مرت الحجابة في ذلك الوقت بفترات اتضحت خلالها قوتها، وعانت من الضعف أكثر وقتها، والملاحظ على الحجابة آنذاك، هو كثرة من تولاها، مع قصر مدتهم، بسبب مايتعرضون له من مفاجآت غير سارة، من قتل وعزل وهروب.
_________________
(١) أعمال الأعلام، ٢/ ٩٧.
(٢) البيان المغرب، ٣/ ٦٩.
(٣) المصدر السابق، ٣/ ٦٩ - ٧٠.
(٤) نفسه، ٣/ ٧٢.
[ ٤٤٨ ]
ففي بداية عهد الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) تولى الحجابة الأمير عبد الجبار بن المغيرة لابن عمه الخليفة محمد المهدي (^١) وهذه هي المرة الأولى التي تولى فيها الحجابة أحد أبناء البيت الأموي، وذلك في الخلافة الأولى للمهدي، وأما في الخلافة الثانية فإنه استحجب الفتى "واضح الحكمي العامري (^٢) " بسبب مساعدته له عندما لجأ إلى طليطلة، وبالتالي وقوفه إلى جانبه إلى أن تولى الخلافة للمرة الثانية (^٣)، ويمكن القول بأن الحاجب واضح كان شريكًا للمهدي في تدبير الدولة (^٤) إلا أن طموحه كان أكبر من ذلك بكثير، فهو يتطلع إلى تكرار سيرة مواليه العامريين المنصور وبنيه، وذلك من خلال إعادة الخلافة لهشام المؤيد، ومن ثم السيطرة عليه -بالإضافة إلى الأخذ بثأرهم من المهدي (^٥) - لأجل ذلك تآمر مع بعض زملائه الصقالبة، فقتلوا المهدي يوم الأحد الثامن من ذي الحجة سنة (٤٠٠) (^٦) (٢٤ يوليو (١٠١٠) م) وبعد قتل المهدي تولى الخلافة
_________________
(١) أعمال الأعلام، ٢/ ١١٠. البيان المغرب، ٣/ ٩٥.
(٢) المصدر السابق، ٣/ ١٠٠. وأما صاحب ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٩٩ فقد ذكر أن اسمه "عامر الفتى".
(٣) أعمال الأعلام، ٢/ ١١٣ - ١١٤.
(٤) انظر: المصدر السابق، ٢/ ١١٥ - ١١٦. البيان المغرب، ٣/ ٩٥ - ٩٩.
(٥) البيان المغرب، ٣/ ٩٩.
(٦) الحلة السيراء، ٢/ ٧. أعمال الأعلام، ٢/ ١١٦.
[ ٤٤٩ ]
هشام المؤيد، فتولى واضح الحجابة له، وكما يريد فقد استبد بالسلطة (^١)، إلا أنه شعر بعدم قدرته على ضبط الأمور بصورة قوية، بل أصبح عرضة للسخرية والسب من قبل الجند، ولذا فقد عزم على الهرب طلبًا للنجاة، إلا أن أمره انكشف، فأسرع إليه ابن وداعة بطائفة من الجند، فأخرجوه من داره وعاتبوه على تفريطه ثم قتلوه (^٢)، فأصبح منصب الحجابة شاغرًا، إذ أن الخليفة هشام المؤيد أظهر الاستغناء عن الحاجب وأخذ يباشر الأمور بنفسه (^٣)، لكنه لم يلبث أن ولى عبد الرحمن بن متيوه مهام الحجابة (^٤)، وسماه بذي الوزارتين (^٥)، إلا أن أمره لم يستمر إذ ما إن شعر بخطورة الموقف وتدهور الأوضاع حتى هرب إلى بطليوس بعد أن سرق كل نفيس من قصر الخليفة هشام المؤيد (^٦) وبهرب ابن متيوه، ظل منصب الحجابة شاغرًا حتى دخل سليمان المستعين مدينة قرطبة في شهر شوال سنة (٤٠٣) هـ (إبريل (١٠١٣) م) (^٧) فتقلد المناصب في دولته بما فيها الحجابة
_________________
(١) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٢٥.
(٢) انظر: أعمال الأعلام، ٢/ ١١٨. البيان المغرب، ٣/ ١٠٣ - ١٠٥.
(٣) أعمال الأعلام، ٢/ ١١٨.
(٤) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٦. وأما ابن عذاري فقد أسماه بابن مناو. انظر: البيان المغرب، ٣/ ١٠٧.
(٥) البيان المغرب، ٣/ ١٠٧.
(٦) المصدر السابق، ص ٣/ ١٠٩.
(٧) الحلة السيراء ٢/ ٧.
[ ٤٥٠ ]
أنصاره البرابر (^١) وأصبحت دولة المستعين - كما يقول ابن عذاري - "دولة البرابر" (^٢).
ونظرًا لأن كل من آنس في نفسه قوة انتزى في ناحية من نواحي الأندلس وبسط نفوذه عليها، لأجل ذلك وجد أكثر من حاجب إذ أصبح لكل خليفة من الخلفاء المتنافسين على عرش قرطبة حاجب خاص (^٣).
ولدينا بالإضافة إلى هؤلاء الخلفاء المتنافسين بعض أصحاب الطموح الذين يريدون أن يلوا منصب الحجابة في ظل خليفة ضعيف تبرز فيها شخصياتهم فمن هؤلاء: -
خيران العامري، فبعد أن غادر قرطبة عقب تولي علي بن حمود الخلافة بها في شهر المحرم سنة (٤٠٧) هـ (يوليو (١٠١٦) م) توجه إلى جيان (^٤) وهناك وجد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن
_________________
(١) ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٣.
(٢) البيان المغرب، ٣/ ١١٤.
(٣) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤١.
(٤) جيان Jaen مدينة أندلسية قديمة تقع في قلب الأندلس، على بعد مائة كيلو متر شرقي قرطبة وبمثلها من ناحية الشمال، وقد امتازت جيان بأراضيها الخصبة ولذا فقد كثرت القرى التابعة لها، وقد كانت في أيام الدولة الإسلامية من أعظم قواعد الأندلس، إلى أن سقطت بأيدي النصارى سنة ٦٤٤ هـ، وقد بقى من آثار المسلمين بها الحصن أو القصبة الأندلسية والمعروفة اليوم باسم: حصن سانتا كاتالينا Castillo de sta catalina. انظر: فرحة الأنفس، ص ٢٨٤. الحلل السندسية ١/ ١٢٧ - ١٢٨. الآثار الأندلسية الباقية، ص ٢١٩ - ٢٢٧.
[ ٤٥١ ]
الناصر الملقب بالمرتضى، فبايعه بالخلافة في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) على أمل أن يلي الحجابة له ويسيطر على الدولة باسمه، إلا أنه لم يلبث أن غدر به وأسلمه للقتل حول غرناطة سنة (٤٠٩) هـ (١٠١٨ م) (^١).
وقبل خيران العامري، وجد مجاهد العامري المتوفى سنة (٤٣٦) هـ (١٠٤٤ م) الذي سبق الجميع إلى استغلال عواطف الأندلسيين تجاه الخلافة الأموية، فقد عمد في خلافة المستعين سليمان بن حكم إلى مبايعة رجل من بني أمية، عرف "بالنبل والذكاء والشرف (^٢) " هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، وذلك في أول سنة (٤٠٥) هـ (١٠١٤ م) (^٣) مستغلًا فرصة عبور علي بن حمود على رأس قواته من سبتة بالمغرب إلى مالقة بالأندلس (^٤)، فأخذ مجاهد البيعة للمعيطي في جميع أعماله، وتولى مجاهد منصب الحجابة للمعيطي، إلا أن الود بينهما لم يستمر، فاضطر مجاهد إلى طرد المعيطي بعد خلعه (^٥).
_________________
(١) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٥٥، البيان المغرب، ٣/ ١٢٥ - ١٢٧.
(٢) الصلة، رقم ٥٩٣.
(٣) أعمال الأعلام، ٢/ ٢٢٠.
(٤) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤١.
(٥) انظر: ترتيب المدارك، ٨/ ٢٦. الصلة، رقم ٥٩٣. أعمال الأعلام، ٢/ ٢٢٠، تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٦٤. كيليا سار فللي، مجاهد العامري، ص ١٥٥.
[ ٤٥٢ ]
وبوجه عام، فقد استمر وجود الأدعياء الذين بويعوا بالخلافة لهدف أراده من نصبهم وبايعهم، ويكفي للدلالة على سوء الوضع المتعلق بهذه الأمور قول ابن حزم: "أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم تسمى بأمرة أمير المؤمنين ويخطب لهم بها في زمن واحد، وهم خلف الحصري (^١) بإشبيلية على أنه هشام بن حكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن إدريس بن علي بن حمود بمالقة، وإدريس بن يحيى بن علي ابن حمود ببشتر (^٢) ".
وكما تولى الحجابة أصحاب السيف والقلم في عهد قوة الدولة الأموية، فكذلك تولاها بعض العلماء أصحاب الشخصيات الدينية
_________________
(١) بعد أن استقر يحيى بن علي بن حمود الملقب بالمعتلي، في مالقة، وبسط حكمه على معظم قواعد الأندلس الغربية الجنوبية، بدأ بالتطلع إلى إشبيلية وأرهق صاحبها ابن عباد بالغارات المتوالية، فما كان من الآخر، بعد أن شعر بخطورة الموقف، إلا أن أتى برجل فقير يعمل مؤذنًا في مسجد بإحدى قرى إشبيلية مستغلًا غيبة هشام المؤيد والأراجيف التي كانت تقول بوجوده، وبقرب ظهوره، وبالشبه الشديد بينه وبين ذلك الرجل المؤذن المدعو خلف الحصري، فألبسه الكسوة الخلافية ومشى بين يديه وصائح يصيح بأن هذا هو أمير المؤمنين هشام، وأجلسه في القصر وأخذ له البيعة وطالب الأهالي بمبايعته ومن أبى حل به البلاء. كل هذا حرصًا من ابن عباد على الدنيا ودفعًا لابن حمود عن الخلافة. انظر: البيان المغرب، ٣/ ١٩٧ - ٢٠٠.
(٢) نقط العروس، ص ٨٣ - ٨٤. وعن أولئك الحموديين: انظر: البيان المغرب، ٣/ ٢١٧. لويس سيكودي لوثبنا، الحموديين سادة مالقة والجزيرة الخضراء، ص ٤٢ - ٤٧.
[ ٤٥٣ ]
والأدبية، فقد تولى أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، تدبير دولة الخليفة عبد الرحمن المستظهر (^١)، الذي بويع بالخلافة يوم (٤) رمضان سنة (٤١٤) هـ (٤١ نوفمبر (١٠٢٣) م) إلا أنه لم يمكث في هذا المنصب سوى سبعة أسابيع بسبب مقتل المستظهر وبذلك فقد ابن حزم منصبه وكلما أقبلت الدولة على الوصول إلى نقطة النهاية، كلما أصبحت المناصب متاحة لأي كان، فمنصب الحجابة ارتقى إليه أصحاب المهن الوضيعة، فهذا أحمد بن خالد رجل حائك كان هو المدبر لدولة الخليفة المستكفي بالله ٤١٤ - (٤١٦) هـ (١٠٢٤ - (١٠٢٥) م) وكما يقول المراكشي: "فقل في دولة يدبرها حائك" (^٢).
وكانت نهاية هذا الحائك سيئة، إذ اقتحم عليه عوام قرطبة داره وضربوه بالحديد حتى مات (^٣).
وما يقال عن دولة المستكفي فإنه يقال عن دولة المعتد بالله ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٧ - (١٠٣١) م) الخليفة الأموي الأخير بالأندلس، فقد تولى أمر تدبير دولته حائك يدعى حكم بن سعيد القزاز، فأساء التصرف وأثار حفيظة الناس، فلما عيل صبرهم وثبوا عليه وقتلوه وحزوا رأسه وطافوا به بالبلد (^٤).
_________________
(١) المعجب، ص ٩٣.
(٢) المصدر السابق، ص ١٠٧.
(٣) نفس المصدر والصفحة.
(٤) البيان المغرب، ٣/ ١٤٦ - ١٥٠.
[ ٤٥٤ ]