البيان المغرب ٣/ ١٤٩.
(٦) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥١٨ - ٥١٩.
[ ١٢٦ ]
وقد تفرغ الخليفة المعتد بالله لملذاته، فعانى الناس منه ومن وزيره ومن سار في نهجهما الأمرين (^١)، ثم اتفقوا على قتل الوزير، فقتله رجل من هم يعرف بابن الحصار (^٢)، عند الركن الشرقي للجامع (^٣).
وقد حاول أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الرحمن الناصر (^٤) استغلال الموقف لصالحه، ويتولى الخلافة، بدلًا من المعتد بالله، وحرص على ذلك أشد الحرص، حتى أنه عندما قال له أهل قرطبة: إنا نخاف عليك القتل في هذا اليوم لشدة الفوضى، أجابهم قائلا "بايعوني اليوم
_________________
(١) - اشترك مع الحائك في سفالته وخلعه كل من: الفقيه ابن الجيار وكذلك الشاعر أبو عامر بن شهيد، الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥١٩ - ٥٢١.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ١٤٦.
(٣) - الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٤) - أمية بن عبد الرحمن كان فتى شديد التهور والجهالة، قاد المتذمرين من سياسة الخليفة المعتد بالله، حتى تمكنت تلك المجموعة من قتل الوزير الحائك والتمثيل بجثته، وقد اقتحم أمية القصر وجلس في مجلس الخليفة المعتد، ولم يأل أمية جهدًا في سبيل تولي الخلافة، إلا أن جماعة الوزراء رفضوه وطردوه من القصر فهرب من قرطبة، ويبدو أنه حاول العودة إليها مرة أخرى بعد أن تم طرد الأمويين منها، فأخرج إليه شيوخ قرطبة من يقتله قبل دخولها، فقتل بموضع يعرف بقرية راشد، وذلك في شهر جمادى الآخر سنة ٤٢٥ هـ. انظر: الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥٢٥ - ٥٢٩ إلا أنه جعل اسمه أمية بن عبد العزيز بدلًا من عبد الرحمن. البيان المغرب ٣/ ١٤٩ - ١٥٢، ١٨٧. إعمال الأعلام ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ١٢٧ ]
واقتلوني غدًا" (^١) إلا أن الوزراء بقيادة الوزير جهور بن محمد قرروا حرمان أمية من مراده، فقد طردوه من القصر (^٢)، ثم خلعوا الخليفة المعتد بالله يوم الثلاثاء (١٢) من شهر ذي الحجة سنة (٤٢٢) هـ (^٣) (٣٠ نوفمبر ١٠٣١) وأخرجوه إلى صخرة محمود بن الشرف (^٤)، ثم نودي في أسواق قرطبة وأرباضها، بأن لا يبقى من بني أمية أحد، ولا يكنفهم أحد (^٥).
وهكذا أسدل الستار على تاريخ دولة من أعظم دول الإسلام، كانت على ثغر من ثغور الديار الإسلامية، جاهدت عنده بكل قوة، وسطر رجالاتها الأفذاذ بجهادهم أنصع الصفحات وخلفوا حضارة بنيت على أسس متينة.
وعلى كل فإن كانت هذه الدولة المجيدة قد أزيلت لأسباب سوف نتعرض لها في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى، فإن آثارها رغم ذلك، أبت
_________________
(١) - البيان المغرب ٣/ ١٥٠.
(٢) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥٢٩.
(٣) - البيان المغرب: ٣/ ١٤٥، ١٨٥.
(٤) - الذخيرة، ق ٣ م ٢ ص ٥٢٧ - ٥٢٨. وقد بقي هشام المعتد بالله هناك مدة، ثم لحق بابن هود في لاردة فأقام عنده إلى أن مات في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ٤٢٨ هـ. انظر: البيان المغرب ٣/ ١٤٥. نهاية الأرب ٢٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨. وورد في جذوة المقتبس ص ٢٩، وفي المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١١٠، أنه توفي سنة ٤٢٧ هـ.
(٥) - البيان المغرب ٣/ ١٥٢.
[ ١٢٨ ]
إلا أن تقف بكل إباء إلى عصرنا الحاضر رغم كر الدهور، لتعطي الدليل الذي لا يقبل النقاش على عظمتها وسؤددها، والملك لله تعالى يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء.
[ ١٢٩ ]